عندما كان الطاغية عبدالفتاح السيسي، زعيم عصابة الانقلاب العسكري، يعاير المصريين بفقرهم الذي تسبب فيه حكام مصر السابقون منذ انقلاب 23 يوليو 1952م، وكلهم جنرالات من داخل المؤسسة العسكرية باستثناء الرئيس محمد مرسي وهو المدني الوحيد والرئيس الوحيد الذي جرى اختياره بكل شفافية ونزاهة بإرادة الشعب الحرة ثم انقلب عليه الجيش بعد عام واحد فقط من حكمه، كان السيسي في  حقيقة الأمر يمارس أبشع صورة السفه والبزخ على نفسه وأسرته وشلة الجنرالات من حوله؛ الفقر للشعب والبلد والثراء الفاحش للجيش والجنرالات.

وجاءت فيديوهات الفنان محمد علي سنة 2019م لتكشف شيئا من المستور؛ حيث كشف عن حجم هائل من الفساد داخل رئاسة الانقلاب والمؤسسة العسكرية؛ باعتباره مقاولا تعامل مع الجيش لأكثر من 15 سنة؛ حيث وجَّه اتهامات موثقة للسيسي وزوجته انتصار وكامل الوزير،  وزير النقل الحالي والذي كان رئيسا للهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وقيادات عسكرية أخرى، بينها اللواء عصام الخولي مدير إدارة المشروعات بالهيئة، واللواء محمد البحيري، والعميد ياسر حمزة، والمقدم محمد طلعت.

ومن أوجه الفساد التي فجرها "علي" فندق المخابرات الحربية في منطقة الشويفات بالتجمع الخامس الذي تكلف ملياري جنيه. وهو المشروع الذي كلفت الهيئة الهندسية المقاول محمد علي ببنائه بالأمر المباشر ودون أي مناقصات. هناك أيضا استراحة المعمورة؛ حيث كلفته الهيئة الهندسية قبل الخلافات بسحب كل العمال والتوجه لبناء استراحة خاصة للسيسي في منطقة المعمورة بالإسكندرية، وأخبره القادة أن هذا الأمر له أولوية قصوى، لأن الرئيس قرر قضاء عطلة العيد هناك. وأوضح أن الاستراحة تكلفت نحو 250 مليون جنيه، فضلا عن مبالغ أخرى للأثاث، لافتا إلى أن السيدة انتصار زوجة السيسي طلبت تعديلات إضافية بنحو 25 مليون جنيه. وإيرادات مشروع حفر تفريعة جديدة لقناة السويس لم تغط حتى تكاليف حفل افتتاحها، رغم أن السيسي وعد المصريين بأنها ستحقق المليارات.

 

مشاريع بلا جدوى

وبحسب المحلل السياسي ماجد مندور في تحليل له على موقع صدى التابع لمركز كارنيجي للسلام فإن السيسي يعطي الأولوية لمشاريع البنى التحتية الواسعة النطاق بهدف حشد الدعم، غير أن هذه المشاريع تُعزّز قبضة القوات المسلحة على الاقتصاد ولا تُقدّم أي منافع اقتصادية واسعة وملموسة.

ويؤكد مندور أن هذه المشروعات الضخمة (تفريعة قناة السويس ـ العاصمة الإدارية ـ العلمين الجديدة ــ شبكة الطرق والكباري) مشكوك في فوائدها الاقتصادية. وعلى الرغم من أزمة الديون المستفحلة، تبقى هذه المشاريع أولوية حكومية. وقد تفاقمت هذه الأزمة مع بلوغ مجموع الديون ما نسبته 101 في المئة من إجمالي  الناتج المحلي بحلول أواخر عام 2018م.

ويُروَّج لهذه المشاريع بأنها أساسية لإنعاش الاقتصاد، لكنها تؤدّي وظيفتَين مهمتَين. فهي توفّر للجيش فرصاً إضافية لزيادة تدخّله في جوانب مختلفة من الاقتصاد المصري، وكان السيسي قد أنكر ذلك، مشيراً إلى أن دور الجيش في هذه المشاريع هو محض "إشرافي". بيد أن التقارير تحدّثت مؤخراً عن نمو الشركات المملوكة من القوات المسلحة في عهد السيسي من خلال مشاركتها في مشاريع ضخمة للبنية التحتية.

وقد دفع توسُّع الامتداد الاقتصادي للقوات المسلحة بصندوق النقد الدولي إلى التحذير في أيلول 2017 من أن "تدخّل الكيانات التابعة لوزارة الدفاع قد يتسبب بتعطيل" استحداث الوظائف وتطوير القطاع الخاص. وكان السيسي نفسه قد أشاد في نوفمبر 2014 بقدرة القوات المسلحة على تنفيذ مشاريع البنى التحتية الضخمة بوتيرة أسرع بثلاث إلى أربع مرات من القطاع الخاص – في إشارة إلى نيّته التعويل على الجيش لتنفيذ هذه المشاريع التي تُفضي إلى زيادة النفوذ الاقتصادي للقوات المسلحة.

ثانياً، تُستخدَم هذه المشاريع أداة لفرض السلطة وترسيخ الدعم في صفوف أنصار النظام. والمثال الأبرز في هذا المجال هو توسعة قناة السويس التي صُوِّرت بأنها ضرورية للتخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية. وفي عام 2014، زعم رئيس هيئة قناة السويس، مهاب مميش، أنه يُتوقَّع أن تصل الإيرادات إلى مئة مليار دولار في السنة. ولكن الأرقام تُظهر أن الحجم الإجمالي للاقتصاد المصري بلغ 249 مليار دولار في أواخر عام 2018، في حين أن مجموع العائدات  التي أمّنتها قناة السويس في السنة نفسها لم يتجاوز 5.7 مليارات دولار.  لم يُحقّق المشروع المنافع المتوقَّعة، وشهدت إيرادات القناة تراجعاً في السنوات الأولى. ففي عام 2014، أي قبل التوسعة، بلغت الإيرادات 5.5 مليارات دولار. وفي عام 2015، تراجعت إلى 5.1 مليارات دولار، ثم إلى 5 مليارات دولار عام 2016، لتشهد ارتفاعاً من جديد عام 2018 مع بلوغها 5.5 مليارات دولار. لم يتمكّن المشروع من توليد إيرادات كافية لتسديد الأقساط، ما أرغم وزارة المالية على تسديد مبلغ الـ 600 مليون دولار، لأن هيئة قناة السويس لم تكن تملك الاحتياطي الضروري. ومع ذلك، صرّح السيسي في مقابلة تلفزيونية في يونيو 2016 أن الهدف من التوسعة التي بلغت كلفتها 8 مليارات دولار كان رفع معنويات الشعب المصري لا تحقيق منافع اقتصادية ملموسة.

ومن المشاريع العقيمة المشابهة جسر روض الفرج المعلّق الذي افتتحه السيسي في 15 مايو 2019. وقد تولّت تشييده الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بالاشتراك مع شركة "المقاولون العرب" المحلية للإنشاءات. وعملت حملة إعلامية على الترويج للجسر الذي وصفته بأنه الجسر المعلّق الأكبر في العالم، وصوّرته بالإنجاز الذي تحوّل إلى "حديث العالم بأسره". ومن الأمثلة الأخرى بناء المسجد والكنيسة الأكبر في البلاد، والعاصمة الإدارية الجديدة التي دشّنها السيسي في يناير 2018. وتشمل هذه المشاريع أيضاً بناء البرج الأطول في أفريقيا والمتحف الأكبر في العالم المخصّص لحضارة واحدة، والذى جرى  افتتاحه مؤخرا وتكلف نحو مليار دولار.

وينفق السيسي ببذخ على هذه المشروعات الاستعراضية التي لا تدر دخلا رغم أن مصر تواجه عدداً من الضغوط الملحّة في مجال البنى التحتية، بما في ذلك ترميم السكك الحديد التي تنقل يومياً 1.4 مليون راكب في المعدل والتي باتت قديمة ومتهالكة.

من التحديات التي تطرحها هذه المشاريع الضخمة هي أنها تُنفَّذ على حساب مشاريع من شأنها إحداث تحسينات اقتصادية ملموسة تساهم في رفع المستوى المعيشي للمصريين العاديين الذين يرزحون تحت وطأة مشقات اقتصادية متزايدة. فقد ارتفعت معدلات الفقر من 27.8 في المئة عام 2017 إلى 30.2 في المئة عام 2018، ما يتسبب استفحال الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، لكن هناك تقديرات تابعة للبنك الدولي ترتفع بنسبة الفقر في مصر إلى نحو 60%.

 

مصر تفتقر والجيش يغتني

ويقدر يزيد صايغ، وهو زميل أول في مركز "مالكولم إتش كير/كارنيجي للشرق الأوسط"، أنّ الكيانات التابعة للجيش المصري حققت في عام 2019 دخلاً يراوح بين 6 و7 مليارات دولار. معنى ذلك أن مصر تفتقر وجيشها يغتني وجنرالاتها تحولوا إلى رجال سياسة وأعمال؛ والجيوش التي تحكم وتتاجر لا تقاتل ولا تحمي الأمن القومي لبلادها لأن مثل هذه الجيوش التي تحكم وتعقد الصفقات تعتبر في حقيقة الأمر أكبر تهديد للأمن القومي لبلادها.

وتمتد مخالب الجيش عبر الاقتصاد، من الصلب والإسمنت إلى الزراعة ومصايد الأسماك والطاقة والرعاية الصحية والأغذية والمشروبات. حتى وسائل الإعلام لم تُستثن من ذلك، حيث استحوذت الكيانات المرتبطة بأجهزة أمن الدولة على الصحف والقنوات التلفزيونية ودور الإنتاج، بحسب "فايننشال تايمز". لكن الافتقار إلى الشفافية يجعل من الصعب تحديد الحجم الكامل للدور الاقتصادي للجيش، وفقا لـ"فايننشال تايمز".

وفي يونيو الماضي 2020م، قال رئيس حكومة الانقلاب مصطفى مدبولي إنّ مصر أنجزت مشروعات بقيمة 4.5 تريليونات جنيه إسترليني (287 مليار دولار)، على مدى ست سنوات. وقال قائد الهيئة الهندسية للجيش إيهاب الفار إنّ الأموال أنفقت على 20 ألف مشروع، مضيفًا أنّ الجيش استثمر 1.1 تريليون جنيه إضافية على 2800 مخطط بناها الجيش.

وكان السسي أخبر "فايننشال تايمز" في 2016 بأنّ أعمال الجيش "تهدف إلى ضمان الاكتفاء الذاتي للبلاد، وليس التنافس مع القطاع الخاص".  فهناك 60 شركة تابعة لكيانات عسكرية تعمل في 19 من 24 صناعة تحمل معايير تصنيف الصناعة العالمية، وفقًا لتقرير البنك الدولي. يسيطر جهاز مشاريع الخدمة الوطنية (NSPO) التابع للجيش على 32 شركة، تم إنشاء ثلثها بعد عام 2015، بحسب تقرير "فايننشال تايمز".

السيسي أنفق آلاف المليارات  على شبكة الطرق والعاصمة الإدارية والعلمين الجديدة الجلالة وتفريعة قناة السويس؛ وكلها مشروعات بلا أي جدوى اقتصادية ولم تحقق أي فائدة تذكر للاقتصاد المصري، بل أدت إلى انعكاسات سلبية بالغة الخطورة وفاقمت من حجم الديون حتى ارتفع من 1.7 تريليون جنيه في يونيو 2013م لنحو 5.7 تريليون جنيه حاليا بما يعني أن السيسي اقترض أكثر من 4 آلاف مليار جنيه على هذه المشروعات دون أن تؤدي إلى زيادة الدخل القومي ولا زيادة الإنتاج ولم تسهم مطلقا في توفير فرص العمل الدائمة لملايين العاطلين.

Facebook Comments