في ذكراها الـ13.. مستقبل حركة “6 أبريل” خلال حكم السيسي العسكري

- ‎فيتقارير

يوم الثلاثاء الماضي 2021م مرت ـ في هدوء ــ الذكرى الثالثة عشر لنشأة حركة شباب "6" أبريل والتي ظهرت على خريطة الكفاح المصري أثناء احتجاجات عمال غزل المحلة سنة 2008م على سياسات الرئيس الأسبق حسني مبارك التي فرطت في شركات القطاع العام بدعوى الخصخصة ووقف نزيف الخسائر. نشأت الحركة الشبابية من أجل الوقوف ضد الاستبداد العسكري المستمر منذ انقلاب العسكر الأول في 23 يوليو 1952م. والذي حوَّل مصر إلى إقطاعية عسكرية لا يرأسها إلا جنرال تلو جنرال، ولا مكان فيها للمدنيين إلا إذا رضوا بأن يكونوا خدما وعبيدا للسادة الضباط.
تقف حركة شباب 6 أبريل اليوم في عهد الطاغية عبدالفتاح السيسي على أعتاب مرحلة مفصلية في تاريخها في ظل انكفاء الحركة وانقسامها كبقية القوى السياسية المصرية، وهجرة معظم قادتها إلى الخارج من أجل مواصلة النضال في أجواء من الحرية بعيدا عن التنكيل والانتقام الذي تمارسه أجهزة السيسي الأمنية بحق كل التنظيمات التي شاركت في ثورة 25 يناير2011م، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين وحركة شباب 6 أبريل وبعض الأحزاب والحركات السلفية، وكلها تنظيمات شعبية رفضت الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013م، واعتبرته عصفا بكل مكاسب ثورة يناير والتجربة الديمقراطية التي تعيد للشعب سيادته على بلاده ليكون هو صانع القرار بدلا من الأجهزة التي اغتصبت السلطة وسطت على سيادة الشعب لحسابها الخاص وفق أجندة إقليمية دولية تستهدف في المقام الأول أن تبقى مصر أسيرة الاستبداد والطغيان متنكرة للقيم الإسلامية والديمقراطية على حد سواء لخطورة ذلك على مستقبل المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة.
لا ينكر دور حركة شباب 6 أبريل في النضال من أجل الحرية والديمقراطية خلال حكم مبارك إلا جاحد؛ ذلك أن الحركة شاركت في معظم الفعاليات ضد نظام مبارك، وكان لها دور ملموس في الحشد والتعبئة لثورة يناير، وعارضت وبقوة سياسات المجلس العسكري خلال المرحلة الانتقالية. ولكن ذلك لا يمنع من الإقرار أنها أساءت تقدير الموقف حيال انقلاب 3 يوليو 2013م والموقف من المظاهرات التي سبتقته في 30 يونيو، لكن إيمان الحركة بالحرية والديمقراطية كان كفيلا بردها إلى البوصلة الصحيحة من جديد لتكون أحد معارضي نظام الانقلاب.

"6" أبريل في عهد الرئيس مرسي
واتخذت الحركة السياسة ذاتها حيال الرئيس محمد مرسي، وعارضته كما عارضت نظامي مبارك والمجلس العسكري، رغم أنه نظام ديمقراطي جاء بإرادة الشعب الحرة، وقد أساءت الحركة التقدير في موقفها بين المعارضة في ظل نظام ديمقراطي يتعين حمايته والحفاظ عليه باعتباره أحد أهم مكاسب ثورة يناير، وبين المعارضة بمفهومها القاصر والشرير والتي تسعى بكل الوسائل إلى إزاحة خصومهما من السلطة حتى لو بأدوات غير ديمقراطية.
يدلل على ذلك أن الحركة كانت تعلم بتدبير الجيش والمخابرات انقلابا عسكريا على الرئيس المدني المنتخب الدكتور محمد مرسي، وشاركت في هذا الانقلاب خلال شهوره الأولى؛ وقد اعترف الناشط أحمد ماهر مؤسس الحركة بذلك في مقال له تحت عنوان «للأسف كنت أعلم» والمنشور في 13 مايو 2014م والذي يؤكد فيه أنه تلقى دعوة للمشاركة في الانقلاب وأنه كان يعلم منذ فبراير 2013م أن القوى العلمانية اتفقت مع الجيش وقوى نظام مبارك على دعم انقلاب عسكري ضد المسار الديمقراطي وذلك عبر افتعال عنف واشتباكات وسفك دماء وإحداث فوضى ليكون ذلك مبررا لنزول الجيش".
لم يعرف للحركة في هذا التوقيت أي دور في وأد هذا الانقلاب الذي كان مرتقبا وقتها أو على الأقل فضح هذه التحركات الخفية وكشفها أمام الجماهير، وقد كانت الحركة وقتها وكل الأحزاب والحركات تتمتع بحرية تعبير لم يسبق لها مثيل. معنى ذلك أن الحركة كانت ــ وقد تكون لا تزال حتى اليوم ــ ترى في الإخوان والعسكر خصوما تضر بالديمقراطية المصرية؛ وفاتها أن التسوية بين الطرفين ظلم مبين؛ ذلك أنه لا يحق للجنرالات ممارسة السياسة فهذا محظور من الأساس وفق الدستور والقوانين العسكرية، فما بالك باحتكار العسكر للمشهد السياسي كله؟! فالمطالبة بابتعاد العسكر عن السياسة والعودة إلى الثكنات هو عين ما نص عليه الدستور والقانون. أما الإخوان فهم فصيل شعبي مدني من حقه أن يمارس السياسة في إطار المنافسة السياسية وفق أدوات الديمقراطية كما جرى في أعقاب ثورة يناير.
ومن المؤسف حقا أن الحركة التي جاهرت بالنضال ضد مبارك والمجلس العسكري خنعت للتهديدات التي تلقتها قبل الانقلاب؛ وقد أشار أحمد ماهر لذلك في مقاله مؤكدا أنه في إبريل 2013 حذره أحد المتواصلين مع الأجهزة الأمنية «الترتيب اللى جاى أن الجيش هو اللى يمسك السلطة وأنتم رافضين ومش عايزين تشاركوا فى الكلام، والناس متخوفة منكم أنكم هاتقولوا برضه يسقط يسقط حكم العسكر، فالترتيب أنكم تختفوا الفترة الجاية، مش هايكون ليكم صوت ومحدش هايسمعكم ولا هايتعاطف معاكم».

صمت أحمد ماهر وصمتت الحركة على المؤامرات التي كانت تحاك في الخفاء ضد النظام الديمقراطي الوليد في مصر، حتى وقع الانقلاب الأسود، ولما أراد ماهر أن يمارس النضال ضد نظام 3 يوليو كعادته لم يدرك أن القطار قد فات، وأن العسكر استردوا حكم مصر من جديد، ولم يعد من الممكن ممارسة المعارضة على النحو السابق. ومع رفض ماهر لجرائم العسكر ورفضه لقانون منع التظاهر وعودة العسكر مجددا جرى التنكيل به والانتقام منه على النحو المعروف باعتقاله عدة سنوات بتهم ملفقة ولا يزال حتى اليوم يعاني من التدابير الاحترازية التي تلزمه بالمبيت في القسم كل ليلة.

مستقبل الحركة
واليوم خبا صوت الحركة وباتت في غرفة الإنعاش تموت إكلينيكيا كباقي الحركات والأحزاب المعارضة في مصر. وذلك بالطبع ليس خللا في الحركة بقدر ما هو شيء طبيعي في ظل النظم الدكتاتورية. فمتى تخرج الحركة من موتها الإكلينيكي وتعود لممارسة دورها السياسي والمجتمعي في عهد النظام الحالي؟.
الأمر مرهون بتحرير مصر ومؤسساتها من الاحتلال العسكري القائم، فمصر كلها في غرفة الإنعاش حتى لو أقسم النظام العسكري كل يوم بخلاف ذلك وأن مصر تمر بأزهى عصورها، وليست حركة 6 أبريل سوى جزء من الجسد الكبير "مصر" فإذا عفيت مصر عفيت كل الأحزاب والحركات السياسية، وإذا مرضت مصر مرض الجميع.
أما بشأن قادة الحركة، فهم إما معتقلون كمحمد عادل وعمرو علي وإسراء عبدالفتاح، أو ملاحقون ككثير من قادة الحركة الذين فروا بحريتهم إلى الخارج يمارسون النضال من هناك بدلا من التنكيل في سجون النظام. وهناك من قرروا الصمت والابتعاد في هدوء مثل أسماء محفوظ. وللأسف هناك آخرون تنكروا للحركة وأفكارها ومبادئها وراحوا يدعمون النظام العسكري رغم بشاعته بصورة أعظم مما كان في عهد مبارك الذي عارضوه، وهؤلاء كافأهم الجنرال بمناصب مهمة ومنحهم امتيازات واسعة بعضهم باتوا أعضاء بالبرلمان مثل محمد عبدالعزيز وطارق الخولي، ويشاع بين عناصر الحركة أنهما كانا في الأساس جاسوسين مدسوسين داخل صفوف الحركة لحساب الأجهزة الأمنية من البداية، وهما من تسببا في انشقاق الحركة إلى جبهتين.
خلاصة الأمر، أن مصر تحتاج إلى جميع أبنائها المخلصين الذين يدركون خطورة استمرار النظام العسكري على مستقبل مصر، وأنه لا خلاص لمصر إلا بإقامة نظام ديمقراطي تعددي لا يقصي أحدا، وأن تعود السيادة للشعب لا للأجهزة، وأن يكون هناك رئيس منتخب بحق من الشعب وبرلمان يعبر عن الناس بحق وليس مشكلا في غرف المخابرات والأمن الوطني. لكي تعود مصر إلى وضعها الصحيح كدولة وليست شبه دولة أو غابة يأكل فيه القوي الضعيف دون خوف من حساب أو مساءلة. فمتى كان الظلم والاستبداد طريقا لتقدم أمة أو نهضة وطن؟!