بعيدا عن المجازر غير الإنسانية التي تدور في فلسطين المحتلة، والتي أدار لها المجتمع الدولي الظالم ظهره، فما من كارثة تقع في منطقة الشرق الأوسط إلا وكان وراءها أمريكا وكيان العدو الصهيوني حتى وإن بدوا بعيدا، أو لا علاقة لهم بالأمر، وتلك خلاصة مشكلة "سد النهضة" الذي أتمت إثيوبيا ملئه الثاني رغم خط السفاح السيسي الأحمر.
وعمت وسائل التواصل الاجتماعي تغريدات صهيونية ساخرة، وصل مداها إلى برامج القنوات الصهيونية التلفازية، يقول الصحفي الصهيوني إيدي كوهين "إثيوبيا في طريقها لملء ثالث لسد النهضة ..عاوزين المية بكام يا مصريين؟".

لغز سرابيوم!
الواقع الذي يعيشه الشارع المصري، والذي يرى ويسمع كل يوم عن تهجير لأهالي سيناء قسريا من مدينة رفح، مرورا بمدينة الشيخ زويد والعريش، مع قتل كل حي على أرض الفيروز بدعوى محاربة الإرهاب.
إن سحارات سرابيوم وترعة السلام هي مفاتيح الحل لإنهاء أزمة سد النهضة، وعندما تتفاقم المشكلة، فليس من حل سوى توصيل المياه لإسرائيل، أما ما تم هذه الأيام من توصيل المياه لسيناء، فهو حل اضطراري؛ للتخلص من المياه الفائضة.
ومخطط تحويل حصة من مياه النيل إلى إسرائيل عبر سحارات سرابيوم وترعة السلام، وأنه لكي تصبح المقايضة ممكنة، إذا أرادت مصر أن تحصل على مياه النيل عبر سد النهضة، فعليها تمرير قدر معين منها إلى إسرائيل، عبر سحارات سرابيوم.
على الرغم من الوضع المتأزم الذي وصل إليه ملف سد النهضة بالنسبة لـ "مصر والسودان" في ظل الإصرار الإثيوبي على عدم التوقيع على اتفاق ملزم يضمن عدم الإضرار بالدولتين، إلا أن الجميع مازالوا يتلاشون مجرد الإشارة ولو من بعيد، لحقيقة الدور "الأمريكي – الإسرائيلي" فى تلك القضية، في الوقت الذي ظلت فيه القوى التي تحمي إثيوبيا بمثابة لغز، لم يجرؤ أحد على الكشف عنه.
ولعل أغرب ما في ذلك الصمت الرسمي، أنه يأتي وسط تداول البعض لسيناريو كارثي يتحدث عن مؤامرة أحاكتها كل من "أمريكا وإسرائيل" بالاتفاق مع السفاح السيسي؛ لوضع المصريين أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الموافقة على وصول مياه النيل إلى كيان العدو الصهيوني، أو قتلهم بالجفاف والعطش، وبناء سد تلو الآخر، إلى أن يصبح النيل بالنسبة للمصريين من ذكريات الماضي.
ومررت أمريكا الانسحاب الإثيوبي من التوقيع على الاتفاق النهائي لمفاوضات واشنطن دون موقف حازم، ثم بدت ملامح التحركات المُريبة لدول بعينها في هذا الملف خلال الأسابيع القلية الماضية.
ولا عجب أن تأتي زيارة المبعوث الأمريكي لمنطقة القرن الإفريقي "جيفري فيلتمان" في مقدمة تلك التحركات، في محاولة لإضاعة مزيد من الوقت لصالح أديس أبابا، أو المُضي في مسرحية إقناع عصابة السفاح السيسي بالقبول بسياسة الأمر الواقع، وتمرير عملية الملء الثاني للسد.
في الوقت الذي دخل فيه شيطان الإمارات محمد بن زايد دون مبرر، للضغط على عصابة العسكر بالسودان للتنصل من الارتباط بالموقف المصري، والقبول بحل توافقي مع إثيوبيا يقضي بالموافقة على عملية الملء الثاني، في مقابل تعهد إثيوبي بتقديم بيانات عن خطط ملء وتشغيل السد، وإقامة منطقة استثمارية تحوي استثمارات بمليارات الدولارات في المنطقة الحدودية المُتنازع عليها بين الدولتين، دون إلزام إثيوبيا بالتوقيع على اتفاق ملزم.

 

صفقة القرن
المؤامرة "الصهيونية السيساوية" التي يتم طرحها دون تعليق من مسئول رسمي واحد لا تبتعد كثيرا عن المحتوى الكارثي لـ"صفقة القرن" التي طرحتها إدارة الرئيس الامريكي السابق ترامب حيث ترمي إلى الوصول بـ مصر والسودان إلى التوقيع على اتفاق يقضي بمد كيان العدو الصهيوني بـ 7.5 مليار متر مكعب من مياه النيل سنويا عبر سحارات سرابيوم، في مقابل 10 سنتات تحصل عليها مصرعن كل متر مكعب من المياه، مع إحداث نهضة زراعية وتنموية ضخمة في سيناء تنتهي بإقامة منطقة حرة على الحدود المصرية الفلسطينية.
ولعل ما يدعو لتعزيز وجود تلك المؤامرة بالفعل، أنها تنتهي إلى تحقيق الحلم "العقائدي" الذي يداعب عقول الصهاينة منذ سنوات، والذي يتحدث عن نبؤة السيطرة الصهيونية على الأرض "من النيل إلى الفرات" وهو ما تحققه المؤامرة بالفعل دون أن يكلف الصهاينة الدخول في حروب أو احتلال دول.
خطورة المؤامرة التي يتكتمها العسكر بمصر والسودان تستدعي مصارحة الشعبين بحقيقة مواقف بعض الدول العربية مثل الإمارات والسعودية اللتان قامتا بتمويل سد النهضة، وتلك التي دخلت على خط الأزمة في غير صالح شعب مصر، وتلك التي وقّعت مع أديس أبابا اتفاقية تعاون في مجال الموارد المائية دون وجود أنهار أو حدود مشتركة تربط بينها.
لو هبط إبليس بنفسه من السماء واستولى على حكم مصر فسيترك للمصريين فرصة للصراخ أو التنفيس أو الاعتراض على خوف ورعشة؛ أما السفاح السيسي فهو مصنوع في الكيان الصهيوني، وأكمل المصريون صناعته ليتحول إلى خفاش العصر بابتسامة صفراء ومسكنة وسهوكة قبل أن يرهب أحد من أبناء نهر النيل.
سوف يشهد شعب مصر ذات يوم قريب عندما يستيقظ ويكتشف أن السفاح السيسي باع مصر كلها، شعبا وأرضا وبحرا ونيلا وآثارا وبترولا وغازا، وأنه قبض الثمن، وأن رقاب المصريين ستنتقل إلى ديكتاتور آخر، عربي أو عبري أو متطرف أو قائد عسكري من عسكر مصر الذين يتوارثونها جيلا بعد جيل.
لو اقتنع المصريون بأن من حقهم الغضب إذا عصابة العسكر سرقتهم، وأهانتهم وسجنتهم وعذبتهم وهدمت مساكنهم فوق رؤسهم ومساجدهم، أو حرمتهم من التعليم أو الطعام أو الشراب أو التنفس أو حق الكلام والاحتجاج؛ فإن نهاية السفاح السيسي وعصابة العسكر تصبح قاب قوسين أو أدنى من الهروب من قصر انتصار الجديد زوجة الديكتاتور.

Facebook Comments