ما فعله أنصار الرئيس الأمريكي الخاسر دونالد ترامب يوم 6 يناير 2021 من عنف واقتحام مبنى الكونجرس في محاولة انقلابية مفضوحة على نتائج الانتخابات الأمريكية التي فاز بها جوبايدن، تمثل أعلى صور الإرهاب ورغم ذلك لم تجرؤ صحيفة أو وسيلة إعلام أمريكية أو أوروبية أن تطلق عليهم وصف "إرهابيين".
معنى ذلك أن إطلاق وصف الإرهاب لا يتعلق بالسلوك المجرم ذاته بقدر ما يتعلق بمرتكب الجريمة، فإذا أطلق مسلم النار في الهواء في أي مدينة أمريكية أو أوروبية لأي سبب؛ فهو إرهابي، أما عندما اقتحم المتطرفون البيض الكونجرس وأطلقوا النيران، وتسببوا في مقتل بعض الأفراد لمنع تصديق الكونجرس على فوز بايدن بانتخابات الرئاسة فهم ليسوا إرهابيين ولكنهم "أنصار ترامب".
هذه المعايير المختلة والازدواجية في الحكم على السلوكيات، دفعت المذيع الأمريكي في قناة "إم إس إن بي سي" (MSNBC) الأميركية، جو سكاربورو (Joe Scarborough)، إلى انتقاد ذلك، حيث تصدر قائمة الأعلى تداولا على موقع تويتر في الولايات المتحدة، وذلك بعد انتقاده تساهل شرطة الكونجرس مع أنصار ‎الرئيس دونالد ترامب. وقال جو سكاربورو في تعليقه على اقتحام أنصار ترامب لمبنى الكونجرس (الكابيتول) لمنعه من التصديق على فوز جو بايدن بالانتخابات، "لو كان أولئك المتمردون سودا لأُطلقت النار عليهم في وجوههم.. يا إلهي، لو كان أولئك المتمردون مسلمين لأطلق عليهم القناصةُ النارَ من أسقف المباني". كما دعا سكاربورو إلى اعتقال الأشخاص الذين اقتحموا مبنى الكابيتول، واتهم الرئيس ترامب ومحاميه رودي جولياني ونجله دونالد ترامب جونيور بتأجيج المؤيدين لاقتحام المبنى، ودعا إلى تقديهم للمحاكمة لمنع تكرار هذا الهجوم في المستقبل.
ضبط شاحنة متفجرات
وفي تغريدة على تويتر انتقد المذيع الأميركي الفشل الأمني في مواجهة اقتحام الكونجرس. وقال "الفشل الأمني في مبنى الكابيتول صادم، ويجب على قادته التأكد من عدم انتهاك مثيري الشغب لمنزل الشعب وأعظم هيئة تداول في العالم مرة أخرى. ما حدث وصمة عار". وأثارت مشاهد اقتحام أنصار الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب مبنى الكونجرس دهشة العالم، فعلى الرغم من الحراسة المشددة -خصوصا أثناء اجتماع التصديق على انتخاب جو بايدن خلفا لترامب- فإن المتظاهرين تمكنوا من اقتحام المبنى والعبث بمحتوياته. وقال القائم بأعمال المدعي العام الفدرالي للعاصمة واشنطن مايكل شروين إن التحقيقات التي أطلقت بشأن الهجوم على مبنى الكونجرس ستشمل الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب، والمتحدثين الآخرين الذين شاركوا في التجمع الذي سبق الاعتداء على الكونجرس.
وقالت شبكة "سي إن إن" (CNN) الأميركية إن المحققين الفدراليين أوقفوا شاحنة محملة بالأسلحة والمتفجرات في محيط مبنى الكونجرس (الكابيتول) قبيل اقتحام أنصار ترامب المبنى. وذكرت أن المحققين أكدوا أنهم أوقفوا رجلا من ولاية ألاباما داخل الشاحنة الصغيرة، التي تبين أنها محملة بـ11 قنبلة ومسدسات وبنادق هجومية، وذلك على بعد مربعين سكنيين فقط من مبنى الكابيتول. كما أكد المحققون توقيف رجل آخر في العاصمة واشنطن كان يحمل بندقية ومئات طلقات الذخيرة الحية، وكان قد أخبر معارفه أنه يريد إطلاق النار على رئيسة مجلس النواب الديمقراطية نانسي بيلوسي أو دهسها.
حركة "براود بويز" الإرهابية
وتتوجه أصابع الاتهام لأعضاء منظمة "براود بويز" (Proud Boys) في أحداث اقتحام مبنى الكونجرس، وتعطيل الجلسة المشتركة التي كان يصادق فيها أعضاء مجلسي الكونجرس على نتائج الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها جو بايدن، وجاءت المظاهرات تلبية لدعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
و"براود بويز" هي حركة يمينية متطرفة تؤمن بتفوق العرق الأبيض، شارك الآلاف منهم في الحشود التي استجابت لدعوات ترامب يوم الأربعاء 6 يناير 2021م، ويمكن تمييزهم بصورة واضحة من خلال ملابسهم شبه العسكرية، التي يطغى عليها اللونان الأصفر والأسود، إضافة لوجود شعارات يضعها البعض على ملابسهم، تتضمن اسم المنظمة.
يؤمن أعضاء المنظمة بأن "الرئيس ترامب يعد أول رئيس يصل للبيت الأبيض معتمدا على أصوات الرجال البيض، لقد استطعنا إيصاله للبيت الأبيض؛ لأنه يتبنى خطابا قوميا أمريكيا، ولا يؤمن بالعولمة الكونية، أميركا مختلفة، ويجب أن تبقى كذلك رغم جهود اليساريين الديمقراطيين الليبراليين، وهذا لن يتوقف مع تغير تركيبة أمريكا السكانية"، على حد وصفهم.
يقول أحد أعضاء الحركة: "لو أستطيع أن أشنق قادة الحزب الديمقراطي في قلب العاصمة واشنطن لفعلت؛ كي يكونوا عبرة لمن يأتي بعدهم في المستقبل. هم يعبثون بأهم ما نملك.. الانتخابات الحرة. هم يتآمرون على الشعب الأميركي الطيب ويريدون القضاء على حريتنا للتحكم بنا، كما يتحكم حكام الدول الاشتراكية بمواطنيهم. لن نسمح لهذا أن يحدث".

جماعة متطرفة

ويصف مركز "قانون الفقر الجنوبي" و"رابطة مكافحة التشهير"، وهما من أعرق المؤسسات الحقوقية الأمريكية، جماعة "براود بويز" بأنها جماعة متطرفة راديكالية تؤمن بتفوق العرق الأبيض، وتنشر الإسلاموفوبيا وكراهية المهاجرين والعداء كل المخالفين لهم.
تأسست "براود بويز" اليمينية سنة 2016 من الناشط الإعلامي غافن ماكنيس، وذلك لتصحيح المواقف السياسية ومحاربة "الشعور بالذنب الأبيض". ويجمع بين الآلاف من أعضاء الجماعة المتطرفة رابطة شبه سرية، سهلت وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة تأسيسها، ونشر أفكارها، وتواصل أعضائها. وشارك أعضاء المنظمة في مسيرات في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وتحول الكثير منها للعنف، بما في ذلك اشتباك عنيف في مسيرة "اتحدوا مع اليمين" في مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا عام 2017، وهي المسيرة التي أسفر عنها مقتل سيدة وإصابة العشرات، ورفض ترامب حينها إدانة المجموعة.
وبعد أحداث العنف والإرهاب الأخيرة واقتحام الكونجرس، تحدث ترامب بعاضفة جياشة تجاه أعضاء "براود بويز"، وقال عقب اقتحامهم لمبنى الكونجرس: "أدرك ألمكم، لقد سرقت منا الانتخابات؛ لكن عليكم العودة إلى دياركم، يجب أن نلتزم بالسلام وبالقانون والنظام". وأضاف "أحبكم". هكذا أبدى ترامب غرامه بالمتطرفين والإرهابيين البيض الصليبيين ودفاعه عنهم مهما كانوا متطرفين ومهما كانوا مجرمين إرهابيين.

Facebook Comments