في أزمة سد النهضة.. لماذا تتشبث إثيوبيا باتفاق المبادئ ويتمسك العسكر بالمفاوضات؟

- ‎فيتقارير

خلال الأيام القليلة الماضية، شددت الحكومة الإثيوبية على تمسكها الكامل بالتنازلات التي قدمها رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي لأديس أبابا في مشروع سد النهضة الكارثي، وذلك بالتأكيد على تمسكها باتفاق المبادئ الذي جرى التوقيع عليه في مارس 2015م بالعاصمة السودانية الخرطوم، وهو الاتفاق الذي شرعن بناء السد رغم أنه مخالف للقانون الدولي للبحار. في المقابل، أقر سامح شكري وزير خارجية حكومة الانقلاب، أن مساء التفاوض لم يحقق شيئا ولم يصل إلى النتائج المرجوة لكنه في ذات الوقت شدد على تمسك حكومته باستئناف مسار المفاوضات تحت رئاسة الكونغو التي ترأس الدورة الحالية للاتحاد الإفريقي.
وبحسب بيان لوزارة الخارجية فإن "شكري" يؤكد على ضرورة التوصل لاتفاق قانوني مُلزم قبل تنفيذ المرحلة الثانية من الملء، وذلك من خلال إطلاق مسار مفاوضات جاد، وبما يراعي مصالح الدول الثلاث، مؤكدا أن الدولة المصرية عبّرت عن إرادتها السياسية الخالصة للتوصل لاتفاق عادل ومتوازن يحقق لإثيوبيا أهدافها التنموية ويحفظ في ذات الوقت حقوق مصر ويؤمن دولتي المصب من مخاطر وأضرار هذا السد.
وحول أسباب تمسك إثيوبيا باتفاق المبادئ، يؤكد مراقبون وخبراء أن أديس أبابا بادرت برفض أي مقترح يتعلق بتجاوز اتفاق إعلان المبادئ، وأكد وزير المياه والري الإثيوبي سيلشي بيكلي، الأسبوع الماضي، تمسك بلاده بالاتفاق، متهما مصر والسودان في الوقت ذاته، بالتسبب في فشل المفاوضات. وكشف الوزير الإثيوبي أن بناء سد النهضة وصل إلى 78.3 بالمئة، وأنه من المتوقع أن يخزن السد 13.5 مليار متر مكعب من المياه إضافية في موسم الأمطار القادم، أو ما يعرف بعملية الملء الثانية، رغم عدم التوصل لاتفاق ثلاثي.
الانسحاب من المفاوضات

وكانت تقارير صحفية نقلت عن مصادر دبلوماسية مصرية طرح مصر والسودان لخيار الانسحاب من اتفاقية المبادئ سواء بشكل ثنائي أو منفرد، ولم تؤكدها أو تنفيها أي مصادر رسمية.
وكان رئيس الانقلاب قد وقع في 23 مارس 2015، على "اتفاقية إعلان المبادئ"، التي بموجبها تعترف مصر رسميا بحق إثيوبيا الشرعي في بناء سد النهضة مقابل تعهد أديس أبابا بإشراك مصر في إدارتها للسد. ويشمل الاتفاق عشرة مبادئ أساسية تتسق مع القواعد العامة في مبادئ القانون الدولي الحاكمة للتعامل مع الأنهار الدولية؛ مثل: التعهد بعدم إحداث ضرر ذي شأن لأي دولة، والاستخدام المنصف والعادل للمياه، والتعاون في عملية الملء الأول لخزان السد، وتشغيله السنوي. ويؤكد الاتفاق عدم المساس بالاتفاقيات التاريخية لمياه النيل، ولا يتناول حصص المياه أو استخداماتها، إنما يقتصر فقط على ملء وتشغيل السد، على أن يعقب اتفاق المبادئ اتفاقات أخرى.
وبحسب محمد عماد صابر، عضو لجنة العلاقات الخارجية ببرلمان الثورة المصري، فإن أثيوبيا تتمسك باتفاق المبادئ لأمرين بارزين: الأول أنه منح السد غطاء من الشرعية ويمثل موافقة مصر والسودان ضمنيا على بناء إثيوبيا سدودا أخرى، والثاني أن صياغة الوثيقة وبنودها تمنح إثيوبيا قراءة مطاطة وحمالة أوجه لبنودها". وبحسب خبراء فإن توقيع السيسي قد منح أديس أبابا فرصة الحصول على تمويلات من مؤسسات دولية دول ثرية كانت تتحفظ قبل الاتفاق على عمليات التمويل لأن السد يخالف القانون الدولي لعدم موافقة مصر على بنائه.
ويفضل "صابر" الانسحاب من اتفاق المبادئ والعودة إلى المربع "صفر"،؛ ردا على التعنت والتلكؤ الإثيوبي والانتهاكات المتواصلة للاتفاق من جانب أديس أبابا؛ وبالتالي يتم سحب المشروعية القانونية عن عمليات إنشاء السد وفقا للقانون الدولي، وتدويل الأزمة أمام مجلس الأمن وفقا للبند السابع، لكنه يستدرك بأن "هذه الخطوة ستواجه رفضا دوليا، وعليه فإن خيار الانسحاب خيار مطروح ولكنه لن يحل المشكلة، فالسد أصبح أمرا واقعا وأصبحت المياه خلفه، والخيار العسكري مستبعد لأن النظام العسكري في مصر أو السودان لا يملكان قرارهما، فالقرار تملكه القوى الكبرى وتتحكم فيه وفق مصالحها".

ضعف موقف القاهرة
وفقا للدكتور أحمد المفتى، خبير القانون الدولي والعضو المستقيل من اللجنة الدولية لسد النهضة الإثيوبى، فإن السيسي ارتكب حماقة كبرى بالتوقيع على اتفاق المبادئ بالخرطوم في مارس 2015م، للأسباب الآتية:
1) المشروع الإثيوبى كشف عن تقصير مصرى سودانى 100%، لأن البلدين تجاهلا أن أساس أى مشروع مائى على الأنهار الدولية المشتركة، يعتمد على المدخل القانونى، وتقدير الوزن القانونى قبل الشروع فى تنفيذ المشروع.
2) الاتفاق أدى إلى تقنين أوضاع سد النهضة، وحوله من سد غير مشروع دولياً إلى مشروع قانونياً.
3) ساهم فى تقوية الموقف الإثيوبى فى المفاوضات الثلاثية.
4) أضعف الاتفاقيات التاريخية، ولا يعطى مصر والسودان نقطة مياه واحدة.
5) تمت صياغته بما يحقق المصالح الإثيوبية فقط، وحذف الأمن المائى، ما يعنى ضعفا قانونيا للمفاوض المصرى والسودانى.

لغز البند رقم 10
يجمع خبراء القانون الدولي أن البند رقم "10" في اتفاق المبادئ الذي وقع عليه السيسي في الخرطوم مارس 2015م، يمنح الطرف الإثيوبي وضعا قويا للغاية؛ لأنه قيد فكرة تدخل طرف رابع أو وسيط بين أطراف الأزمة الثلاثة "مصر وإثيوبيا والسودان" كما قيد اللجوء إلى التسوية القانونية عبر القضاء الدولي سواء أمام محكمة العدل الدولية أو القانون الدولي.
وتنص الققرة "أ" من المادة "10" على «تقوم الدول الثلاث بتسوية منازعاتها الناشئة عن تفسير أو تطبيق هذا الاتفاق بالتوافق من خلال المشاورات أوالتفاوض وفقًا لمبدأ حسن النوايا. وإذا لم تنجح الأطراف في حل الخلاف من خلال المشاورات أو المفاوضات، فيمكن لهم مجتمعين طلب التوفيق، والوساطة، أو إحالة الأمر لعناية رؤساء الدول/رئيس الحكومة”».
وثمة أمران:
الأول: “ضرورة موافقة جميع الأطراف” على طلب التوفيق أو الوساطة، عبر استخدام عبارة «مجتمعين» ما يعني أن مصر لن تستطيع تمرير أي قرار خاص بالسد بصورة منفردة، كما أن تحقق هذا التوافق “الإجماع” أمر في غاية الصعوبة، ناهيك عن أن التسوية ستكون سياسية أيضًا من خلال طلب التوفيق” الذي يعني تشكيل لجنة لبحث النزاع من جميع جوانبه وتقديم تقرير للدول المعنية يقدم اقتراحات معينة غير ملزمة للأطراف المعنية “، أو الوساطة وتعني تدخل طرف خارج، وله المشاركة في المفاوضات وتقديم اقتراحات للحل غير ملزمة” ، أما ما سوى ذلك فيتم رفعه لرؤساء الدول والحكومات للدول الثلاث لاتخاذ ما يلزم.
الثاني، أنه كان يمكن النص على الوسائل القانونية للتسوية مثل التحكيم والقضاء الدولي ولكن لم يتم النص عليها لرفض إثيوبيا المسبق لذلك. ومعنى هذا أنه لن يتم اللجوء للتحكيم أو القضاء الدولي رغم أنهما إحدى الأدوات التي نصت عليها المادة 33 من اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997الخاصة بالاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية، والتي استند اليها إعلان المبادئ في معظم بنوده، لكن يبدو أن اثيوبيا سعت لإفراغ بعض هذه الاتفاقية الدولية من مضمونها أو تحويرها بما يتوافق مع أهدافها، وللأسف وافقت مصر على ذلك. معنى هذا أن حلول الأزمة ستبقى رهينة بالجهود الدبلوماسية فقط. فلن تتمكن مصر وفق بنود اتفاق المبادئ من اللجوء إلى الوساطة أو التحكيم الدولي أو طلب التدخل من الاتحاد الإفريقي أو مجلس الأمن أو محكمة العدل الدولية لعدم النص على ذلك في الاتفاق الكارثي ، وإذا حدث بعد جهود مضنية فلن يكون قراراها إلزاميا.