ذهب أهالي 6 أطفال أُعلن مطلع يونيو الجاري أنهم توفوا إثر حريق شب في المؤسسة العقابية في المرج بالقليوبية، إلى مشرحة زينهم، وهناك ألقى الأهالي نظرتهم الأخيرة على أبنائهم وشاركوا في غُسلهم ولفهم بالأكفان البيضاء. إلا أن الأهالي فوجئوا بوجود آثار كسر في ذراع وعنق أحدهم، وصعق بالكهرباء في عنق آخر، وحروق موزعة بين أماكن متفرقة في جسد الباقيين، ما اعتبروه إشارات واضحة على عدم صحة الرواية الرسمية عن موت أبنائهم خنقا بسبب حريق ناتج عن ماس كهربائي، ودليلا على وجود رواية أخرى عن سبب الوفاة لا يعرفها إلا السجان.
كان حريق شب في أحد عنابر المؤسسة العقابية مساء 3 يونيو الجاري، ما أسفر عن وفاة ستة من نزلائها وإصابة 19 آخرين بإصابات طفيفة لم تتطلب نقل أي منهم للمستشفى بحسب شهود عيان بالمؤسسة. وعقب معاينة النيابة العامة المبدئية لموقع الحريق، اعتبر المحققون أن الحريق قد يكون ناتجا عن ماس كهربائي بسلك التليفزيون امتد إلى السخان ومنه إلى المراتب والمفروشات الموجودة بالعنبر، ما أسفر عن اشتعال النيران في جميع أركانه. ووجهت النيابة لأربعة من الأخصائيين التابعين لوزارة التضامن بالمؤسسة تهمة الإهمال الجسيم، وقررت حبسهم على ذمة التحقيقات من وقتها.
شهادة العاملين
يشار إلى أن بعض وسائل الإعلام نقلت يوم 9 يونيو الجاري شهادة ستة من العاملين التابعين لوزارة التضامن الاجتماعي بالمؤسسة، منهم أربعة شهود على الحادث، أكدوا جميعا على أن الأخصائيين الأربعة استُخدموا كـ«كبش فداء» للطرف الشرطي المسؤول عن الأمن والسلامة بالمؤسسة، التي تقع تحت مسؤولية وزارتي الداخلية والتضامن الاجتماعي. كما وصلت إلى أسماء منصور، شقيقة أحد ضحايا الحادث، رسالة من قريبة لها في الحادية عشر من مساء 3 يونيو تخبرها بوجود حريق داخل المؤسسة العقابية، قامت على إثرها أسماء ووالدتها بمحاولات كثيرة للاتصال بالمؤسسة العقابية للاطمئنان على شقيقها المحال من قسم تحقيقات العامرية بالإسكندرية إلى المؤسسة قبل شهرين، إلا أنهم لم يتلقوا ردا.
و تقول أسماء، موضحة أنها ووالدتها وشقيقتها توجهن إلى القاهرة، ووصلن أمام مقر المؤسسة العقابية بالمرج في تمام السادسة من صباح الجمعة 4 يونيو.
طرقت أسماء وشقيقتها باب المؤسسة، فخرج فرد أمن بزي شرطي بعد دقائق.. «قولنا له عرفنا إن فيه حريقة هنا وجايين نتطمن على ابننا فرد علينا مفيش حرايق وامشوا من هنا». لم تستجب أسماء وشقيقتها، وأعادتا الطَرق، ليخرج لهن أكثر من عسكري في هذه المرة، فسألتهم «النت مليان أخبار عن الحريقة وعن الستة اللي ماتوا متفحمين هل ده حصل ولا شائعات؟» رد أحدهم بالتأكيد على حدوث حريق مساء الخميس 3 يونيو.
توسلت والدة أسماء للشرطي «طمنا على (إ* منصور) مش عايزين نشوفه عايزين بس نسمع صوته ونتأكد أنه بخير. يكلمنا في التليفون واحنا هنمشي» انصرف العسكري لإخبار رؤسائه، ثم عاد كما تقول أسماء «رجع قالنا العيال كلها هتكلم أهاليها بالليل وقفل الباب في وشنا». استمرت أسماء وشقيقتها في الطرق على البوابة، حتى أنهى ضابط برتبة نقيب الأمر. «خرج ضابط عنده ثلاث نجوم وشد أختي من إيدها وقالها هخليكي تكلميه وبعد 10 دقايق خرجت أختي وقالتلي هنشوفه في مشرحة زينهم».
قبل الجمعة التي لم تتمكن فيها أسماء وأسرتها من اجتياز بوابة المؤسسة العقابية بالمرج بشهرين، كانت قد تمكنت مع والدتها من زيارة شقيقها بعد 24 ساعة من إحالته من قسم العامرية بالإسكندرية إليها، لاستكمال فترة العقوبة الصادر بها حكم قضائي بحبسه ثلاث سنوات في قضية سرقة، بعد أن قضى منها تسعة أشهر في القسم.
حفلة تعذيب
وتابعت أسرة أسماء منصور شهادتها: «أول زيارة له كان كف إيده أزرق ووارم. أمه سألته: إيدك مالها؟ قالها إنهم عملوا له حفلة استقبال أول ما وصل. شاور على ضابط من اللي كانوا موجودين وقت الزيارة وقالنا أي حد بيجي جديد بيقولوا: اقلع هدومك كلها وقرفس! أخويا مرضيش يقلع البوكسر فالضابط طلب من واحد في سنه يضربه».
تسلمت أسماء ووالدتها وشقيقتها جثمان شقيقها ظهر الجمعة 4 يونيو بمجرد أن وصلن إلى المشرحة. «أول ما شفناه عرفناه ملامحه باينة لكن جلده كله محروق»، عادت أسماء إلى القاهرة بعد دفن أخيها، وذهبت إلى نيابة المرج من تلقاء نفسها لتروي واقعة الاعتداء على شقيقها فور وصوله للمؤسسة لوكيل النيابة، غير أن الأخير رفض إثباتها في المحضر «قالي ده موضوع تاني».
توجهت أسماء إلى المؤسسة لتتسلم المتعلقات، وخلال الزيارة سألت الضباط والأخصائيين الاجتماعيين هناك عما حدث وقت الحريق، غير أن ضباط الشرطة المتواجدين بالمؤسسة أخبروها بحدوث ماس كهربائي تسبب في اشتعال النيران داخل العنبر في لحظات، وأنهم فتحوا الباب بعد ثلاث دقائق فقط من الحريق واستطاعوا إنقاذ 19 طفلًا بخلاف شقيقها، وأخبروها أن كل أغراض الأطفال طالها الحريق.
بالتوازي، أخبرها اثنان آخران من زملاء شقيقها في العنبر الذي وقع فيه الحريق، واللذان أكملا فترة عقوبتهما وخرجا من المؤسسة قبل الحادث بشهر، أن العنبر يطلق عليه «شباب ج» وهو مخصص للأطفال الذين لا ينفذون الأوامر، مضيفة أن الضباط يأمرون الأطفال بضرب زملائهم.
حكاية "تامر"
على عكس أسماء وأسرتها، لم تعلم أسرة (إ* تامر) بالحادث سوى بعد ستة أيام من نقل جثمانه إلى مشرحة زينهم، بعد أن تسلم باقي الأهالي جثث أبنائهم وتبقت جثته. لم تتمكن الأسرة أيضًا من زيارته طوال الشهرين الذين قضاهما داخل «العقابية» التي جاء إليها محالًا من قسم مطروح، الذي قضى فيه قرابة ثلثي مدة عقوبته بالحبس ثلاث سنوات بعدما أدين من القضاء بحيازة مخدرات.فيما قال تامر عنتر، زوج عمة (إ* تامر) الذي لقي مصرعه في الحريق أيضًا: «محدش كلمنا من المؤسسة ولا من النيابة ولولا مكالمة أسماء كان ابننا اتدفن في مقابر الصدقة وحقه ضاع» ..وكانت شقيقة (إ* منصور) هي التي تواصلت مع أسرة تامر لإبلاغهم بوفاته عندما علمت بها من أحد الأخصائيين الاجتماعيين في المؤسسة. وقال عنتر، الذي شارك عم الضحية في غُسل وتكفين جثمانه بالمشرحة: «لقينا دراعه ورقبته مكسورين بيلفوا معانا في كل الاتجاهات. مفصل الذراع عند الكوع مفصول عن باقي الذراع وماسكهم الجلد بس ورقبته ووشه لونهم أسود. علامات كهرباء مش حرق وكف إيده الشمال سايح من الحريق وباقي جسمه سليم».
آثار تعذيب وصعق
وكانت الصحف قد نقلت، بعد ساعات من الحادث، عن رجال الأمن وجود الجثث الست في حال احتراق وتفحم، قبل أن تعلن النيابة العامة أن سبب الوفاة الثابت في التقرير المبدئي للطب الشرعي هو الاختناق، وأن الجثامين لم تتعرض للاحتراق وجميعها بحالة سليمة ومعلومة الهوية. وتكررت نفس الأوصاف والشكاوى من أهالي باقي الضحايا الستة، وفق ما قاله محمد مكي، والد احد الضحايا من المنصورة، بقوله: «وأنا بغسل ابني لاقيت رقبته من ناحية الشمال فيها آثار صعق كهرباء ولونها أسود وباقي جسمه كله محروق، ولما سألت الموظف اللي حضر معايا الغسل هما بتوع الطب الشرعي كتبوا إنه متكهرب قالي خد أمانتك وامشي من سكات».
لم ينفذ مكي نصيحة الموظف، وبمجرد أن دفن نجله في مركز المنزلة التابع لمحافظة الدقهلية عاد مرة ثانية إلى القاهرة وذهب إلى المؤسسة لمعرفة أي معلومات عن الحادث. ولكن لم يسمح له أحد بالدخول، وطالبه عساكر الأمن على البوابة بالذهاب إلى قسم شرطة المرج، وعندما وصل القسم أخبروه أن التحقيق في نيابة المرج بمقر محكمة العباسية.
وأدلى باقواله لوكيل النيابة، موضحًا أنه زار نجله مرة واحدة بعد إحالته إلى المؤسسة في أبريل الماضي، وعندما استعلم منه وقتها عن طبيعة معاملته فيها نظر (ح*) إلى ضباط الشرطة والأمناء المتواجدين وقت الزيارة وصمت، مشددًا على أنه أخبر وكيل النيابة بأن «العيال اتقفل عليها باب العنبر واتضربت واتكهربت ولما حد فيهم مات ولعوا العنبر».
قال مكي: «وكلت محامي يرفع قضية وهمشي الطريق للآخر رغم إني عارف إن حق ابني ضاع عند الشرطة وممكن يقبضوا علينا احنا بدل من اللي موتهم».
وكان (أ* سمير) أيضًا في طريقه للخروج من المؤسسة بعد قضائه ثلثي مدة العقوبة التي حددتها المحكمة في ثلاث سنوات بسبب إدانته في قضية مخدرات، ولكن فوجئ أهله بمكالمة هاتفية من مدير المؤسسة يطالبهم فيها بتسلم جثمانه من مشرحة زينهم.
ضرب وإهانة
وقال أهله لوسائل إعلام: "زرناه مرة واحدة وكانت إيده مكسورة، ولما سألناه قال إن فيه ضابط بيشتمه وبيهينه وإنه طلب منه ينام على وشه ولما رفض علقه بين نخلة وشجرة لمدة يومين وكسر دراعه»، هكذا روت فاطمة سمير، شقيقة (أ*) ما دار بينها وبين شقيقها في 12 أبريل الماضي عندما زارته مع والدتها في المؤسسة.
وشددت فاطمة على أن النيابة لم تستدعها ووالدتها لسماع أقوالهما، ولم تتحدث أي جهة رسمية عن كيفية وقوع حريق «الساعة 6 المغرب» وعدم السيطرة عليه قبل انتشاره. «أخويا جسمه ووشه محروقين وده معناه إن محدش خرجه من النار أو طفاها قبل ما تتسبب في وفاته بالحرق أو بالخنق».
نفس التساؤلات كررها ياسر صبري، والد الضحية (م*) مضيفًا: هل مصادفة أن جميع الضحايا مستجدين في المؤسسة جاؤوا إليها قبل شهرين فقط؟ وأن نجله إلى جانب أربعة آخرين من الضحايا كانوا على وشك الخروج من المؤسسة قبل الحادث؟ وأن الاثنين اللذين تمكنت أسرتيهما من زيارتهما قبل منع الزيارة في منتصف أبريل الماضي، اشتكيا من تعرضهما للضرب والإهانة بواسطة ضباط الشرطة أو بأوامر منهم؟