في الوقت الذي يتجاهل المنقلب عبد الفتاح السيسي كوراث نتائج امتحانات الثانوية وتظلم نصف دفعة "التابلت" من فوضى التصحيح، رغم مناشدات أولياء الأمور والطلاب بالتدخل لتصحيح كوارث النتائج ، وفي ظل الغضب الشعبي من قرار زيادة رغيف العيش، وفرض رسوم على "الركنة" أمام المنازل؛ إلا أن السيسي فضّل الانتصار فقط للعاملين في المجال الفني، حيث أمر اللواء خالد عبدالعال محافظ القاهرة بوقف تطبيق رسوم تصوير الأفلام والمسلسلات الفنية مع وعد بالاستمرار في دعم شركات الإنتاج السينمائي والدرامي.
القرار الجديد أوجد حالة من الارتياح لدى العاملين بالوسط الفني الذين هددوا بعدم التصوير وأعلنوا الوقوف ضد زيادة رسوم تصوير الأعمال الفنية في الشوارع إلى 100 ألف جنيه يوميا.
وتساءل مراقبون عن تكريس الطائفية المهنية بين المصريين، فالسيسي يرفض ضم المتوفين من الأطباء ضحايا الأوبئة مثل كورونا إلى معاش الشهيد الذي خصّ به ضباط الجيش والشرطة، وفي الوقت نفسه يفرض رسوما باهظة على الفقراء وينوي رفع دعم الخبز عنهم، ولم يقترب من ضرائب الدخل أو ضرائب الاتصالات أو ضرائب البناء والعقار.
وكشف المراقبون أن "القرار والتراجع الجزئي عنه أشبه بتراجعه من قبل عن قرار إدارة شركة المنتزه بفرض رسوم باهظة على جلسات التصوير داخل حدائق المنتزه التاريخية".
الطريف برأي مراقبين أن السيسي أكد قبل قرار محافظة القاهرة بفرض رسوم التصوير -التي يراها العاملون بالمجال الفني- مبالغا فيها على دعم الدولة لصناعة السينما، خلال اتصاله بأحد البرامج التلفزيونية وبعد يومين أعلنت محافظة القاهرة عن رسوم التصوير، بخلاف الرسوم المفروضة على التصوير في المواقع التاريخية والحدائق العامة.

تراجع مُذل
وعلقت سمية سعد @somayasaaad على القرار مبدية بعض الملاحظات فقالت "أولا: استخدام كلمة الدولة خاطئ، المحافظات جزء من الحكومة.. ثانيا: لماذا تتسرعون في إصدار قرارات للجباية؟ ارجعوا إلى الخبراء وليس الجباة.. ثالثا: ضعوا تاريخ لمكاتباتكم فهو هام عند المحاسبة".
وطرح الأكاديمي القريب من الانقلاب أحمد فؤاد أنور عبر @ahmadfouadanwar "ما وصفه بـ"سؤالين على جنب":
١-هو ليه محافظة القاهرة ما تطلعش بيان واضح تقول فيه إن القرار جانبه الصواب ولم يتم بحثه بالقدراللازم، ولم يحظَ بحوار مجتمعي قبل إصداره؟. ٢- اللي ما يعرفش يوصل صوته عند تضرره من قرارات زي دي يعمل إيه؟".
ولكن هند المصرية رأت ما وراء القرار والتراجع فقالت عبر @HindEgy22 "استطاع السيسي خلق طائفية مهنية بمصر وأنا أعتقد أنها أخطر كثيرا من الطائفية العقائدية والتي ساهمت بشكل أو بأخر في تدمير سوريا والعراق وأخطرمن الطائفية القبلية التي دمرت ليبيا واليمن في مصر أصبح لدينا طوائف الجيش والشرطة وطوائف القضاء والنيابة والإعلام هذه طائفية نجح فيها تماما".

العمل بالخارج
وقبل تراجع حكومة الانقلاب عن الرسوم قال رئيس النقابات الفنية د.عمر عبد العزيز إن "القرار ضد الفن و يجبرنا للتوجه خارج بلدنا مصر و يجب دعم صناعة السينما لا العكس".
أما نقيب المهن التمثيلية أشرف زكي فقال إن "فرض رسوم 100 ألف جنيه عن التصوير في اليوم بشوارع القاهرة، ضرب لصناعة الفن والسينما والإعلانات والدراما، لافتا أن دولا أخرى تساعد على التصوير في شوارعها مثل لبنان والمغرب".
الرسام أحمد عز العرب أشار إلى توضيح بأن "ما منحته حكومة المغرب من تسهيلات للتصوير على أرضها عاد إليها بالأرباح المالية والمعنوية وضاعف الإنتاج السينمائي في المغرب تصبح هوليود العرب في صناعة الأفلام الأجنبية".
المخرج شريف البنداري تحدث عن أن "الشارع ملك للجميع" وكتب "تخيل حضرتك فيلم بميرانية صغيرة بيحصل كله في شوارع القاهرة لمدة ١٥ أو٢٠ يوم تصوير مخرجه بيشتغل عليه بقاله سنين، فجأة ميزانية الفيلم زادت ٢ مليون جنيه اللي هما تقريبا قد ميزانية الفيلم كله لمجرد الحصول على تصريح تصوير في الشارع اللي هو ملك للجميع".
وشاركة الروائي إبراهيم عبدالمجيد الرأي فكتب: "كارثة فرض تسعيرة علي تصوير الأفلام أو المسلسلات في الشوارع حتبقى تاثيرها كمان زفت على الأفلام التسجيلية اللي هي أصلا ميزانيتها يادوبك أجور العاملين فيها، يعني حتنتهي الأفلام اللي عن حياة أي كاتب أو فنان أو أي مشهور وعن الأماكن اللي عاش فيها. بح توثيق".
واعتبر "عبدالمجيد" أن البعد الأمني وراء القرار الذي اتخذته محافظة القاهرة بدعوى منع العشوائية، مشكلة مصر من زمان هي النظرة الأمنية لكل شيء ودلوقت زاد عليها النظرة التجارية . يعني تدفع علي أي حاجة. أي تصوير عايز إذن. مع إن دلوقت لو كتبت مثلا عن موضوع رسوم التصوير للأفلام وأنا قاعد أهه في البيت ودخلت الفيسبوك حالاقي إعلانات من جوجل كيف تصبح ممثلا مشهورا في خمسة أيام".

الوثيقة الحية
وبخلاف البعد الأمني تحدث آخرون من العاملين بالإنتاج الفني عن نية الديكتاتور محو الذاكرة الحية والقلق من وجود الكاميرا في الشارع، فكتب المخرج أحمد ماهر: "سيبك من المنتج الفني اللي بيطلع حاليا لأنه مناسب للحظة لكن الحقيقة آلة التصوير هي الأداة الوحيدة القادرة مش بس على تسجيل الزمن إنما إعاده الزمن، علشان كده فضلت السينما أداة تخوف الأباطرة من ستالين وموسوليني وأدولف وحتى بينوشيه، لأنها وثيقه حية، ده اللي بيقلق من وجودها في الشارع".
وأيدته الكاتبة عزة مطر فكتبت "خطورة القرار ده أنه بينهى عملية توثيق الحياة والشوارع .. يعني مثلا فيلم الحريف متصور بالكامل في حَواري بولاق أبو العلا اللي تمت إزالتها تماما ..المنطقة اللي كانت خلف هيلتون رمسيس. الفن بيوثق تفاصيل الحياة كلها و القرار الصادر هدفه منع التوثيق".
وشاركهما "عمدة تويتر" المخاوف ذاتها وكتب: "الناس ابتدت تتكلم عن التصوير خارج مصر.. المشكلة أكبر من موضوع ١٠٠ ألف جنيه اللي هتلمهم دول.. من أحد مهام السينما التوثيق للحياة الاجتماعية في الشارع زي ما كنا بنشوف كده شكل الشارع في فيلم حياة أو موت (أحمد إبراهيم القاطن بدير النحاس) احنا كده بنخسر توثيق مهم للشارع المصري".