مقطع فيديو قصير جدا لا يتعدي وقته أربعين ثانية، إلا أنه أشعل غضب المصريين من فساد عصابة العسكر، وبعد أن قام مواطن بتصويره ونشره علي صفحته بموقع "فيس بوك"، قررت جامعة جنوب الوادي ردما علي المصيبة توقيف أطباء والتحقيق مع آخرين في واقعة نقل مريض بحالة خطرة وعلقت بيده المحاليل في سيارة لنقل البهائم بمحافظة قنا.
ولولا "المواطن الصحفي" لما رأينا ذلك الفساد في المنظومة الصحية بمصر، فضلا عن آلاف الصور التي تضم مئات الآلاف من المتظاهرين في ميادين مصر، أو مقاطع الفيديو التي توثق يوميات القمع من الشرطة والجيش، أو غيرها الكثير من نقل حي لأحداث متسارعة تشهدها مصر.
ازدراء الإعلام
حكم مصر أربع جنرالات منذ تأسيس جمهورية العسكر بعد الحرب العالمية الثانية، تميز كل منهم من حيث الأسلوب والتركة، إلا أن أمرا واحدا جمع بينهم ألا وهو ازدراؤهم للمساءلة والصحافة الحرة.
وبلغ قمع المعارضة السياسية والإعلام ذروته في عهد المخلوع مبارك ليتوج بانتفاضة شعبية تطورت إلى ثورة عارمة في 25 يناير 2011 تدعو إلى سقوط نظامه، وقادت البطالة المستفحلة في صفوف الشباب ووحشية الشرطة إلى نهاية حكمه الذي دام ثلاثة عقود.
ويمثل الإعلام حلقة مهمة في حلقات مواجهة ومحاربة وكشف مظاهر الفساد وكشف ومحاسبة المفسدين مثلما يشكل محورا رئيسيا من محاور سعي المجتمعات للحد من ظواهر الفساد وايقاف نتائجة وتداعياته المدمرة.
وقد برزت أدوار جديدة لوسائل الإعلام في ظل الثورة العلمية التكنولوجية وسرعة انتشار وانتقال المعلومات في لحظات قصيرة تتمثل في إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطنين وإعادة توزيع مراكز القوى السياسية والاجتماعية داخل المجتمع في المؤسسات المختلفة، حيث أدى التوسع في استعمال كاميرا الهواتف النقالة والبث على صفحات الفيس بوك، إلى أن أصبح أكثر تأثيراً في تكوين الرأي العام.
وأصبح بإمكان أي شخص يحمل هاتفا به كاميرا أن يتحول إلى مصور صحفي ينقل الحدث فور وقوعه ويشاركه مع آخرين، ويقول خبراء إن بروز صحافة المواطن أثناء الربيع العربي يرجع إلى جملة من العوامل منها عجز وسائل الإعلام التقليدية عن نقل بعض الأحداث الهامة سواء بسبب الرقابة الحكومية أو المؤسسية على وسائل الإعلام، أو بسبب ندرة وجود مراسلين مؤهلين لتغطية هذا النوع من الأحداث الضخمة التي لا تخلو في أحيان كثيرة من العنف والاضطرابات.
خلق هذا البعد عن الأحداث من قبل الصحافة التقليدية فجوة، استغلتها صحافة المواطن المتحررة أصلًا من أعباء الرقابة والتحكم المالي، وأصبحت هذه الأدوات الإعلامية الجيدة هي ما تنقل صوت ونبض الشارع، وهو ما جعل البعض يطلق عليها مصطلح "صحافة الشارع".
فضحهم الموبايل!
كشف فيروس كوفيد-19 بجلاء عن إحدى نقاط الضعف المفاجئة في مصر، فالدولة التي تتفوق على جميع الدول الأخرى بالمنطقة العربية من حيث عدد السكان، وهي من الدول التي تحظى بأكبر عدد من كليات الطب بالمنطقة، تعاني واحدةً من أدنى نِسَب الأطباء إلى عدد السكان في المنطقة.
وكشفت أحدث البيانات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية عن أنه كان لدى مصر 445,000 طبيب يعملون داخل البلد في عام 2018، وهو ما يعادل حوالي 5 أطباء لكل 10,000 مواطن، وهذه نسبة منخفضة وفق المقاييس الإقليمية، بالمقارنة مع نسبة 26 طبيبًا لكل 10,000 شخص في السعودية، و23 في الأردن، و7 في العراق والمغرب، و17 في تركيا، على سبيل المثال.
وعانت المستشفيات المصرية في السنوات الماضية من هجرة الأطباء إلى الخارج، في حين أن الطواقم العاملة في الخطوط الأمامية تركت بدون إمدادات طبية كافية أو معدات حماية، ما يزيد من احتمالات الإصابة بالعدوى.
وسبق مقطع نقل مريض قنا في سيارة لنقل البهائم، مقطع آخر لا يقل شهرة وتأثيرا تم التقاطه بكاميرا موبايل داخل وحدة العناية الفائقة في مستشفى حكومي مُنهار تجهيزياً، وآثار غضبا عارما على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويقول المقطع المصور إن جميع المرضى في وحدة العناية المركزة بمستشفى الحسينية المركزي في محافظة الشرقية المصرية قد "ماتوا بسبب نقص الأوكسجين"، وهو الأمر الذي حاولت نفيه إدارة المستشفى.
ويُظهر الفيديو البالغ مدته 48 ثانية، إحدى الممرضات وهي جالسة على الأرض وتضع يديها على رأسها وكأنها في حال "ذهول" أو "تعب"، وسط محاولة باقي الممرضات والممرضين إنقاذ الحالات.
وأرجع الباحث والإعلامي مصطفى إبراهيم، إصرار عصابة السفاح السيسي على إغلاق المستشفيات العسكرية والشرطية أمام المدنيين "للتفكير الطبقي الذي يسود عقلية القادة العسكريين، حيث يرى النظام العسكري الحاكم أن قادة الجيش والشرطة أعلى مرتبة من الشعب.
رابطا ذلك بما قام به ضباط الجيش والشرطة للانقلاب من تسريبات، "تشير إلى ما يبث في أذهان طلبة الكليات العسكرية والشرطة، حيث يتم تلقينهم أنهم أعلى من زملائهم المدنيين، وأنهم هم وحدهم القادرون على حماية الدولة وتسيير شؤونها، وأن المدنيين لا يصلحون لتحمل المهام الصعبة، وأنهم أقل وطنية منهم".
من أموال المصريين
وأضاف إبراهيم قائلا: "من حق الشعب المصري أن يعالج في هذه المستشفيات التي بنيت من أموال المواطنين المصريين وجيوبهم، وليست من ميراث ولا من كسب قادة الجيش والداخلية".
في غضون ذلك تواصل عصابة الانقلاب حربها على مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرة أنها مصدر "للشائعات التي تهدد أمن البلاد".
وقال السفاح السيسي، في وقت سابق، إن "الخطر الحقيقي الذي يمر في البلاد وفي المنطقة هو تفجير الداخل بالشائعات والأعمال الإرهابية والضغط بهدف تحريك الناس لتدمير بلدهم"، زاعماً أن مصر واجهت في 3 أشهر 21 ألف شائعة!
ما جعل النائب أسامة هيكل، المقرر السابق للجنة الثقافة والإعلام في برلمان المخابرات، يعلن عن تضمن قانون الصحافة والإعلام، الذي أشرف على إعداده محمود نجل السفاح السيسي، مادة تعتبر الحسابات التي يتعدى عدد متابعيها خمسة آلاف شخص، على مواقع التواصل الاجتماعي منصات إعلامية.
وقال هيكل إن :"70 ٪ من المصريين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي ويعتمدون على الإعلام الإلكتروني ولا يقرأون الصحف"، زاعماً أن "مواقع التواصل أصبحت تستخدم لترويج الشائعات وأمور كثيرة، انتشرت مؤخرا خلال الفترة الأخيرة".
