"لا معنى اليوم للخلاف أو لضغائن الماضي الناجمة عن أخطاء"، بهذه العبارة أو عبارات قريبة منها، دعا ناشطون ومراقبون إلى ضرورة توحد المعارضة، وهو الأمر الذى تجلى بوضوع خلال الـ18 يوما في ميدان التحرير خلال ثورة 25 يناير 2011م. ويرى مراقبون أن الجديد اليوم هو التحامل على المعارضة لتبرير التحول في الموقف التركي حيال نظام الانقلاب في مصر، متهمين المعارضة بالتشتت وأن الفترة الماضية لم تشهد توحدا أو تحولا إلى "معارضة حقيقية" تستطيع أن تتكلم باسم الشعب المظلوم، أمام الدول والمنظمات.
وتبنى الدعوة إلى توحد المعارضة الإعلامي زين العابدين توفيق، الإعلامي بقناة الجزيرة، عندما كتب عبر حسابه على تويتر "@zeintawfik" داعيا إلى "كيان موحد يجمع كل تيار على حدة بما أن التيارين لا يمكن جمعهما في كيان واحد ولا أدري لماذا؟". وطالب "توفيق" ببرنامج عمل موحد لمن يمثلون "المعارضة الإسلامية" و"المعارضة العلمانية"، مقللا من شأن الخلاف بسؤاله عن "هل الخلاف على أولويات المرحلة المقبلة لدرجة تمنع تشكيل مثل هذا الكيان؟".

وحدد أولويات أو أركان يمكن أن يلتقي الفريقان عليها ومنها؛ "إنقاذ ما يمكن إنقاذه" و"إعادة الحرية" و"احترام الحقوق الأساسية للمواطنين"، و"وقف استنزاف موارد الدولة والتفريط في مقدراتها"، و"خلق نسق اقتصادي تنافسي وسليم" من شأنه مشروعات تدعم التصدير وتوفر فرص عمل كثيفة وتوقف نزيف قروض الخارج". وأضاف إلى هذه الأولويات المجمعة "الهوية المصرية" مستنكرا "الحديث عن فروق وخلافات أيديولوجية بينما الحريق مشتعل ولا يحتاج إلا لسكب الماء". وتابع: "إذا كانت الهوية مثار خلاف لما لا يتم تأجيلها إلى ما بعد العمل الشاق لـ"إطفاء الحرائق؟". ورأى أنه من السذاجة والبلاهة وعدم الرشد والكبر أن يظل البعض أسيرا لضغائن الماضي وأخطاء الماضي بعد معاناة السنوات الماضية".
موقف على الهامش
في حين رأى آخرون أن المعارضة ليست في موقف سيئ حتى يصب عليها جام الغضب، فالكاتب الصحفي فراس أبو هلال، رئيس تحرير موقع "عربي 21" رأى أنه "من العوامل التي زادت من حدة خطاب القنوات المعارضة، هو حجم القمع والاستبداد الذي يفرضه النظام في الداخل، والقتل اليومي، والاعتقالات، والتعذيب في السجون"، وهو ما يراه مراقبون تحميلا للانقلاب المسؤولية الأكبر. وهو ما أيده وائل قنديل بقوله: "لو دفعت القنوات المصرية في تركيا كل ما تملك لصناعة دعاية لنفسها، لما أنجزت واحد بالمائة مما تحقق لها على يد كارهيها، بعد عاصفة تفاهمات أنقرة والقاهرة..ولو أنفق كارهو باسم يوسف مليارات لتدميره، لما فعلوا واحد بالمائة مما فعله في نفسه".

ولكن الأستاذ إبراهيم منير، القائم بأعمال المرشد العام لجماعة "الإخوان المسلمين"، أضاف في حوار معه على الجزيرة مباشر إلى الأهداف السالفة التي عددها "زين العابدين توفيق" المعتقلين والشعب، وقال في تصريحات إعلامية: "إذا عرض على المعارضة المصرية ونحن جزء منها الحوار مع النظام بما يتضمن المعتقلين والمختطفين وأصحاب الدم ويحسن أحوال الشعب، لن نرفض".
أما الناشط مدحت محمود فقد أعاد الأمور إلى نصابها عندما رأى أن الكرة في ملعب الانقلابيين وليست في جهة المعارضة (غير الموحدة)، فيقول "محمود" إن ورطة الانقلاب هي في "دخول بايدن البيت الأبيض وبعد الصلح الخليجي، وفتح إيطاليا لملف رجيني وتحويله إلى الاتحاد الأوروبي، وملف حقوق الإنسان في مصر والسجون والتعذيب وإسكات المعارضة والتلاعب بالدستور ومدة الحكم". وأبدى تعجبا من أن "النظام المصري يحاول الآن تحسين أوضاعة .. تصوروا أن النظام المصري يبحث عن المعارضة".

نموذج معارض
قبل عامين، وتحديدا في مارس 2019، كتب أستاذ العلوم السياسية الدكتور حازم حسني، الذي خرج قبل أسابيع من المعتقل، محدد الإقامة في بيته، فأنكر ابتداء في رسالة بعنوان "كلٌّ يغنى لليلاه … أو هو يناجيها ويبكى عليها" أن يكون قد دعا إلى "الدعوة لمد جسور التفاهم والمصالحة بين الدولة المصرية وبين تنظيم "الإخوان المسلمين". وأشار إلى أن موضوعه هو "التأكيد على أن شؤون اى دولة لا تستقيم بلجوء نظامها الحاكم لتوظيف أدوات القوة "الغاشمة"، وإنما هى تستقيم فقط بقدر ما تكون "الحكمة السياسية" كابحة لأى انحراف من جانب الحاكم أو من جانب المحكوم، وهى الحكمة التى أضاعتها فى بلادنا – بكل أسف – نظم حكم غير مسؤولة، أضاعت بنزقها كل أسباب استقرار الدولة حتى وإن حافظت لبعض الوقت على توازنات منظومة الحكم التى تبقى – رغم هذه التوازنات – منظومة هشة وغير مستقرة ".
وألمح إلى انتقاد غياب الدستور والقانون فقال: "الدولة التى لا تنضبط آلة الحكم فيها على قواعد دستورية وقانونية حكيمة وعادلة لا يحق لها أن تنتظر من مواطنيها أن يكونوا أكثر حكمة منها، ولا أن يكونوا أكثر منها التزاماً بالقانون والدستور!".

معارضة ديسمبر 2012
في هذا الوقت، شن خفافيش الدولة العميقة هجوما إجراميا على الحشود المؤيدة للرئيس المدني المنتخب الدكتور محمد مرسي، واندس عناصر مخابراتية وأمنية بين حشود المعاضة العلمانية وأطلقوا الرصاص حتى قتلوا نحو 10 مواطنين بينهم الصحفي اليساري الحسيني أبو ضيف ومواطن قبطي آخر بينما استشهد من أنصار الرئيس 8 آخرون. ويؤكد الصحفي سالم المحروقي الذي كان يعمل وقتها في إحدى فضائيات الفلول وكان شاهد عيان لكل ما جرى هذه الليلة أن كل الذين قتلوا كانوا بين صفوف أنصار الرئيس مرسي وكان الطرف الآخر هم الذين أطلقوا الرصاص والمولوتوف حتى استشهد 10 وأصيب المئات جلهم من أنصار الرئيس.
في هذا الوقت، فندت صحيفة فرانكفورت الألمانية الرسمية توصيفها للمعارضة في مصر عندما قالت إنها "معارضة غير ناضجة ومعزولة شعبيا". وأضافت لهزلها أنها "لا توحد ولا برنامج وأن بين أبرز وجوهها وبين الشارع والناخب المصري انفصام كبير. وسردت على ذلك أسماء منها؛ محمد البرادعي الذي ليس له حضور في الشارع المصري، ولا يستطيع أن يؤثر في الشباب. أما عمرو موسى فقالت إنه يكتنفه غبار الماضي و لم يعد بمقدوره مع تقدم سنه أن يقلب دفة الأمور في البلاد، واعتبرت حمدين صباحي مقودا لا قائدا.
ورغم أن مصر وقتها كانت تنعم بحرية غير مسبوقة حرية في الرأي والتعبير وتكوين الأحزاب والصحف والفضائيات وانتخابات نزيهة في الرئاسة والبرلمان والجامعات والنقابات وحيل بين الأمن والتدخل في السياسة إلا أن المعارضة العلمانية كابرت وتنكرت لنتائج الانتخابات ولم تسلم بها، وراحت تشعل الأجواء مدعومة بتحريض واسع من جانب مؤسسات الدولة العميقة وكان على رأسها الجيش والمخابرات العامة والحربية والأمن الوطني. وجاء مشهد 30 يونيو ليؤكد أن كل هذه الأحداث كانت من تدبير العسكر حتى تؤول السلطة إليهم مرة أخرى خوفا من استمرار نجاح الثورة والتجربة الديمقراطية الحديثة.
ومن الكلمات السابقة لمعتز عبدالفتاح -الأكاديمي الانقلابي – التي كتبها في ٣ يناير ٢٠١٣ ، ونشرتها الصفحة الرسمية لـ"حزب الحرية و العدالة بعنوان "توحد المعارضة فى صالح مصر والمصريين". وقال عبدالفتاح إن المقصود من مقاله "..المعارضة "العاقلة" أو المعارضة الموالية للتقاليد الديمقراطية، التى تعارض النظام الحاكم ولا تعارض الدولة. تحترم إرادة صندوق الانتخابات لكنها تراقب أداء من وصلوا إلى السلطة عبره".
وعن حتمية المنافسة لا التكامل قال "معتز": "لا ينبغى أن نخدع أنفسنا لأن التنافس فى السياسة المصرية سابق على التكامل. وأن علم التاريخ يؤكد أن الانشقاقات بين المنتمين للتيار الفكرى والسياسى الواحد هو جزء من تاريخ مصر حتى قبل (ثورة 1952). في إشارة إلى انقلاب الجيش وقتها.