كوارث اقتصادية منتظرة تشعل الحرائق في البيوت والمصانع والشركات والدواوين الحكومية، وتضاعف معاناة الأسر وتزيد أعداد الفقراء والمعوزين. ودون اكتراث لأحوال معظم الشعب الذي بات يفترسه الجوع أقر برلمان العسكر مطلع هذا الأسبوع عدة قوانين تقدمت بها حكومة الطاغية عبدالفتاح السيسي زعيم عصابة الانقلاب العسكري، والتي تمثل، بحسب مراقبين ومحللين، كارثة غير مسبوقة على المجتمع المصري، بوصفها قوانين انتقامية تستنزف ما تبقى من جوب الناس في ظل تفشي جائحة كورونا وتزايد معدلات الفقر بنسب غير مسبوقة في تاريخ البلاد.
فبدءا من الأحد المقبل، ولمدة ثلاثة أيام، تنعقد الجلسات العامة لمجلس نواب الانقلاب، لأخذ التصويت النهائي على حزمة من التشريعات الهادفة إلى إصدار صكوك الدين الخارجية، ورفع سعر الضريبة للعديد من السلع والخدمات، فضلا عن فصل الموظفين متعاطي المخدرات في الجهاز الإداري، وتجريم تصوير أو تسجيل كلمات أو مقاطع من وقائع جلسات المحاكمات، وتعديل رسوم الشهر والتوثيق للشركات المصرية.
ويصوت المجلس نهائيا على مشروع قانون "الصكوك السيادية" المقدم من الحكومة – بعد موافقة مجلس شيوخ العسكر – والذي يستهدف دخول مصر عالم التمويل الإسلامي، من خلال إصدارها لصكوك الدين خلال الفترة المقبلة لتمويل بعض المشروعات المتعثرة، ومنها العاصمة الإدارية الجديدة، ومدينة العلمين الجديدة. والغريب أن السيسي وإعلامه ونظامه سبق أن أكد وما زال يؤكد أن مشاريع العاصمة الإدارية والعلمين وغيرها من المشاريع التي يديرها العسكر بعيدة عن موازنة الدولة ولا تحمل الدولة أية أعباء مالية. ثم يأتي الآن ليقترض لتمويل تلك المشروعات، ثم تقوم الدولة بسداد الديون وفوائدها من جيب المواطن، ثم يتشدق السيسي كذبا بأن المشاريع بعيدا عن موازنة الدولة!
وقد شهدت مصر تسارعا في الاقتراض من الخارج عبر أدوات عدة خلال الأعوام الأخيرة، ما رفع الدين الخارجي إلى نحو 129.2 مليار دولار بنهاية ديسمبر الماضي، مقابل 125.4 مليار دولار في سبتمبر 2020، مرتفعا بنحو 14.7% على أساس سنوي، حيث سجل 112.67 مليار دولار في ديسمبر 2019. وتصدر الصكوك بالجنيه أو العملات الأجنبية من طريق طروحات عامة أو خاصة بالسوق المحلية أو بالأسواق الدولية.
الضريبة على القيمة المضافة
كذلك يصوت مجلس نواب الانقلاب على تعديل قانون الضريبة على القيمة المضافة، الذي أعدته حكومة الانقلاب لإخضاع الزيوت والمخبوزات والحلوى والمقرمشات والمنتجات المصنعة من الدقيق (عدا الخبز)، ومنتجات الصابون والمنظفات الصناعية للضريبة، لتطبق عليها نسبة 14% بدلا من خضوعها لضريبة الجدول بنسبة 5%، بما يُنذر بارتفاع أسعارها بنسبة لا تقلّ عن 9% عقب إصدار القانون.
وأخضع التعديل جميع أنواع الخدمات الإعلانية، وأجهزة ووحدات التكييف وتبريد الهواء لضريبتي القيمة المضافة والجدول معا بإجمالي 19%. فيما حذف نصوص بيع وتأجير الوحدات غير السكنية من بند الإعفاء في القانون، لإخضاع المحال التجارية، والمنشآت الفندقية، وغيرها من الأماكن غير السكنية للضريبتين معا.
كما يصوت أيضا على تعديل مقدم من حكومة الانقلاب على قانون "شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها"، بغرض فصل الموظفين متعاطي المخدرات في الجهاز الإداري، في إطار خطة الحكومة لتقليص أعداد العاملين في الدولة إلى 3.8 ملايين موظف من أصل 6.5 ملايين، ورفع النسبة من موظف لكل 26 مواطنا في عام 2020 إلى موظف لكل 40 مواطنا في عام 2030.
واستهدف التعديل التوسع في نطاق سريان القانون ليشمل كل جهات العمل والعاملين في الدولة، ووضع حد لاستمرار بعض العاملين في شغل وظائفهم على الرغم من ثبوت تعاطيهم المواد المخدرة، وذلك بدعوى حماية المرافق العامة للدولة، وحياة المواطنين من الخطر الداهم الذي قد يسببه بقاء متعاطي المخدرات في وظيفته، من دون النظر إلى تداعيات فصله على أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية وهو ما يزيدي من الاحتقان المجتمعي والاضطرابات وعدم الاستقرار دون علاج حقيقي لمشكلة المخدرات التي يتورطفي الاتجار بها بعض ضباط وقيادات أمنية وعسكرية.
قمع إعلامي
وعلى طريقة السيسي في التضييق على حرية الرأي والتعبير، والتي بسببها أغلق نحو 3 آلاف صحيفة وموقع وحساب إلكتروني، مع حبس عشرات الصحفيين والإعلاميين وإغلاق الصحف ووقف صدور بعضها وحذف آلاف المقالات والموضوعات الصحفية، من أجل الوصول لإعلام واحد هو إعلام السلطة، يصوت مجلس نواب الانقلاب على تعديل بعض أحكام قانون العقوبات، بهدف تجريم وتأثيم كل من صور أو سجل كلمات، أو مقاطع، أو بث أو نشر أو عرض بأي طريقة من طرق العلانية وقائع جلسة محاكمة في أثناء انعقادها بغير تصريح من رئيس الجلسة، في انتهاك صريح لمبدأ علانية جلسات المحاكم الوارد في المادة الـ 187 من الدستور المصري.
ونص التعديل على مصادرة الأجهزة أو غيرها مما استُخدم في "الجريمة" أو ما نتج منها أو محو محتواها أو إتلافها (بحسب الأحوال)، بدعوى الحفاظ على الآداب العامة، وحفظ حقوق المتهمين. ويأتي ذلك في إطار التضييق على وسائل الإعلام في أثناء نظر المحاكمات، ولا سيما ذات الطابع السياسي، على الرغم من نص الدستور على علانيتها.
وفرض تعديل القانون غرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه، ولا تزيد على 300 ألف جنيه، لكل من نشر أو عرض بأي طريقة من طرق العلانية وقائع جلسات محاكمة مخصصة لنظر دعوى جنائية، قبل صيرورة الحكم الصادر فيها نهائيا.
ويصوت المجلس أيضا على تعديل مقدم من حكومة الانقلاب على قانون "رسوم التوثيق والشهر"، الذي يهدف إلى تسهيل وتيسير عمليات الشهر السابقة لخبرات شركات المقاولات المصرية، وتقليل قيمة رسوم الشهر لها.
وفرض القانون القائم على الأعمال غير واجبة الشهر رسوما تبلغ 0.5% عن كل تصرف أو موضوع من دون حد أقصى، وهو ما كان يفرض كنسبة من قيمة موازنات تلك الشركات. وقالت الحكومة في المذكرة الإيضاحية للتعديل، إن كثيرا من الشركات المصرية أحجمت عن الإقدام على عملية الإشهار لسابقة خبراتها، وصحة ميزانياتها، بما يعيقها عن التقدم للأعمال الخارجية، نظرا لتحملها أعباء مالية كبيرة، مشيرا إلى أن التعديل أقر رسوما تبلغ 100 ألف جنيه كحد أقصى لتوثيق سابقة خبراتها، وتقديمها للعمل بالخارج، وسريان ذلك على جميع الشركات من دون قصرها على شركات المقاولات، بما يعزز من منافسة الشركات المصرية في الخارج. وهي أعباء جديدة تفرض على الشركات ما يمثل مضاعفة لأسعار منتجاتها وخدماتها.