“حواديتها تصنع ألف فيلم”.. حرب الاستنزاف ملحمة لم يعطها العسكر حقها التاريخي

- ‎فيتقارير

في 5 يونيو 1967، تمكن العدو الصهيوني من هزيمة الجيش الذي استولت عليه عصابة انقلاب الطاغية جمال عبد الناصر، وتمكن الصهاينة من احتلال سيناء، ومن تدمير الأسلحة والمعدات والطائرات، لكنه لم يتمكن من تدمير إرادة القتال عند المصريين الذين استفاقوا من غيبوبة شعارات وحنجرة الزعيم النكسجي.
حقق المصريون سواء الجنود أو الفدائيون المدنيون نجاحات معتبرة في حرب الاستنزاف، وأظهروا بطولات وصمودا نادرين، أولها بعد الهزيمة بأقل من شهر، في معركة رأس العش، وأقبل الشباب على التطوع بالكليات العسكرية، حتى وصل المعدل السنوي إلى 38 ألف طالب في العامين 1968 و1969.

 

طاغية ومهزوم
لطالما كان لأهل مدن القنال عزيمة خاصة، وقوة تضحية ضخمة فداء لوطنهم، بطولاتهم تعطي العالم دروسا حول المقاومة الشعبية التي نجحت في قهر الأعداء وصد العدوان الصهيوني، 47 عاما مرت على حرب أكتوبر 1973، ومازال هناك حكايات وتفاصيل وأسرار تُحكى عن أبطال، لا يعرفون المستحيل ولا يقهرهم خوف، بدمائهم ساهموا في تسطير نصر أعاد للأمور نصابها والأرض لأصحابها.
في كتاب "كل رجال السويس" الصادر عن دار كنوز للنشر للكاتب محمد أبو ليلة، ورغم أن صدور الكتاب يعود إلى أربع سنوات مضت لكنه يمثل توثيقا متجددا لملاحم البطولة ورموزها في مدينة السويس والذي يتجدد مع كل مناسبة وطنية، وذلك لأن الكتاب يضم بين دفتيه شهادات وحكايات تعرض لأول مرة عن بطولات الفدائيين، إذ يعد الكتاب توثيقا لكل عملية فدائية في مدينة السويس أثناء حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973.
رصد أبو ليلة في كتابه ما حققه "جدعان السويس" من بطولات وإنجازات يقول "هذا الكتاب يكشف الدور الحقيقي الذي قام به أفراد المقاومة الشعبية من المدنيين أبناء مدينة السويس الباسلة، بعد نكسة يونيو عام 1967، من أجل مقاومة الاحتلال وصد العدوان الإسرائيلي وتشجيع أفراد الجيش المصري وقياداته على خوض معارك الاستنزاف الطويلة، التي كان لها كبير الأثر في انتصارات أكتوبر المجيدة، بعدما رأوا أعمالا فدائية يقوم بها مدنيون من أبناء السويس في عمق سيناء".
وعن عملية "وضح النهار" أشار إلى نجاح الفدائيين من منظمة "سيناء العربية" وهم محمود عواد ومصطفى أبو هاشم وإبراهيم سليمان وحلمي شحاتة ومحمود طه وأشرف عبدالدايم وسعيد البشتلي وعبدالمنعم قناوي ومحمد سرحان وأحمد عطيفي وزملاؤهم الذين كانت تُوكل إليهم أخطر الأعمال الفدائية ضد العدو، والذين استطاعوا عام 1969  قتل تسعة إسرائيليين بينهم ضابط، وأسر جندي وتدمير دبابة ومدرعتين ورفع العلم المصري على سيناء.
وتناول الكتاب تفاصيل كاملة لشهادات الأبطال ومنهم الكابتن محمد أحمد غزالي، الذي يلقبه أهل السويس بـبطل البندقية والسمسمية، يقول "بعد 5 يونيو 1967 بدأ التفكير مع مجموعة من الشباب لعمل مقاومة شعبية، وصمموا على ألا يُهزموا، بعد أن شاهدوا بأنفسهم عددا كبيرا من جنود وضباط الجيش عائدين من سيناء شاردين إلى مدينة السويس يوم 8 يونيو، حيث قام شعب السويس بمساعدتهم، وكان دور حركة المقاومة الشعبية حينئذ حراسة المنشآت ومعاونة الجيش في حركاته وبعض عملياته في سيناء".
رحل الطاغية عبد الناصر بعد خراب مصر وضياع سيناء والسودان وغزة، وجاء أنور السادات وتبنى الحل السلمي والتفاوض، وخاض حرب أكتوبر بنفسية من يخشى الانتصار والتحرير الشامل، ويأمل في أن تكون الحرب مجرد تأشيرة لزيارة كيان العدو الصهيوني.

 

خطة أخرى

ألغى السادات خطة التحرير الشامل، وتبنّى خطة تهدف إلى عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف فقط، ثم البدء بالتفاوض، من خلال الوسيط الأمريكي، أو بتعبير كيسنجر "التفاوض بعد تحقيق انتصار غير حقيقي".
لم يكن السادات واثقا من قدرة القوات المصرية على تحقيق ما هو أكثر، وفي ظهيرة 6 أكتوبر 1973، حدثت المعجزة، وعبر الجندي المصري القناة، وحطم خط بارليف المنيع، وانتزع احترام العالم واعترافه بتفوقه وهو ما اعترف به رئيس أركان العصابات الصهيونية ديفيد إليعازر.
تدخل السادات وقرر استخدام الاحتياطي المدرع طمعا في مكاسب أكبر، ورفض نصائح القادة الميدانيين بالعدول عن هذا القرار المتسرع والعشوائي وغير المدروس فأحدث خللا في توازن قوات الجيش وتسبب في حدوث ثغرة الدفرسوار، وتحول الانتصار العظيم إلى هزيمة.
فشلت محاولات السادات العشوائية في القضاء على الثغرة التي تسبب فيها وحده، وبررها فيما بعد بأنها كانت نتيجة الجسر الجوي للإمدادات الأمريكية لإسرائيل، وهو تبرير أكله المصريون في حينها، وانتهت الحرب في أكتوبر 1973، وقد حاصرت إسرائيل الجيش الثالث الميداني ومدينة السويس وفيها 60 ألف مواطن مصري.
خاض السادات مفاوضات فك حصار الجيش الثالث وفض الاشتباك، بالنفسية ذاتها، نفسية المهزوم الخائف من انتصاره المتطلع إلى رضا خصومه وأعلن أن "أكتوبر هي آخر الحروب وأنه لا طاقة لنا بمحاربة أمريكا"، ووافق على شروط إسرائيل كافة، ومن دون تفاوض أو فصال، كما ذكر كسينجر، مندهشا في مذكراته وهي الشروط التي وصفها رئيس هيئة العمليات، الفريق محمد عبد الغني الجمسي بأنها مهينة وبأنها تجعل القوات المسلحة المصرية في وضع أضعف ما كانت عليه قبل الحرب".
وعما بعد الحرب يقول عبدالله السناوي، في جريدة الخليج الإماراتية إن "أغلب الذين قاتلوا في 1973 بعد ست سنوات في الخنادق، أو في معسكرات التدريب أو في مهمات قتالية أثناء حرب الاستنزاف، من خريجي الجامعات المصرية".
ويضيف "المأساوي في قصة هذا الجيل أنه أرجأ طموحاته وحياته إلى ما بعد انتهاء الحرب، غير أنه عندما عاد من ميادين القتال، وجد أن ما قاتل من أجله قد تبدد، وأن عليه دفع ثمن سياسات الانفتاح الاقتصادي التي دشنت عام 1974 من مستقبله الاجتماعي والإنساني، ثم أن يرى بعد سنوات قليلة من انتهاء الحرب سياسات التطبيع مع العدو الذي انتظر طويلا في الخنادق أن يواجهه".
ويتابع السناوي "لم تعد إسرائيل عدونا التاريخي، كان ذلك تنكرا لمعنى التضحيات الهائلة التي بُذلت في ميادين القتال".