تؤكد أدلة وشواهد أن مستويات العنف والتعذيب الوحشي الذي تمارسه أجهزة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي بحق المعارضين في الأقبية والسجون ومقرات الاحتجاز في مراكز الشرطة وأقسامها ومقرات الأمن الوطني تعتبر المتهم الأول والسبب الرئيس لانتشار التطرف والعنف والإرهاب.

قد يكون أحد توجهات نظام الانقلاب يالحالي بقاء الحالة الداعشية وتغذيتها حتى تبقى لأهداف سياسية على المستويين الداخلي والخارجي؛ فعلى المستوى الداخلي تمثل الحرب على الإرهاب لافتة كبرى يوظفها النظام للتنكيل بكل خصومه والزج بهم في السجون والمعتقلات بتهم باطلة وبالغة التلفيق، ويكفي وصفهم بالإرهاب حتى يكون ذلك مبررا للسكوت عن الحقوق المدنية لآلاف المظلومين في سجون العسكر، منذ انقلاب 3 يوليو 2013م. وعلى المستوى الإقليمي والدولي، فإن هذه   الحرب المزعومة تمثل برهانا من النظام على ولائه لأجندة تحالف الثورات المضادة وهو التحالف الذي يضم إسرائيل والسعودية والإمارات، وتعتبر تل أبيب هي بوابة الرضا الأميركي والغربي عموما عن النظام، وبهذه الحرب القذرة يقدم السيسي نفسه للغرب باعتباره رأس الحرب ضد الإرهاب والحركات الراديكالية التي يفضل الغرب إضعافها أو القضاء عليها نهائيا؛ ولذلك يفضلون النظم العسكرية أو الملكية المطلقة لأنها تعتبر أداة من أدوات الاستقرار الوهمي للمنطقة على أساس حماية المصالح الإسرائيلية والأميركية والغربية بشكل عام.

 

تحذير أمريكي 

ومؤخرا نشر موقع منظمة مجلس العلاقات الخارجية بالولايات المتحدة الأمريكية تحليلا كتبه مايكل بريكنيل وويل ميرو يحذر فيه من الانتهاكات الوحشية في سجون السيسي باعتبارها مصنعا يخرج أجيال تلو الأجيال من المتطرفين والإرهابيين.

ويرى المحللان أن آراء المحللين وصانعي السياسيات بشأن السبب الذي جعل مصر تفرز الكثير من المتطرفين تتلخص في رأيين بشكل عام:

  • الأول، يفترض أن القمع، الذي اتسمت به السياسة المصرية منذ حكم "جمال عبد الناصر" (منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي إلى 1970)، يوجه الشباب للتطرف، حيث يتحملون وطأة عنف الدولة عندما يسعى المجتمع لإنصاف مظالمه.
  • الثاني، يربط بين التطرف مع أيديولوجية محددة، ولا سيما الرؤية القطبية (نسبة للمفكر الإسلامي الشهيد سيد قطب) لإنشاء مجتمع إسلامي. ويرجح الكاتبان أن مزيج الاثنين أنتج جيلا من بعض المتطرفين المشهورين.

وبحسب الكاتبين فإن السلطات المصرية (الانقلابية) عندما كانت تقاتل تمردا إسلاميا منخفض المستوى في منتصف التسعينات، استخدمت مجموعة متنوعة من التكتيكات للتعامل مع المشكلة، بما في ذلك إبعاد الشباب عن التطرف والدعاية لتشويه سمعة الأيديولوجيات المتطرفة. على العكس من ذلك ـ بحسب التحليل ــ فإن النظام المصري حاليا يعتمد على القمع حصريا، ويرفض بعناد الاعتراف بالصلة الجزئية بين القمع الحكومي والتطرف، وهذه هي مشكلة النهج الحالي للسلطات المصرية تجاه "ولاية سيناء"، وهو فرع من تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي يشن حملة عنيفة في محافظة شمال سيناء، وهي الحملة التي امتدت إلى وادي النيل. وفيما لا يوجد شك بأن هناك مكونًا أيديولوجيًا جذب أعضاء المجموعة، إلا أن قمع السكان في شمال سيناء يلعب أيضا دورا في انضمام الشباب للتنظيم.

ويؤكد الكاتبان أن السيسي يشرف على بيئة من القمع العميق، وقد أُغلقت مساحة المعارضة السياسية، كما تغصّ السجون المصرية (التي كانت أرضًا خصبة للتطرف في الماضي) بخصوم النظام. ومع إن جماعة "الإخوان المسلمون" كانت هدفا رئيسيا لاعتقالات الأمن، إلا إن هناك عشرات الآلاف من السجناء السياسيين المتفاوتين في الانتماءات ووجهات النظر. و بالنظر إلى مزيج العنف والقمع الحكومي، وكذلك استمرار الأيديولوجيات المتطرفة، فإن هناك إمكانية لظهور إصدارات جديدة من الأفكار والمجموعات المتطرفة في مصر.

 

توثيق حقوقي

وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية التي يقع مقرها في الولايات المتحدة الأمريكية حذرت في تقرير لها  الخميس 15 يوليو 2021م من ممارسات التعذيب والانتهاكات داخل السجون المصرية وأكدت أنها تساعد في تغذية تجنيد السجناء بصفوف تنظيم الدولة "داعش". وقالت إن ممارسات التعذيب والانتهاكات داخل السجون المصرية تساعد في تغذية تجنيد السجناء بصفوف تنظيم الدولة الإسلامية "داعش". وتتهم هيومن رايتس ووتش سلطات الانقلاب بعدم ردع تجنيد تنظيم داعش لأفراد جدد من  خلال استغلال آلام السجناء وتظلماتهم من الحكومة المصرية.  

واستندت المنظمة الحقوقية إلى شهادات سجناء أُطلِق سراحهم في الفترة بين 2009 و2021، ووجدت أنَّ جميع من أجرت مقابلات معهم شهدوا تجنيد شخص في صفوف الجماعة. إذ قال أحد السجناء لمنظمة Human Rights First: "السلطات تخلق قنبلة موقوتة بالسماح بحدوث ذلك". وأضاف السجين: "أعرف 3 رجال حين وصلوا إلى السجن لم يكونوا متطرفين، لكنهم انضموا إلى داعش أثناء وجودهم في السجن. وبعد إطلاق سراحهم، ذهب اثنان منهم للقتال في صفوف داعش بسيناء، وقُتِل الثالث في المعارك بسوريا".

في المقابل تصاعد تمردٌ عمره عقد بشمال سيناء في 2013 حين أطاح الجيش المصري بأول رئيس مُنتخَّب ديمقراطيا، محمد مرسي. واستغلالاً للاضطراب السياسي الذي أعقب ذلك، كثّفت الجماعات المسلحة في سيناء هجماتها على الجيش والشرطة، واستخدمت شبه الجزيرة منصة لتنفيذ ضربات في أماكن أخرى بمصر.

وفقاً لمنظمة Human Rights Watch، قُتِل ما لا يقل عن 3076 مسلحا مزعوما في الحملة الأمنية الجارية، لكن المنطقة تظل بعيدة بنسبة كبيرة عن أعين الصحفيين؛ مما يجعل من شبه المستحيل تجميع إحصائية مستقلة عن الوفيات.

فيما كشف السجناء، لمنظمة Human Rights First، أنَّ الدوافع الأساسية للانضمام إلى داعش هي سعياً للانتقام من السلطات المصرية. وانضم كذلك بعضهم بسبب الحماية التي يتمتع بها أعضاء الجماعة المسلحة في السجون.    

من جانبه، قال يوسف، سجين سابق أُطلِق سراحه في وقت سابق من عام 2021، إنَّ أفراد "داعش" كانت لهم حرية الانخراط مع السجناء الشباب المحرومين من حقوقهم والمعرضين للتعذيب باستمرار. وأضاف: "الكارثة هي أنَّ السلطات لم تفصل بين السجناء المرتبطين بقضايا إرهاب حقيقية وأولئك الذين يعارضون النظام لأسباب سياسية". وأوضح: "لم أرَ قط سلطات السجن تتدخل لمنع حدوث ذلك".

 

شيك أمريكي على بياض

وتعزو Human Rights First،  أسباب هذه الممارسات من نظام الانقلاب المصري والانتهاكات المستمرة إلى الدعم المُطلق الذي تقدمه الولايات المتحدة لمصر سياسيا وعسكريا.

في هذا السياق، قال براين دولي، مستشار أول لمنظمة Human Rights First، ومؤلف التقرير، في بيان: "قالت إدارة بايدن إنها تضع حقوق الإنسان في قلب السياسة الخارجية الأمريكية. لكن في مصر، يبدو أنها تتجاهل انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الديكتاتورية والتي تصنع الإرهابيين في سجونها".

كما انتقدت العديد من الجماعات الحقوقية إدارة بايدن؛ لعدم اتخاذ إجراءات ملموسة ضد انتهاكات حقوق الإنسان في القاهرة، قائلةً إنَّ الرئيس يواصل سياسة "الشيك على بياض" التي وعد بايدن بإنهائها. كذلك وفي تصريح سابق لموقع Middle East Eye، قال رائد جرار، مدير قسم المناصرة بمنظمة الديمقراطية الآن للعالم العربي: "أسهل شيء، وأبسط ما يمكنهم فعله، هو تعليق 300 مليون دولار بسبب عدم قدرة مصر على تلبية الشروط التي حددها الكونجرس لمواصلة ضخ المساعدات الأمريكية".

Facebook Comments