لماذا يضفي نظام السيسي طابعا رومانسيا على إرث الفراعنة الاستبدادي؟

- ‎فيتقارير

يمضي نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي على خطى سابقيه من الجنرالات الذي سطوا على حكم مصر بانقلاب 23 يوليو 2013م بتكريس نزعة التباهي والتفاخر بالحضارة المصرية القديمة المعروفة باسم «الفرعونية»، الإعلام والسينما والدراما وحتى مناهج التعليم تكرس هذه النظرة تجاه الفرعونية بوصفها حضارة قل لها نظير في العالم، ومنذ عقود وحتى اليوم تصر الآلة الإعلامية للسلطة العسكرية في مصر على وصف المنتخب المصري لكرة القدم  بمنتخب الفراعنة، باستثناء فترة قصيرة في العقد الأول من الألفية الجديدة عندما أطلق على المنتخب وصف منتخب الساجدين لوجود نخبة من اللاعبين المتدينيين على رأسهم أمير القلوب محمد أبو تريكة.

وخلال السنوات الماضية أبدى نظام الجنرال السيسي أعلى صور التباهي والافتحار بالفرعونية فقد تم افتتاح المتحف المصري القديم في مصر القديمة وجرى نقل بعض الآثار من المتحف المصري بالتحرير إليه في احتفال أسطوري تكلف مئات الملايين، وهو الاحتفال الذي تكرر قبل أسابيع، رغم الأوضاع الاقتصادية المتردية وبلوغ الديون العامة مستويات قياسية وغير مسبوقة وصلت إلى نحو 6 تريليونات جنيه محليا ونحو 135 مليار دولار خارجيا، بالتزامن مع تراجع موارد الدولية وتفشي جائحة كورونا.

 

مشايخ يناقضون القرآن 

كان خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وأحد شايخ السلطة، قد ناقض القرآن الكريم؛ مدعيا خلال تقديمه برنامج "لعلهم يفقهون"، المذاع عبر فضائية "دي إم سي" في 25 يوليو 2019م، أن الفراعنة، "من أنظف مخلوقات الله في الأرض". مستنكرا ما وصفها بنظرة  البعض المستهجنة للفراعنة، قائلًا: "هي الفراعنة كلمة عيب؟ يا أخي عيب عليكم، ده أنتم حتى مقرأتوش القرآن".

وللتدليل على رأيه الشاذ الذي يناقض صريح القرآن، يقول الجندي الذي سبق أن أبدى فخره بأنه أحد مشايخ السلطة، إن "الفراعنة كان فيهم ناس أتقياء، التاريخ الإنساني ماشفش زيهم، عيب لأنهم هيمسكوا في رقبتكم يوم القيامة، دول طلعوا سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم، امرأة فرعون، أنتم مالكوا كده بتستعروا من الفراعنة". وتابع: "دول أنضف مخلوقات الله في الأرض، وأعلى منظومات التوحيد اللي عرفت في تاريخ البشرية، ولازم نتكلم عنهم باحترام أكتر من كده، لأن فيهم أولياء لله صالحين، وبنتشرف إننا بننتمي إليهم".

 

احتفاء يدعم الاستبداد

هذا الاهتمام المبالغ فيه من النظام نحو الفرعونية يستهدفون به التغطية على النزعة الاستبدادية المتطرفة التي مارسها الفراعنة قديما في محاولة للتغطية على الاستبداد القائم والطغيان المفرط الذي يمارسه نظام السيسي بحق الشعب المصري. فالرسالة واضحة؛ أن ما مصر ما نهضت إلا تحت حكم الطغاة والمستبدين من الفراعنة، رغم أن القرآن يؤكد عكس ذلك تماما ويؤكد أن الفرعونية كانت نظاما باطشا جبارا ينشر الظلم والفساد في الأرض.

هذا الموقف المتطرف في الاحتفاء بالفرعونية، رغم مساوئها دفع عالمة المصريات بجامعة كاليفورنيا "كارا كوني" إلى المطالبة بالتوقف عن إضفاء الطابع الرومانسي على إرث الحضارة الفرعونية "الاستبدادي"، حسب وصفها، مشيرة إلى أن "الإعجاب غير النقدي للفراعنة الذي استمر حتى يومنا هذا أساس ثقافي يدعم الاستبداد الحديث".

وتحدثت "كوني" قبل أيام ( نوفمبر 2021) عن أوجه تشابه مباشرة بين حكام ما قبل 3000 عام و"الطغاة المعاصرين" في مصر، مشيرة إلى أن الفراعنة هم أول من أوجد "حجة أخلاقية مقنعة للسلطة التي لا تزال تضلل الناس اليوم"، وفقا لما أورده الموقع الرسمي لجامعة كاليفورنيا.

ولفتت عالمة المصريات إلى أن النظام الفرعوني هو أحد أقدم الأنظمة "الأبوية"، التي تضر النساء والرجال على حد سواء، مشيرة إلى أن ما يفعله النظام المصري الحاكم حاليا هو تكرار للأنماط التاريخية التي أدت مرارًا وتكرارًا إلى انهيار السلطة في البلاد.

وأضافت أن الفراعنة كانوا أبرز من قدم النظام الاستبدادي على أنه جيد ونقي وأخلاقي، مشددة على أهمية تسليط الضوء على هذا الوجه من الحضارة المصرية القديمة؛ باعتبارها حضارة يتم تسويقها إعلاميا حتى اليوم. وأشارت إلى أن مفاهيم استبدادية كثيرة كانت وجها للنظام الفرعوني القديم، ومنها المجتمع الأبوي، والاستغلال، وإكراه النساء، وهي مفاهيم لا تزال باقية وتعاني منها المجتمعات الحديثة.

ونوهت "كوني" إلى أن النظام الأبوي يدمر نفسه ويقود مجتمعه نحو الانهيار في دورات تاريخية متعاقبة منذ آلاف السنين، مضيفة: "علينا أن ننهاض الأبوية لإعادة بناء شيء يحمينا بشكل أفضل من إساءة استخدام السلطة".

 

التلاعب بالهوية المصرية

الاهتمام المبالغ فيه من جانب نظام العسكر في مصر بالفرعونية هو جزء من مخططات التلاعب بالهوية المصرية التي يمثل الإسلام أحد أهم مرتكازتها. ومنذ انقلاب السيسي في يوليو 2013م على المسار الديمقراطي واغتيال أول رئيس مدني منتخب من الشعب في تاريخ مصر في سجون العسكر، يجري في هدوء أوسع انقلاب على تلك الهوية المصبوغة بالعروبة والإسلام؛ من أجل تشكيل أجيال جديدة لا تستمد قيمها من الإسلام ولا تجري في دمائها قيمه ومبادئه، مع الإخلال بهذه التركيبة (الإسلامية ـ العربية ـ المصرية) من أجل دمج الكيان الصهيوني لتتحول العلاقة مع الاحتلال من عدو إلى صديق في إطار تشكيل ما يسمى بالشرق الاوسط الكبير؛ وذلك بعد أن تمكن جنرالات العسكر من تغيير العقيدة القتالية للجيش ليكون العدو هو من يرفض دمج “إسرائيل” في التركيبة الإقليمية برعاية أمريكية خالصة.

وكان «مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي» قد أصدر في 28 يناير 2019م، دراسة أعدها الباحثان عوفر فنتور وأساف شيلوح، بعنوان «هوية مصر في عهد السيسي: السمات المميزة للإنسان المصري الجديد»، تناولت فيها مظاهر ومآلات الحملة الواسعة التي يشنها نظام زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي من أجل إعادة صياغة الهوية الوطنية لمصر؛ من خلال السعي أولا  لتقليص مركّبها الإسلامي والعربي، وثانيا احتواء سماتها الثورية، وثالثا العمل على بناء جيل مصري جديد يكون أكثر استعداداً للاصطفاف حول الأجندة التي يفرضها النظام، إلى جانب أنها ترمي رابعا إلى تحسين صورة النظام في الخارج.

وتقول الدراسة، إن الخطاب الحاكم لجدل الهوية الذي فجره نظام السيسي، يقوم على مبدأين أساسيين:  أولاً؛ الإنسان المصري يمثل النقيض للإسلامي.  ثانياً؛ الهوية المصرية تمثل فسيفساء من 8 مركّبات: الفرعونية، اليونانية، الرومانية، القبطية، الشرق أوسطية، والأفريقية، إلى جانب المركّبين الإسلامي والعربي.

وتلفت الدراسة إلى حقيقة أن النظم الشمولية هي التي عادة ما تنشغل في شنّ حملات، تهدف إلى التأثير على مركّبات الهوية الوطنية أو تسعى إلى بناء توازنات جديدة فيها؛ من أجل إيجاد متطلبات تضمن بقاء نظامه وضمان استمراره واستقراره، من خلال إثارة جدل الهوية أملا في أن يسهم ذلك في صياغة بيئة داخلية وبناء نخبة شبابية، تكون أكثر استعداداً لاستخدام كل الأدوات والوسائل التي تخدم النظام وتعمل على تحقيق أهدافه.

وفي يوليو 2018 كلف زعيم الانقلاب القوات المسلحة بتنبي ما أسماه بمشروع “الهوية المصرية، وذلك لأن عقيدة الجيش المصري تغيرت بالفعل وفقا لتصورات السيسي وأركان نظامه، فبات الإسلاميون والثوار هم “الآخر العدو” وأضحت “إسرائيل” هي الصديق الذي يتعين دمجه والتقرب منه والعمل على ضمان أمنه واستقراره بتوثيق العلاقات والتحالفات العسكرية والاقتصادية والسياسية!