كيف نحتفل بأكتوبر و«أم الرشراش» لا تزال محتلة وسيناء تحولت إلى ساحة حرب؟

- ‎فيتقارير

مع احتفال مصر بالذكرى الـ48 لانتصار أكتوبر 1973م، تدور تساؤلات حول إصرار نظام الانقلاب على الاحتفال رغم أن «أم الرشراش» المصرية لا تزال محتلة حتى  اليوم والتي  يطلق عليها الاحتلال "ميناء إيلات" على البحر الأحمر، إضافة إلى أن سيناء لم تشهد مطلقا أي تنمية بالمعنى الحقيقي الذي يجعل منها سدا منيعا ضد الاحتلال مستقبلا كما حدث في غزة التي تحولت إلى جبل من المقاومة لا يجرؤ الاحتلال على  الاقتراب منها.

لكن الأكثر خطورة هو غموض الحديث حول مستقبل أرض الفيروز في ظل سيناريوهات أمريكية إسرائيلية تستهدف انتزاع سيناء لتكون وطنا بديلا للفلسطينيين، والتي لا يمكن الاطمئنان إلى موقف سلطة نظام 3 يوليو التي اغتصبت السلطة بانقلاب عسكري مدعوم أمريكيا وإسرائيليا.

الأمر يستوجب  التنويه إلى خطورة عمليات التزييف وتجريف الوعي الجمعي للشعب المصري، حيث يتم توظيف الآلة الإعلامية للنظام العسكري المصري وهي ضخمة بالفعل من أجل تكريس مغالطات وأكاذيب وافتراءات لتبقى في الوعي الجمعي موضع الرضا والتسليم؛ عبر تكثيف الأعمال السينمائية والدرامية والأغاني والمقالات والتقارير وغيرها، والبعد الثاني يتعلق بالسيادة المنقوصة التي  تمارسها مصر على سيناء والتي يكبلها أمران:

  • الأول مذكرة التفاهم الخاصة بمعاهدة السلام في 26 مارس 1979م.
  • الثاني هجمات المسلحين التي لا تتوقف وأدت إلى انكشاف الجيش وعدم قدرته على فرض الأمن والاستقرار.

 

معركة الوعي

في البداية يجب التنويه إلى أن هناك جملة من الحقائق الدامغة التي تسعى الآلة الإعلامية التابعة لنظام مصر العسكري إلى طمسها عبر تكثيف الأعمال الفنية والدرامية والإعلامية، في إطار حملات الدعاية الممنهجة والتي ينفق عليها بسخاء بالغ من أجل المبالغة الشديدة في تمجيد العسكرية المصرية والعمل على تحويل هزائمها المذلة إلى نكسات ونكساتها إلى انتصارات وفشلها إلى نجاح وفسادها واستبدادها وخيانة بعض قادتها إلى منتهى الوطنية والانتماء؛ فهزيمة 5 يونيو 1967 المذلة تحولت إلى "نكسة" في محاولة للتقليل من مرارتها، أما حرب أكتوبر فالإعلام يتوقف عند الأسبوع الأول منها فقط والذي عبرت خلاله قواتنا المسلحة قناة السويس وحطمت خط بارليف وأنزلت بالعدو الصهيوني هزائم مذلة؛ لكن الأسبوع الثاني وما تلاه فلا ذكر له؛ حيث أمر الرئيس الأسبق محمد أنور السادات بتوسيع الهجوم البري خارج غطاء مظلة صواريخ الدفاع الجوي رغم المعارضة الشديدة من رئيس الأركان اللواء سعد الدين الشاذلي وقادة الجيشين الثاني والثالث؛ ما أدى إلى خسائر فادحة وخسرت مصر مئات الدبابات في أيام قليلة، ثم حدثت ثغرة الدفرسوار وتمكن العدو أيضا من عبور قناة السويس ثم حصار محافظة السويس؛ ولولا المقاومة الشعبية التي حالت دون احتلال المدينة لما كان هناك أي معنى لوصف أكتوبر بالانتصار، ورغم ذلك اختفت أي إشادة بالدور الشعبي في مقابل المبالغة الشديد في تمجيد الدور العسكري!

تزييف الوعي يمتد إلى حقائق دامغة بشأن تحرير سيناء التي بقيت محتلة 9 سنوات كاملة بعد حرب أكتوبر73، وعندما غنت الفنانة شادية أغنية «مصر اليوم في عيد» في أول احتفال بتحرير سيناء في 25 إبريل 1982م على مسرح القوات المسلحة بالزمالك في حضور الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك ولفيف من القيادة السياسية والعسكرية، روجت الأغنية التي كتبها عبدالوهاب محمد ولحنها جمال سلامة، أن "سيناء رجعت كاملة لينا"، رغم أنه وقت الاحتلال لم تكن مصر حررت طابا بعد والتي تحررت بالتحكيم الدولي في 30 سبتمبر 1988، وتسلمتها مصر فعليا في مارس 1989م، ولا تزال قطعة عزيزة من أرض مصر محتلة منذ 1949م حتى اليوم وهي "أم الرشراش"  التي يطلق عليها الكيان الصهيوني "إيلات"، وحتى اليوم يحتفل النظام العسكري بتحرير سيناء ولا تزال أم الرشراش محتلة، وفي إبريل 2016م تنازل النظام العسكري عن جزيرتي  "تيران وصنافير" للسعودية وبذلك بات قطعتان عزيزتان من أرض مصر محتلتين ورغم ذلك لا يزال النظام العسكري  يروج الأكاذيب بأن "سينا رجعت كاملة لينا ومصر اليوم في عيد"؛ فعن أي عيد يتحدثون!

وعندما تم صناعة فيلم سينمائي عام 1993 ، ساهمت في إنتاجه المخابرات العامة والمؤسسة العسكرية، عن بطولة ضفادع القوات البحرية المصرية في ضرب السفن الإسرائيلية الرابضة في ميناء «أم الرشراش» المصري المحتل، أطلق صناع الفيلم عليه «الطريق إلى إيلات»، وليس الطريق إلى "أم الرشراش" في تأكيد على الأكذوبة وإصرار على الخيانة بالتفريط في التراب الوطني المصري.

 

سيادة منقوصة

من الدروس المهمة في معركة الوعي وفضح التزييف هو ضرورة التحفظ تجاه ما تطلقه أبواق السلطة العسكرية الإعلامية والفنية والثقافية وألا نأخذها مأخذ التسليم دون نقاش أو تدقيق، ما علينا سوى أن نطرح السؤال الصحيح والجريء : «هل تحررت سيناء بالفعل؟، وهل تمارس مصر سيادتها كاملة على أرض سيناء؟ ولماذا يتوجب على السلطات المصرية أن تبقى المناطق المتأخمة للأراضي الفلسطينية المحتلة منزوعة السلاح؟ ولماذا يتعين على السلطات المصرية استئذان الحكومة الصهيونية إذا أرادت استخدام أسلحة ثقيلة في المناطق ج؟! أليس كل ذلك انتقاصا للسيادة وإخلالا  بمعنى التحرير الذي تروجه له أبواق العسكر؟!».

إذا يكبل السيادة المصرية على سيناء أمران: الأول هو مذكرة التفاهم "معاهدة السلام" التي تم توقيعها في 26 مارس 1979م، والثاني هو هجمات المسلحين التي لا تتوقف وأدت إلى انكشاف المؤسسة العسكرية وعجزها عن فرض الامن والاستقرار.

الواقع يؤكد أن سيناء تحولت إلى مستعمرة أمريكية، محكومة بموجب "كتالوج" من 5 بنود، تتلخص في: وضع سيناء كرهينةً في يد "إسرائيل"، تستطيع أن تعيد احتلالها في أي وقت تشاء، بمساعدة أمريكا، وبيع القطاع العام بعد نجاحه في تمويل حرب أكتوبر 1973، وتأسيس نظام سياسي تُحظر المشاركة فيه على أي تيار أو جماعة ترفض الإعتراف بإسرائيل، وصناعة طبقة من رجال الأعمال بأموال المعونة الأمريكية، تكون حامية للسلام المزعوم، فضلا عن إعادة صياغة مصر عسكريًّا وطبقيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا على مقاس أمن "إسرائيل"، وحمايتها أمنها.

والمزاعم التي تقول إن استعادة سيناء هو أهم المكاسب التي حققتها مصر من اتفاقية السلام مع الصهاينة، مجرد أوهام لأن "سيناء لم تعد لمصر" لأن السيادة الموجودة حاليا على سيناء منقوصة ومصدرها الاتفاقية، بحيث إذا أخلت مصر بأيٍ من بنودها يحق لإسرائيل إعادة احتلالها، وفقًا لمذكرة التفاهم الأمريكية الإسرائيلية الموقعة في 25 مارس 1979، والتي تعهدت فيها الولايات المتحدة بالتدخل عسكريًّا، واحتفظت بحقها في دعم إسرائيل فيما تتخذه من تدابير، ومن ثم فقد أصبحت سيناء "رهينة" للقوى الصهيوأمريكية.