اعتبرت ورقة تحليلية أن مرواحة السودان في مواقف متضاربة أحيانا في ملف سد النهضة يعكس غموضا في عملية صنع القرار السياسي في المرحلة الانتقالية. مشيرة إلى أن "مصر" تُعوِّل بقوة، ضمن إستراتيجية أشمل للتقارب مع دول حوض النيل، على الموقف السوداني وثباته في مواجهة المراوغات الإثيوبية.
ورصدت الورقة التي نشرها موقع "الشارع السياسي" تحت عنوان "الأزمة السودانية الإثيوبية وتأثيرها على مصر" هذه المراوحة من خلال مواقف متضاربة؛ بدأت بإعلان الخرطوم مقاطعتها للمحادثات ذات الصلة بسد النهضة، ثم إعلان رئيس الوزراء حمدوك خلال زيارته لأديس أبابا 13 ديسمبر الماضي التوصل لاتفاق مع إثيوبيا لاستئناف المفاوضات في ظل صمت مصري، واتفاق الجانبين على منح الاتحاد الإفريقي دور أكبر في المحادثات، الأمر الذي يعبر عن عدم تفهم للموقف المصري.

قضايا شائكة
وعن أثر المشكلات السودانية مع مصر رصدت الورقة ملف "أمن البحر الأحمر"؛ كاشفة أنه من القضايا الشائكة بين القاهرة والخرطوم في السنوات الأخيرة من عهد عمر البشير، ويُرجح أن يقود أي تقارب إثيوبي سوداني في سياق سعي إثيوبيا لاستغلال موانئ سودانية إلى تجديد هذا التوتر، أخذا في الحسبان التعاون العسكري التركي- الإثيوبي.
ومن المواقف الشائكة الأخرى موقف القوى السياسية السودانية من مصر؛ حيث تحاول القاهرة مد جسور التواصل مع قوى ثورية سودانية طالما عُرفت بأنها راديكالية، الأمر الذي يُمكن أن يتأثر، من حيث القوة والانتشار، بنمو النفوذ الإثيوبي وسط قوى سياسية تنظر لمصر بشكوك ربما يرتبط أغلبها بصورة نمطية موروثة، الأمر الذي تمثَّل في إثارة بعض القوى والأصوات السودانية مسألة مثلث حلايب في خضم استعادة القوات السودانية لأراضي تقر إثيوبيا بأنها سودانية.

ملف مياه النيل
وعن العلاقة بين الأزمة الحدودية ومفاوضات سد النهضة، اهتمت الورقة بما كشفه وزير الخارجية السوداني المكلف عمر قمر الدين، عن موقف بلاده من قضية الحدود مع إثيوبيا وأزمة سد النهضة. وذكر أن العلاقات مع إثيوبيا راسخة ككل دول الجوار، وأن السودان تحاول العيش بسلام مع كل جيرانها، ولكن كان هناك اختلاف في وجهات النظر بشأن الحدود، وأن المناطق التي دخلها الجيش السوداني مناطق سودانية وتمارس السودان عليها حقها السيادي، وأن نزاعات الحدود يجب أن تُحل بالمفاوضات.
كما أبرزت الورقة موقف الخارجية الإثيوبية التي قالت إن بلادها والسودان اتفقا على حل قضية الحدود بينهما بشكل نهائي بعد أيام من التوتر. وفيما يتعلق بأزمة سد النهضة، ذكر الوزير السوداني أن بلاده طالبت بضرورة التفكير بنهج مختلف في الطريقة التي تدير بها المفاوضات، وأكد أن السودان لم يترك التفاوض. ورأت أن تعثر مفاوضات سد النهضة خلق بيئة خصبة لتصعيد الخلافات بين البلدين، فما كان للأمر أن يصل لهذا الحد في حالة نجحت مفاوضات سد النهضة.

متغيرات طارئة
وخلصت الورقة إلى أن النزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا تاريخي، يطفو ويتراجع وفق متغيرات الأحداث، فأزمة "الفشقة" تاريخية وليس لها حل جذري، كما أن المنظمات الدولية لا تعطيها أهمية كبيرة للضغط على الدول، مما يوحي بأنه لا توجد آفاق قريبة للحل، فالبيئة مواتية للمزيد من التصعيد.
وأضافت أن العلاقات السودانية الإثيوبية وتطوراتها الراهنة يجب أن تُشكل شاغلا رئيسا لمصر لتداعياتها المفهومة على عدة ملفات مصيرية، في مقدمتها سد النهضة وأمن البحر الأحمر.
ولفتت إلى أن مساعي قيادة المرحلة الانتقالية تمثل منفذا للخروج من دائرة النفوذ الإثيوبي؛ فرصة لاستعادة السودان لدوره الإقليمي المهم وتفادي مزيد من تعقيدات المرحلة الانتقالية، لاسيما بعد قيام إثيوبيا بدور رئيس في التأثير في السودان بوقوفها المبكر خلف قطاعات واسعة من القوى المدنية والمسلحة المعارضة للرئيس المعزول عمر البشير؛ الأمر الذي مكَّنها لاحقا من مواصلة تأثيرها في المرحلة الانتقالية، كما يتضح في التنسيق المستمر بين حمدوك وآبي أحمد في أكثر من ملف سوداني، والتحيز الإثيوبي الواضح لحمدوك.
وأعربت عن ترجيحها ألا تتخلِّى إثيوبيا، التي خرجت من أزمة التيجراي أكثر جنوحا لتعزيز هيمنتها الإقليمية، عن تأثيرها عبر قنوات الاتصال مع حمدوك وبعض المكونات المدنية، واحتواء المعارضة المسلحة. إلا أن هذا التأثير حاليا يواجه مشكلات طارئة لعدة عوامل؛ أهمها تآكل صورة آبي أحمد كقائد إقليمي للسلام، والتقارب الواضح بين قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية السودانية مع المكون العسكري؛ مما يؤشر على اصطفاف شعبي متزايد وراء القيادة العسكرية السودانية، وتقارب القاهرة مع الخرطوم في ملفات عدة. فيما تظل قدرة أديس أبابا على استمرار دورها كقوة إقليمية رئيسة في المنطقة؛ دافعا لدورها في السودان ومساعي اندماجه في النظام الدولي سياسيا واقتصاديا، الأمر الذي قد يدفعها لاحتواء الأزمة، وربما تهدئتها لبعض الوقت على المستوى الدبلوماسي دون الوصول لحل على الأرض.
https://politicalstreet.org/2021/01/12/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%88%d8%af%d8%a7%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%ab%d9%8a%d9%88%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d9%88%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d9%8a%d8%b1%d9%87%d8%a7/?fbclid=IwAR0aKL7MBhuydc8_15NiE5uwOAGm5SB_nIMTl9PFiRGO60cIoSsLQ77C3WM

Facebook Comments