وافق أول أمس ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا، و هي مجزرة نُفذت في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في 16 سبتمبر 1982. واستمرت لمدة ثلاثة أيام على يد مجموعات اللبنانية المتمثلة بحزب الكتائب اللبناني وجيش لبنان الجنوبي والجيش الإسرائيلي.
تُشير المؤرخة منى عبد السلام "بدأت المقدمات التي تشير بحدوث مجزرة في مخيمات اللاجئين الفلسطينين بتدريبات مكثفة لجيش لبنان الجنوبي، والتي سبقت المجزرة بأسابيع ومن ثم كان تقدم القوات الإسرائيلية بغطاء جوي مُكثف حتى العاصمة اللبنانية بيروت، ليتم حصار المخيمات الفلسطينية ومنها مخيم صبرا وشاتيلا بدبابات الجيش الإسرائيلي والميليشيات المسلحة من جيش لبنان الجنوبي، ليتم السيطرة على كل مداخل ومخارج المخيم، ومنع الخروج منه كليا، وذلك بعد مقتل الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل في 14 سبتمبر عام 1982.
عدد القتلى في المذبحة لا يُعرف بوضوح وتتراوح التقديرات بين 750 و 3500 قتيل من الرجال والأطفال والنساء والشيوخ المدنيين، أغلبيتهم من الفلسطينيين ولكن من بينهم لبنانيين أيضا".

مجزرة
يصف الفلسطينيون الذين شهدوا الواقعة ذلك الفجر بأنه الفجر الذي استحت فيه الشمس أن تضيء، وأنه اليوم الذي غطت فيه الأرض كلها الدماء، فكانت أشلاء الجثث في كل مكان، وكان ما كان من العوائل الكاملة التي قضت نحبها ذبحا بالأسلحة البيضاء، فكانت الشهادات مرعبة، حيث استخدمت الكتائب كل ما كان يصلح للقتل من الأسلحة البيضاء والأحجار والقنابل والبنادق، بعد أن سيطرت كليا على المخيم، لتدق أعناق كل من قابلها من أطفال وشيوخ ونساء وشباب، فلم يسلم أحد، حتى ولو كان رضيعا في عمر الأيام، فلم تكن الجريمة تستهدف أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية فحسب، ولا المقاومين كذلك، بل شُوهدت النساء الحوامل تُبقر بطونهن، والأطفال قُطعت أطرافهم، وشوهدت جثث لفتيات كُبلت أيديهن بالسلاسل ومُزقت أجسادهن بعد أن اغتصبهن أفراد الكتائب بوحشية.

كلهم مجرمون
على المستوى الفلسطيني، رأى الفلسطينيون أن التخطيط كان إسرائيليا من قِبل وزير الدفاع الإسرائيلي آرييل شارون في ذلك الوقت، بالاشتراك مع عدد من ضباط الجيش الإسرائيلي، بتورطهم الغير مباشر في المذبحة، إلا أن هناك جانبا أغفله التاريخ العربي وكذلك العالمي من القضية، وهو جانب العناصر اللبنانية، الذين عاشوا وماتوا دون محاسبة، ليموتوا أبطالا وأيديهم ملطخة بالدماء.
وبحسب المؤرخة الفلسطينية الدكتورة بيان الحوت في كتابها "صبرا وشاتيلا أيلول 1982 فإن "هناك 484 من الضحايا لا يزالون بحكم المخطوفين والمفقودين ولم يعد أي منهم حتى الآن".
بينما يقول الكاتب الفلسطيني ابن مخيم شاتيلا محمود كلَّم في كتابه "مخيم شاتيلا الجراح والكفاح" "مهما كُتب وسيُكتب عن مجزرة صبرا وشاتيلا فسوف تبقى نبعا لآلاف القصص المأساوية وستظل جرحا يأبى أن يندمل".
وقد أجمع كثير من المؤرخين والصحفيين على أن اتفاقا بين القيادة العسكرية الإسرائيلية وحزب الكتائب اللبناني أبرم لما وصف بتطهير المخيمات الفلسطينية مما يسمونه إرهابيين، بل إن بعض الشهادات اللاحقة، مثل شهادة زعيم حزب الكتائب اللبناني لاحقا، كريم بقردوني تفيد بأن "شارون كان المحرض الأول على المجزرة،ولم تخل هذه الجرائم من عمليات اختطاف جماعية دعمتها القوات الإسرائيلية، وبالتالي اختفاء العشرات الذين لا يزالون في عداد المفقودين إلى يومنا هذا".

المجزرة والصمت
ورغم ذلك لم يقم المجتمع الدولي أو لبنان، الذي طوى لاحقا صفحة الحرب الأهلية، أو إسرائيل بتحقيق رسمي في تفاصيل المجزرة، وتم الاكتفاء بتعيين الكنيست الإسرائيلي لجنة تحقيق تحت إشراف إسحق كاهانا في سبتمبر 1982.
ورغم تقليص صلاحيات هذه اللجنة التي أخذت طابعا سياسيا وليس قانونيا كونها همشت أصوات الضحايا، فقد توصلت إلى استنتاج مفاده أن "وزير الدفاع شارون، يتحمل مسؤولية شخصية عن المجزرة".
وبعد إصرار اللجنة على موقفها، وعلى إثر المظاهرات الحاشدة في إسرائيل، استقال شارون من منصب وزير الدفاع ولكنه بقي في الحكومة وزيرا.
يذكر أن "عددا من مبادرات التحقيق غير الرسمية أُطلقت في هذا الإطار، ومنها تحقيق شون ماكبرايد واللجنة الإسكندنافية، التي اعتمدت غالبا على شهادات شهود عيان غربيين، بالإضافة إلى أعمال صحفية وأبحاث تاريخية جمعت كمية من المعلومات عن الحادثة التاريخية".
ورغم إقرار مجلس الأمن بأن "ما أُقترف بحق مخيمي صبرا وشتيلا كان مجزرة إجرامية، ووصفت بأفظع جرائم القرن العشرين في الذاكرة الجماعية للإنسانية، إلا أنه لم تجرِ محاكمة أو محاسبة أي مسؤول عن تلك الجريمة".

Facebook Comments