جريمة “سيارة الترحيلات” تعصف بكل أكاذيب العسكر.. لماذا تجاهلها «الاختيار 2»؟

- ‎فيتقارير

في صباح 18 اغسطس 2013م، لقي 38 مصريا مصرعهم داخل سيارة ترحيلات سجن أبو زعبل، وذلك لأن الضباط المسئولين عن السيارة تركوا المعتقلين بداخلها لنحو 4 ساعات كاملة بدون مياه أو حتى السماح لهم بدخول الحمامات، وأمام صراخات المعتقلين داخل السيارة راح الضباط يسخرون منهم، فطلبوا أولا أن يسبوا الرئيس المنتخب محمد مرسي للسماح بدخول المياه لهم، وطلبوا منهم ثانيا أن يطلقوا على أنفسهم أسماء نساء، فلما فعل بعضهم ذلك راح الضباط يضحكون ويسخرون قائلين: نحن لا نتعامل مع نسوان! فكان المشهد وحشيا بامتياز يعكس كيف تحول الضباط إلى ذئات بشرية افتقدت إلى أدنى معايير الإنسانية، بينما راح يتساقط بعض المعتقلين داخل السيارة من التعب والجوع والعطش والإعياء، و لما اشتد صراخ المعتقلين أطلق الضباط عليهم عدة قنابل مسيلة للدموع فقتل منهم 38 شخصا من أصل 45 كانوا داخلها!
هذه الجريمة الوحشية تعصف بكل أكاذيب العسكر؛ ذلك أنهم ادعوا ظلما وزورا أن الاعتصامات في رابعة والنهضة كانت مسلحة كذريعة لفضها بالقوة المفرطة التي بثتها شاشات عدة وكشفت عن سادية متوحشة ومستويات عالية من الانحطاط والوضاعة والإصرار على الولوغ في دماء الضحايا والتلذذ بإذلالهم وقتلهم على النحو الذي جرى. مسلسل (الاختيار 2) تجاهل هذه الجريمة المروعة لأنها ببساطة تعصف بكل الأكاذيب التي تأسست عليها أسطورة فض الاعتصامات والزعم بأنها كانت مسلحة؛ فماذا عن هؤلاء الضحايا الذين كانوا مقيدين بالكلابشات بأيديهم من الخلف مثنى مثنى، فهل كانوا أيضا مسلحين حتى يتم قتلهم بهذه الخسة والندالة والوضاعة؟!
جريمة وحشية

هذه الجريمة الوحشية التي جرى توثيقها بشهادة الناجين منها، كما جرى عمل فيلم مستمد من قصتها هو فيلم "اشتباك" 2016م والذي شارك في مهرجان كان الفرنسي وجرى دعوة أبطاله ومخرجه ومنتجه إلى المهرجان كتقدير للدور الذي قاموا به، لكن النظام استقر على توصيف ما جرى بأنه جنحة وليس جناية، وجرى محاكمة 4 عناصر شرطة بشكل صوري خجلا وحرجا من الموقف الدولي، وتم الحكم عليهم بأحكام مخففة لا ترقى إلى مستوى الجريمة وبشاعتها. فجرى قتل الضحايا مرتين مرة بالإذلال والغاز والأخرى بإفلات الجناة من العقاب المستحق.
جريمة سيارة الترحيلات جاءت بعد أربعة أيام فقط من جريمة الفض الوحشي لاعتصامي رابعة والنهضة التي قتل فيها أكثر من ألف مصر بحسب رصد منظمات حقوقية وثقت الجريمة على مدار السنوات الماضية ومنها موقع "ويكي ثورة"، وجاءت بعد يومين فقط من جريمة مذبحة رمسيسي 16 أغسطس 2013م، وهي المذبحة التي قتل فيها أكثر من مائتي مصري من أنصار الرئيس الشهيد محمد مرسي، وكان أشهر من قتل فيها المهندس عمار محمد بديع، ابن فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع المعتقل حاليا في سجون العسكر.
وللتغطية على كل هذه الجرائم الوحشية كان لا بد من جريمة معاكسة يستطيع من خلالها النظام مواصلة جرائمه ومذابحه الدموية؛ فوقعت في يوم 19 أغسطس مذبحة رفح التي قتل فيها نحو 25 جنديا مصريا وأعلن تنظيم بيت المقدس عن تبنيه لهذه الجريمة الوحشية التي جاءت لتخدم أجندة السلطة العسكرية الجديدة وتبث روح الثأر فيها وإن كانت ليست بحاجة إلى ذلك مما شاهدناه في مذابح الفض وما تلاها. فجرى توظيف دماء الجنود الضحايا الأبرياء لتسكب المزيدا من الغل في نفوس قادة الانقلاب الذين كانوا قد امتلأوا بغل وكراهية تكفي لفناء بلدان بأكملها.
حزن مضاعف

وسط هذه الدماء المسفوكة والجنون الذي استحوذ على قادة الانقلاب، كتب الكاتب الصحفي فهمي هويدي مقاله بصحيفة الشروق يوم الأربعاء 21 أغسطس تحت عنوان "حزن مضاعف" قال فيه «الحزن بدا مضاعفا. نمنا فى الليل على مذبحة المعتقلين المرحلين إلى سجن أبوزعبل. وصحونا فى النهار على مذبحة المجندين الذين قتلوا فى رفح. فى الأولى قتل مصريون مصريين وفى الثانية تكررت نفس الفاجعة وقتل مصريون مصريين أيضا. وهو ما جعلنا نقول إن الطرفين (ضحايا سيارة الترحيلات ومذبحة رفح) اشتركا فى ثلاثة أمور، الأول: أن القاتل والقتيل من المصريين، الثانى: إن الضحايا جميعا من الأبرياء العزل ولم يقترفوا ذنبا يسوغ قتلهم. الثالث: أننا لم نفهم شيئا مما جرى لهم، فلا عرفنا كيف قتل الأولون ولا عرفنا لماذا قتل الآخرون. كأنما كتب علينا أن نكتفى باختزان الحزن والحسرة وأن نضع أيدينا على قلوبنا راجين الله ألا تصدمنا فاجعة أخرى.

واستنكر هويدي التعامل مع عنصرية النظام في التعامل مع الدماء المصرية مضيفا «القائمون على الأمر لم يروا تلك المشتركات، ولكنهم تعاملوا مع الفاجعتين من منظور مختلف، يعتبر الأولين (ضحايا رابعة والترحيلات) من ذوى الدم الرخيص والآخرين (الجنود في رفح) من ذوى الدم الغالى. فجريدة الأهرام فى عددها الصادر (الثلاثاء 20/8) لم تشر على صفحتها الأولى إلى خبر مقتل الـ38 مصريا المرحلين إلى أبوزعبل، وإنما نشرته على النصف الأسفل من الصفحة الثالثة، واستهلته بالعبارة التالية: أكد الدكتور حازم الببلاوى رئيس مجلس الوزراء أن الحكومة لن تتهاون فى حماية أمن البلاد ضد قوى الإرهاب. موضحا أنه سيتم التحقيق فى ظروف وملابسات حادث وفاة 37 من سجناء الإخوان أثناء نقلهم بسيارة الترحيلات.
بالمقابل فإن خبر قتل الخمسة وعشرين مجندا فى رفح كان العنوان الرئيسى للصفحة الأولى، ووصفوا فى مقدمة الخبر المنشور بأنهم «من خيرة شباب مصر، جادوا بأرواحهم الطاهرة، وهم يؤدون رسالتهم السامية فى حماية أمن الوطن والمواطن، ثم تحدث الخبر عن اجتماع رئيس الجمهورية مع وزيرى الدفاع والداخلية لبحث الموضوع، وعن نعى وزير الداخلية لشهداء الشرطة، وعن اتصال هاتفى أجراه رئيس الوزراء مع وزيرى العدل والداخلية بشأن ما جرى فى رفح، واتصال آخر للدكتور الببلاوى بشأن ما حدث للمرحلين إلى سجن أبوزعبل.
ازدراء الآخر

وتابع هويدي «ليس لدى أى تحفظ على تقدير موقف الجنود الذين قتلوا، وأذهب إلى أن الإشادة بهم فى محلها تماما لكن تحفظى ينصب على ازدراء المصريين الآخرين والتهوين من بشاعة ما جرى لهم. وإذا كان منظر جنود الأمن المركزى قد أبكانا وهم ممددون على الأرض بأيديهم المربوطة من الخلف، فإن صور الذين قتلوا وتشوهوا فى سيارة الترحيلات قد روعتنا وسربت القشعريرة إلى أبداننا وأعطتنا احساسا بالذل والهوان. فهؤلاء الأبرياء لم يحاكموا ولم تتم إدانتهم ثم جرى إذلالهم وهم أحياء وهم أموات وحتى بعدما صعدت أرواحهم إلى بارئها».
ويضيف هويدي «وحدها الأقدار التى جمعت بين المشهدين وبينت ما بينهما من تفاوت مر أشك كثيرا فى أنه يمكن أن ينسى، كما أننى أحذر من اختزان طبقات الحزن المسكون بالذل، وأذكِّر بأن البراكين تتشكل أساسا من تراكم تضاريس برية وبحرية وانصهارها فى عمق التربة إلى درجة لا تحتمل القشرة الأرضية حرارتها، مما يؤدى إلى انفجارها وانطلاق الحمم منها. الأمر الذى يجعلنا من الآن فصاعدا لا نستبعد سيناريو انفجار الحزن ونتخوف من تجلياته».