يحكي الفيلم السياسي الشهير "الكرنك" عن حالة الاستبداد السياسي والفكري الذي انتهجه نظام الطاغية الانقلابي جمال عبد الناصر، حيث يتناول قصة مجموعة من الشباب الجامعي الذي يتم اعتقالهم دون جريمة بسبب التقائهم في مقهى "الكرنك"، الذي عُرف عنه تجمع بعض المفكرين فيه وتعرضهم أحيانا لنقد انقلاب العسكر، واليوم وعبر برامج المخابرات يتم نفس الشيء عبر مخبرين بدرجة إعلاميين.
وغادر الكاتب الصحفي صلاح الإمام القاهرة، بعد أن تقدم المخبر الإعلامي مصطفى بكري ببلاغ ضده لوزارة الداخلية ومباحث الإنترنت في حكومة الانقلاب على الهواء مباشرة.
مفيش معارضة..!
بلاغ المخبر "بكري" على الهواء مباشرة في برنامجه الذي ترعاه المخابرات شأن جميع برامج الإعلاميين المؤيدين للانقلاب، يأتي في وقت يطلق فيه السفاح السيسي كذبا ما تسمى بالإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، حتى إن "مارجريت عازر" الوكيل السابق للجنة حقوق الإنسان بمجلس الشعب، وجدت صعوبة في تذكر آخر مرة شاهدت معارضا سياسيا على قناة مصرية، أثناء حوارها مع المذيعة رشا قنديل في قناة بي بي سي.
وكان برنامج نقطة حوار الذي تقدمة الإعلامية رشا قنديل على قناة بي بي سي البريطانية قد قدم حلقة مؤخرا تحت عنوان مصر، هل تتحسن أوضاع حقوق الإنسان بفعل الضغط الأمريكي؟ ، وقالت عازر في برنامج بلا قيود الذي يذاع على قناة بي بي سي إن "مصر ليس بها معتقلون سياسيون، راد على تقارير منظمات حقوقية عن سجن أصحاب الرأي".
واتهم المخبر بكري الإمام بـالتحريض صراحة على قتل الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف في حكومة الانقلاب، بكتاباته ومنشوراته عبر فيسبوك.
وأعلن الإمام في منشور على صفحته عبر فيسبوك عن مغادرته للقاهرة هربا مما اتهمه به بكري من التحريض على قتل وزير الأوقاف وتشكيكه في إسلامه ووطنيته، ونشر مقالات مسيئة لعصابة الانقلاب.
وقال: "أنا الآن في سيارتي في طريقي للخروج من القاهرة منفيا طريدا، حزمت حقائبي وتركت فاطمة تبكي حتى راحت في غيبوبة".
وأضاف: "لعلك تهنأ الآن يا بكري، متابعا يارب اللي حصل للإبراشي بذنب محمود شعبان يحصلك، وختم منشوره بالآية القرآنية قل لن يصيبنا إِلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى اللّه فليتوكل المؤمنون".
وكان الإمام أعلن أمس عن اعتزاله الكتابة في مجال السياسة "لن أغلق صفحتي لكن لن أنشر بعد اليوم كلمة واحدة تتعلق بالشأن العام لأني مريض ومش وش بهدلة، سأكتب في كل شيء إلا السياسة وربنا هو الحافظ".
بلاغ على الهواء
وقبل أيام أخلت نيابة أمن الانقلاب سبيل الشيخ محمود شعبان الأستاذ بجامعة الأزهر عقب سنوات من الجبس الاحتياطي على خلفية كمين تم إعداده له على الهواء من خلال الإعلامي وائل الإبراشي، حيث كانت قوات أمن الانقلاب في انتظاره ليتم حبسه منذ ذلك الحين دون تهمة حقيقية.
اللافت، وفقا لناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، أن "الإبراشي" لم يعد منذ إصابته بكورونا قبل شهور، فيما عاد "شعبان" من الظلم بإخلاء سبيله دون أن يغير آراءه التي حبس من أجلها.
عارض من السجن..!
وربما ما حمل الكاتب الصحفي صلاح الإمام على مغادرة القاهرة هو مصير من قبله من المعارضين والسياسيين، أمثال الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح والكاتب الراحل سليمان الحكيم وجورج باتريك والإعلامي محمود حسين وغيرهم، اعتقلوا بعد عودتهم إلى مصر وزج بهم في السجون، كان آخرهم الكاتب والصحفي جمال الجمل والصحفي بقناة الجزيرة ربيع الشيخ.
واتهم القاضي محمد سليمان، أحد رموز تيار استقلال القضاء، عصابة الانقلاب بالكذب قائلا "مقولة تعالَ وعارض من الداخل، أكذوبة تبثها أبواق السيسي الإعلامية؛ للإيهام بوجود حرية رأي في مصر، ويظنون بذلك أنهم يخدعون الخارج والمنظمات الحقوقية الدولية".
وأضاف "هي محاولة فاشلة لتحسين صورة النظام، ومواجهة توصيفه بالديكتاتوري والاستبدادي، لكن الواقع يؤكد كل يوم حقيقة ذلك النظام القائم على القمع والاستبداد، وترسيخ مبدأ الصوت الواحد الصوت الذي ينافق ويداهن النظام".
بشأن تعويل المعارضة على تدخل الولايات المتحدة أشار إلى أنه "ربما تغير الوضع بعد وصول بايدن للحكم من خلال مراقبته لأوضاع حقوق الإنسان في مصر والشرق الأوسط، وهو ما سيحدث نوعا من الضغوط الخارجية على النظام ربما تؤدي لتغير في المشهد ستكشف عنه الأيام القادمة".
من جهته يقول الناشط السياسي والحقوقي عبد الرحمن عاطف "لا يوجد شيء في عالم السياسة يسمى المعارضة من الداخل أو الخارج، وما يحدث أن الإعلام المصري يحاول جرف قضية رحيل السيسي إلى معارضة من الداخل والخارج".
وبشأن رسالة عصابة الانقلاب من اعتقال المعارضين العائدين، أكد أن "رسالته واضحة بأنه لا معارضة لنظامه إلا بالسجون، وإلا لماذا لا يطلق سراح آلاف المعارضين من كافة التيارات السياسية في سجون البلاد، وهي رسالة للمعارضين بالداخل والخارج بأن مصيركم السجن".
واستدرك عاطف "النظام لم يترك معارضين له بالداخل، وفي الخارج حوّل مقار السفارات والقنصليات إلى مقار أمنية واستخباراتية لملاحقة النشطاء المعارضين والتضييق على أسرهم بمصر، وهو نوع جديد من التنكيل والقمع للمعارضة".
ورأى الناشط السياسي والحقوقي أن "التقرير الاستخباراتي الأخير بشأن مقتل خاشقجي هدفه إعلان توجه إدارة بايدن لتخويف بعض الأنظمة الديكتاتورية بالشرق الأوسط من أجل استخدامها في الإفراج عن أسماء وأفراد من المعارضين في سجون النظام".