في دلالة واضحة على البلطجة والاستبداد والنهم العسكري في السيطرة على الشركات والقطاعات الاقتصادية الناجحة تأتي تفاصيل استيلاء السيسي ونظامه الفاشل اقتصاديا على شركة جهينة قلعة صناعة الألبان والعصائر في مصر والشرق الأوسط بطريقة العصابات، تفاصيل الحريمة التي تمثل رسلة سلبية لكل المستثمرين في مصر وخارج مصر وكل من يرغب في الاستثمار في مصر، أنه وماله عرضة للمصادرة والاستيلاء، إن طمع الطاغية عبدالفتاح السيسي وعساكره النهمين لكل حرام فيه.
تفاصيل غير مسبوقة كشفها موقع مدى مصر، مؤخرا، عن قضية اعتقال رجل الأعمال صفوان ثابت، مؤسس وصاحب شركة جهينة، ومصادرة أمواله واتهامه بتمويل جماعة الإخوان المسلمين.
استغل السيسي في توحشه ضد صفوان ثابت، لحقيقة واحدة فقط وهي أن والدة صفوان ثابت هي خالدة حسن الهضيبي، ابنة المرشد الثاني للإخوان المسلمين حسن الهضيبي، وخاله هو مأمون الهضيبي، فقط، على الرغم من عدم اشتغال ثابت بالسياسة أو الاقتراب من جماعة الإخوان المسلمين.

بداية الجريمة ووحشية العسكر
في 2014، وفي اجتماع بحضور عبدالفتاح السيسي، تبرع رجل الأعمال رئيس مجلس إدارة شركة "جهينة" لصناعة الألبان بـ50 مليون جنيه، لصالح صندوق "تحيا مصر"، ما جعله أحد رجال الأعمال "الوطنيين" الداعمين لاقتصاد البلاد. إلا أنه بعد عام واحد، تم التحفظ على أمواله، بدعوى دعمه للإخوان المسلمين، قبل أن تسيطر الحكومة في 2016، على نسبة تصل إلى 7.2% من أسهم شركته.
لم يقف الأمر عند ذلك، بل أدرجته السلطات في 2017، على قائمة الإرهابيين بجانب قيادات الجماعة، قبل أن تعتقله في نهاية 2020، وتعتقل نجله في مطلع 2021، تحت مزاعم "دغم التنظيم".
هكذا كانت قصة "ثابت"، المالك الأكبر لحصة "جهينة"، الشركة التي أعادت صياغة صناعة الألبان والعصائر في مصر، لتصل بمنتجاتها إلى إجمالي 200 منتج يتم توزيعها في مصر وتصديرها لعدد من الدول الأفريقية والعربية والأوروبية.

30 عاما من العمل بمصر
لم يكن هناك أي حديث، في أيٍ من السنوات الثلاثين التي عمل فيها "ثابت" في مصر، تشير إلى أنه يرتبط بأي شكل من الأشكال بتنظيم الإخوان المسلمين.
لكن والدة الرجل هي "خالدة حسن الهضيبي"، ابنة المرشد الثاني للإخوان المسلمين، وهي شقيقة "مأمون الهضيبي"، المرشد السادس للإخوان.ويقول أحد كبار رجال الأعمال: "صفوان رجل أعمال وعلاقاته العائلية لم تكن جزءًا من القصة أبدًا، والأمن يعرفه ويتابعه، وشغله كله تحت العين". مضيفًا: "صفوان كان مثلنا، عندما تطلب الدولة شيء يفعله لها، وظل كذلك قبل ثورة يناير وبعدها، وقبل وبعد الرئيس محمد مرسي.

حسن الألفي شاهد
وبحسب رواية "ثابت" نفسه، في كتاب عن تجربته في التصنيع صدر في 2017، فإنه عندما قرر العودة لمصر قادمًا من السعودية، التي كان يعمل فيها لسنوات طوال تالية لتخرجه في قسم الميكانيكا بجامعة حلوان، فإنه طرق باب وزير الداخلية حينها "حسن الألفي". ويحكي "ثابت"، أنه قال لـ"الألفي"، إنه يريد العودة للعمل والاستثمار في مصر، وإن جده لوالدته هو "حسن الهضيبي"، وخاله هو "مأمون الهضيبي"، وعمه هو لواء قوات مسلحة "أحمد ثابت"، الذي تولى مهمة وزير التموين أثناء حرب أكتوبر.
الألفي، حسب رواية "ثابت"، الصادرة ضمن سلسلة "رجال من الزمن الجميل"، قال: "أبناء الهضيبي يعيشون ويعملون في مصر بكل حرية لأن لا علاقة لهم بالسياسة". وخلال الثمانينيات والتسعينيات، وحتى قيام ثورة يناير 2011، ازدهرت أعمال "ثابت"، وقام الرئيس الأسبق "حسني مبارك"، بزيارة مصنعه أكثر من مرة.
كما كان للرجل علاقات مباشرة بوزراء الاقتصاد والمالية والتموين وغيرهم، وسبق له أن تولى رئاسة غرفة الصناعات الغذائية في 2013، لمدة 4 سنوات.
مع وصول السيسي للحكم، تمت دعوة ثابت للمشاركة في إحدى أولى الاجتماعات التي أجراها مع رجال الأعمال في 2014، وهو الاجتماع الذي أعلن "ثابت" بعده تبرعه لصندوق تحيا مصر بمبلغ 50 مليون جنيه.
ورغم وضع أمواله وأموال أسرته تحت التحفظ في 2015، استبقى "ثابت" العلاقة الجيدة في العمل مع الدولة، وفي السنة نفسها، وخلال 3 سنوات تالية، حصلت شركة جهينة على تكريم من الدولة ضمن أفضل 100 شركة مصرية. وشارك صفوان ثابت في التكريم وزراء المجموعة الاقتصادية، وتحدث الرجل بما يليق برجال الأعمال المدركين لأهمية استبقاء رضاء الحكم، مشيرًا إلى أن عمل الشركة التي يرأسها يأتي متماشيًا مع أهداف الدولة لخطة 2030.
في 2018، وقَّع "سيف ثابت"، قرار تبرع "جهينة" بـ15 مليون جنيه لصندوق تحيا مصر، لدعم حملة القضاء على "فيروس سي"، وهي المساهمة التي حصلت الشركة بعدها على درع تكريم تسلمه "سيف" بنفسه من هيئة الشؤون المالية للقوات المسلحة.

لبن العسكور
ولكن قبل توقيف "ثابت" بأسابيع، قام أحد كبار الشخصيات المعنية بواحد من المشاريع المستحدثة للدولة لإنتاج الألبان، بزيارات متعددة لأحد مصانع "جهينة" حيث اطلع على كيفية إدارة المصنع وتحديث المعدات وأنظمة التشغيل. وحسب مصدر، يبدو أن "ثابت" قد تمت مفاتحته بعد إحدى هذه الزيارات، بضرورة التفكير في إدماج جزء من مصانع "جهينة"، مع المصنع القادم كعنوان للدعم الحقيقي للصناعات الغذائية.
اعتبر "ثابت" هذا الحديث "مجرد دردشة وليس طلبًا"، حسب وصف المصدر.تزامنت الزيارات مع تكرار "السيسي" توجيهاته المستمرة منذ منتصف مايو الماضي، وحتى بداية سبتمبر الماضي لرئيس الوزراء ووزير الزراعة وعدد آخر من المسؤولين، بإنشاء منظومة متكاملة لمراكز تجميع الألبان على مستوى الجمهورية، تضم 200 مركز متطور لتجميع الألبان على مستوى محافظات الجمهورية.
تلك التصريحات كررها "السيسي"، في الأول من ديسمبر الماضي، قبل ساعات من القبض على "ثابت"، ووجه الحكومة خلالها بتحمل تكلفة حصول تلك المراكز على الشهادة الدولية لاعتماد المواصفات القياسية لجودة الإنتاج، وبواقع 50 ألف جنيه لكل مركز. الزيارات تزامنت أيضًا مع تطور ملحوظ في أرباح "جهينة"، التي تجاوزت أزمات عنيفة مع ارتفاع أسعار الطاقة في 2014، وتراجع سعر الجنيه في 2016.

صفقة قها وإدفينا
مصدر آخر من أوساط الصناعات الغذائية الحكومية، أشار إلى أن بداية "الغضب علي صفوان ثابت، جاءت قبل ذلك، عندما رفض مقترحًا تقدم به إليه أحد الوزراء المعنيين لشراء شركتي (قها) و(إدفينا) المملوكتين للدولة، وتعانيان من عثرات اقتصادية كبيرة". إلا أن عدم إقبال صفوان ثابت على الفكرة، لم يكن فقط نابعًا من عدم اهتمامه بالمشروع، ولكن أيضًا بسبب "المقابل المالي الكبير والمبالغ فيه الذي كان سيكون على الشركة تقديمه مقابل الشركتين".
وبحسب مصدر مطلع على تطورات القضية، بعد القبض على "ثابت"، أصبح المطلوب منه وأبنائه هو التنازل عن أصول شركة "فرعون" للاستثمارات المحدودة التي تمتلكها الأسرة، وأن الوضع يتجاوز دفع مبلغ من المال، وقال: "الأصول هي المطلوبة وليست الأموال".
من ناحيته، أوضح مصدر سياسي ثالث، أن هناك "مقترحات" تقدم بها "وسطاء" للسعي لإنهاء هذه الأزمة بصورة معقولة. وقال المصدر: "استمرار الموضوع ده مش في صالح حد، لأن ليس من المنطقي أن الدولة كانت تكرم ناس شغالين في تمويل الإرهاب، وصفوان وابنه من ضمن المكرمين".
الأزمة فيما يخص "ثابت" ونجله، حسب قول مصدر قضائي مطلع على عمل لجنة التحفظ على أموال الإخوان، هي أن الإجراءات القانونية والقضائية من تحفظ وإدارة الأموال، وحتى مصادرتها، لم تحقق للسلطة غايتها في الوصول إلى ما تريده من أموال هؤلاء، خصوصا في ظل تأمين رجال الأعمال لثرواتهم عبر توزيعها على المقربين منهم، وتخبئتها في شركات متعددة.
ولهذا تمارس أجهزة الأمن ضغوطها على رجلي الأعمال للوصول إلى أقصى ما يمكنهما دفعه لصندوق "تحيا مصر". حتى الآن، في شركة ومصانع «جهينة»، يستمر العمل كل يوم بإدارة محمد الدغيم، الشريك السعودي. وهكذا يواصل الفرعون هدم اقتصاد مصر وتدمير قلاعها الصناعية الكبرى مثل الحديد والصلب الحكومية وجهينة المملوكة للقطاع الخاص. وهو ما يهدد بهروب رؤوس الأموال والمستثمرين فلا أحد يريد أن يستثمر في بلد لا تحكمه القوانين وتتنازعه مصالح العصابات والمافيا، لأحد لا يضمن حماية أمواله من النهب تحت أي ذريعة من الذرائع، وما أكثرها في عهد الطاغية عبدالفتاح السيسي.

Facebook Comments