عندما أراد فرعون إقناع المصريين بأنه على حق وأن نبي الله موسى عليه السلام على باطل، جمع رموز المجتمع المصري حينها من كهنة ورؤساء قبائل وموسرين، وخاطبهم:" ألا يدعي موسى أنه يعبد إلها واحدا قادرا مقتدرا بيده ملكوت كل شيء لا يراه الناس؟ قالوا: نعم. قال: ألا يزعم موسى أن ربه بيده مفاتيح السموات والأرض وأنه هو من يبسط الرزق لما يشاء من عبادة وهو من يقبضه؟ قالوا: نعم.  قال: إذا كان موسى صادقا في دعواه، فلماذا يعطي رب موسى ملك مصر وحكمها لي وأنا عدوه ولا يعطيها لموسى؟  لماذا يجري رب موسى هذه الأنهار من تحتي ويغدق عليَّ بكل هذه النعم وأنا عدوه؟!  أليس من الأولى لرب موسى أن يغدق على نبيه موسى  بالنعم والثروات إذا كان حقا يملك السموات والأرض؟ هنا صفق الحاضرون أمام هذا المنطق واقتنعوا بما ساقه فرعون من حجج وبراهين. وقد قص القرآن هذه المواقف {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (51)أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلا لِلْآخِرِينَ (56)}. سورة الزخرف.

وكان السيسي قد صرَّح في سبتمبر 2020م أثناء انتفاضة الجلاليب أنه مصلح كبير ولو كان مفسدا فلن يكون الله معه مستدلا بأن الله مكنه في الأرض وبوأه حكم مصر متناسيا أن الله يمكن أيضا للكافرين والمنافقين والظالمين.  

تذكرت هذه الآيات عندما اسمتعت إلى تصريحات السيسي الأخيرة السبت 11 سبتمبر 2021م،  والتي يهاجم فيها ثورة يناير من جديد، وقلت في نفسي: سبحان  الله! لم يبق للسيسي سوى ادعاء الألوهية والربوبة حتى يكون قد استكمل كل خطوات فرعون. فقد علا كلاهما في الأرض وجعلا أهلها شيعا أي قسموا الناس وفرقوهم إلى أنصار وأعداء ومزقا نسيج المجتمع. يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم أي يبقيهن أحياء، بينما ينكل بالرجال ويذبح الأبناء. وكلاهما يفسد في الأرض ويعلق شماعة فشله على خصومه {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ..} الأعراف. وكلاهما يرى نفسه حاميا للوطن والدين {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ (26)} غافر. وكلاهما يرى نفسه يملك ناصبة الحق حصريا فالسيسي دائما ما يقول "متسمعوش كلام حد غيري.. أنا طبيب الفلاسفة.. وأعرف المشكلة وأعرف علاجها"! وهو نفس منطق فرعون {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)} غافر. لكننا جميعا نعرف عاقبة ما جرى لفرعون وجنوده، فهل تختلف نهاية السيسي عن نهاية جده الأكبر فرعون؟ إن سنن الله في الخلق والمجتمعات لا تتبدل ولا تتغير ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

وكان السيسي قد هاجم ثورة يناير من جديد مدعيا أنها تمثل شهادة وفاة للدولة المصرية!  كيف تكون الثورة التي طالبت بالحرية والعدالة والإنصاف شهادة وفاة للدولة؟! إن التدمير الحقيقي للدولة هو ما يقوم به السيسي حاليا،  فكل سياساته وقراراته إنما تصب في تكريس الظلم والطغيان وتقنين الفساد في الأرض، فكم قتل من الأبرياء! وكم سن من قوانين جائرة! وكم صدرت في عهده من أحكام قضائية بالغة الظلم والجور! ولكن الظالمين دائما ما يرون الحقائق بشكل معكوس.  تماما كما كان فرعون عندما استخف قومه فأطاعوه.

https://www.youtube.com/watch?v=QFAjWG0Fa_8

يتجاهل السيسي أنه اغتصب الحكم بقوة العنف والإرهاب (انقلاب عسكري) رغم أن الإسلام يحرم ذلك أشد التحريم ولا يوجد في الإسلام سوى طريقة واحدة للحكم وهي الشوري الحقيقة التي لا تزوير فيها ولا تزييف ولا إقصاء، أما الانقلاب على الرئيس المنتخب ثم الزج به في السجن ظلما، ثم اغتياله في ظروف غامضة فتلك جرائم كبرى تبرهن على مدى الخسة والغدر والخيانة وهي المعاني القبيحة المتجذرة في نفسية السيسي التي يرى نفسه وليا من أولياء  الله وقد يصل بنفسه إلى مرتبة الأنبياء؛ ألم يدع أنه الله أخبره وكلمه، وقال له أنا هعطيك حكم مصر وأشوف أنت هتخدم أهل بلدك ازاي!

قد يكون هجوم السيسي على الثورة والإخوان شكل من أشكال الخوف الدائم وشكل من أشكال الهوس والجنون، لكن السيسي يرى نفسه قديسا أو نبيا، بينما يراه العالم باستثناء حفنة المنافقين من حوله مجنونا من طراز رفيع وقد يكون مريضا بمرض نفسي نادر من ذات النوعية التي كان فرعون مصابا به. فمثلا تؤكد صحيفة الإندبندت البريطانية في الذكرى العاشرة للربيع العربي أن السيسي مفسد في الأرض بل هو مفسد من طراز رفيع وتقول في تقرير لها إن 8 أعوام من حكم عبد الفتاح السيسي لمصر، كانت كفيلة بتحويل مصر إلى دولة بوليسية، أكثر من حقبة حسني مبارك وأنور السادات. وتؤكد أن المصريين الذين خرجوا في ثورة يناير كانوا يطالبون بالتغيير نحو الأفضل لكن "القمع الوحشي الذي ووجهوا به لم يمنعهم من الاستمرار وتوسعت التظاهرات لتشمل جماعة الإخوان المسلمين". ولفتت إلى أن القمع وهجمات "البلطجية" واستعمال مختلف الأسلحة وحتى الجمال وقتل مئات المدنيين، لم يمنع من تفاقم الثورة وتحويل ميدان التحرير إلى رمز للعالم كله. وتابعت: "لكن منذ تلك اللحظة المبهجة، أخذت الأمور في مصر تنحدر من الفوضى إلى الدكتاتورية. فقد استغلت القوات المسلحة الانقسامات السياسية والاجتماعية لتعزيز سطوتها وسحق أحلام المصريين في الديمقراطية".

وترى الدبلوماسية الأمريكية السابقة، ميشال دان، التي مثلت بلادها في مصر وتعمل حاليا باحثة في معهد كارنيجي للسلام الدولي أن المصريين اخترقوا حاجز الخوف بينهم وبين الدولة، ولكن السيسي استعمل مستوى مذهلا من الوحشية لإعادة بناء ذلك الجدار". وفي تحليلها لشخصية السيسي تؤكد أنه "جمع بين الوحشية والهوس بالعظمة في نظرته إلى مصر المقلة في تحسين حياة الناس العاديين لكنها مفرطة في المشاريع الباهظة التي تبدو أنها فرصة للسيسي وحاشيته لنهب الخزينة العامة". وقالت إن مشاريع السيسي باهظة الثمن ومثيرة للجدل بيئيا، وغير ضرورية، في بلاد الكثير من فقرائها يفتقدون الماء النظيف والصرف الصحي، وحتى الطبقات الوسطى فيها تشتكي من رداءة الخدمات الصحية والتعليم.

Facebook Comments