في الوقت الذي يتوسع فيه نظام السيسي في نهب أموال معارضي السيسي ورافضي الانقلاب عبر تشريعات وقوانين وقرارات مخالفة لأبسط القواعد الدستورية والقانونية، قضت محكمة الاستئناف، الخميس، بإلغاء منع أسرة الرئيس المخلوع حسني مبارك من التصرف بأمواله.
ويأتي القرار وسط تأكيدات بتمكن أسرة مبارك من نهب مليارات الدولارات من أموال المصريين عبر سنوات حكمه، إلا أن نظام العسكر الذي يحكم مصر حاليا تغاضى عنها، ولم يقدم الدعم المعلوماتي للمحاكم لاسترجاع أموال الشعب، وسط تكهنات بأن السيسي ونافذين بنظام الانقلاب اقتسموا مع "آل مبارك" تلك الأموال مقابل السكوت عن المطالبة بها.
وفي المقابل؛ قرر قضاء الانقلاب، قبل أيام، منع أسرة الرئيس محمد مرسي من التصرف في أموالها؛ رغم أنه حكم مصر لمدة عام كان خلالها مثالا للنزاهة التي شهد بها معارضوه قبل مؤيديه. كما لم تثبت عليه أو معاونيه شبهة فساد، وكانت أحدث تلك الشهادات الصادرة عن هيئة التعمير والإسكان، التي أرسلت مذكرة رسمية إلى الجهات الحكومية والقضاء تؤكد سلامة الرئيس مرسي ونظامه والمقربين منه وقيادات الإخوان من التعامل على أراضي الدولة، وأنهم بعيدون عن أية شبهة فساد مالي أو إداري. ورغم ذلك يتم فرض الحصار على أموال الرئيس والإخوان، بل ويشرعن نظام السيسي القرصنة عليها وضمها إلى خزائن السيسي.
مقر الظلم
هذا التناقض يؤكد مقولة الشيخ عبدالحميد كشك "تسعة أعشار الظلم في مصر والعشر الأخير يجوب العالم نهارًا ويبيت ليلته في مصر" ….!!!
وهو ما يشير أيضا إلى أن انقلاب 30 يونيو هو الامتداد الطبيعي للثورة المضادة التي بدأت حرق مصر منذ نجاح ثورة المصريين في 2011، عبر إخراج البلطجية من السجون ونهب وسلب كافة ممتلكات الشعب، لكي يكفر المصريون بالثورة التي أزاحت جزءا من الظلم وأبقت على الجزء الآخر الذي قاده السيسي وزبانية العسكر.
وفي ديسمبر الماضي، أصدرت "لجنة التحفظ على أموال جماعة الإخوان المسلمين والكيانات المدرجة على قائمة الإرهاب، قرارات سرّية عدة، تقضي بالمصادرة النهائية لأموال أكثر من 120 شخصا من المتهمين في قضايا تمويل الجماعة وإعادة إحياء نشاطها الاقتصادي. وتأتي القرارات إثر صدور أحكامٍ نهائية من محكمة مستأنف الأمور المستعجلة، برفض التظلّمات المرفوعة من المتهمين بتمويل "الإخوان" والإرهاب، ضد قرار اللجنة، بنقل جميع الأموال والأملاك التابعة لهؤلاء المتهمين إلى الخزانة العامة للدولة.
والشخصيات التي صدرت قرارات تنفيذية بمصادرة أموالها، معظمهم من قيادات الصفين الثاني والثالث من الجماعة، وليس من بينهم رجال أعمال كبار، لكن بينهم بعض أصحاب المدارس والمستشفيات المتحفظ عليها منذ عام 2014.
وجاء التحفظ رغم صدور نحو 274 حكما قضائيا من محاكم القضاء الإداري بدرجاتها المختلفة، وعدم اختصاص محكمة الأمور المستعجلة بنظر قرارات التحفظ بالأساس.
وبحسب خبراء، تعتبر تلك القرارات التنفيذية هي الأولى التي تصدر في هذا الشأن، بعد شهورٍ من الصمت، على الرغم من بدء صدور أحكام متتالية من محكمة الأمور المستعجلة منذ ديسمبر 2018 وحتى يوليو 2019. وكان بعض المراقبين المتفائلين قد اعتبروا صمت السلطة إشارةً إلى عدم حسم نظام الانقلاب موقفه مما إذا كان سيمضي قدمًا في تنفيذ قرارات المصادرة، وتحمّل التبعات الاقتصادية الخطيرة لها على بيئة الاستثمار من عدمه، في ظلّ سيطرة حالةٍ من القلق بين الشركاء السابقين والحاليين من المستثمرين لبعض كبار رجال الأعمال المتهمين في تلك القضايا، في ظل هروب نحو 7,7 مليار دولار من مصر خلال شهر أكتوبر 2019، إثر سياسات العسكرة التي تبتلع الاقتصاد المصري بصورة كبيرة في الفترة الأخيرة.
بلطجة غير مسبوقة
وتمثل قرارات المصادرة، ابتلاعا نهائيا لأموال المعارضين من باب النكاية، وفي هذا الإطار، تسعى وزارة العدل بحكومة الانقلاب، عبر قطاع التشريع، إلى إجراء تعديلات على قانون التحفظ والمصادرة رقم 22 لسنة 2018 لحماية التصرفات الحكومية أو غير الحكومية في الأملاك المصادرة، خوفًا من صدور أي حكم قضائي مدني أو دستوري ببطلان المصادرة، مستقبلًا. هذا القانون هو نفسه الذي يبعد مجلس الدولة ومحكمة النقض عن النظر عن قضايا التحفظ نهائيا. وهو ما يتناقض مع المادة 40 من الدستور، التي تنص على أن "المصادرة العامة للأموال محظورة، ولا تجوز المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي". فالمقصود بالمصادرة الخاصة هنا، أن تحدد المحكمة الجنائية حصريا الأدوات أو الأموال التي استخدمها الجاني في عمله الإجرامي، ومن ثم تحكم بمصادرتها بعد ثبوت استخدامها في مخالفة القانون، كمصادرة السيارات والأسلحة والمخدرات في قضايا التهريب والقتل والإرهاب، الأمر الذي يختلف تمامًا عن حالة الأموال المتحفظ عليها جميعًا من أشخاص يشتبه في تمويلهم لجماعة "الإخوان".
وسبق أن استدعى جهاز الأمن الوطني في بعض المحافظات عددًا من المتهمين بتمويل الجماعة المدرجين في قائمة الإرهاب، ممن لم يدخلوا السجون في قضايا أخرى، وأبلغهم بضرورة تسوية الأوضاع المالية لشركاتهم وأملاكهم سريعا، تمهيدا لمصادرتها من قبل الدولة.
وأشارت المصادر إلى أنّ التعليمات الأمنية تضمنت ضرورة الإفصاح عن جميع الأملاك المسجّلة باسم الشخص المدرج في قائمة الإرهاب بقضية التمويل، قبل تنفيذ قرار المصادرة، مع التهديد بتحريك قضايا ضريبية ومالية ضدّ من يخفون أملاكًا أو ينقلون ملكيتها إلى أشخاص آخرين لحمايتها من المصادرة. بالإضافة إلى هذه الخطوة، أُعدَّت قائمة جديدة العام الماضي تضم نحو 30 شخصًا، زعمت تحريات الأمن الوطني أنهم تعاونوا مع بعض المتهمين لإخفاء ملكياتهم، أو نقلها إليهم أو إلى آخرين، وصدر قرار بالتحفظ أيضًا على أموالهم.
وأمام هذا المشهد يتضح المنعطف الحطير الذي تسير فيه مصر التي تتقهقر نحو عصور البلطجة والقمع العكسري الاشد وطاة من الاستعمار الأجنبي.