استمرار تعثر السياحة.. بين صراع الأمن الوطني والجيش ودور للسيسي

- ‎فيتقارير

إن العساكر إذا وضعوا أيديهم في شيء أفسدوه، مقولة تؤكدها الأحداث والتطورات اليومية في مصر، وفي جميع القطاعات من صناعة وتجارة واقتصاد وسياسة، ولا أدل على ذلك من الارتفاعات السعرية المتلاحقة التي تضرب أسواق جميع السلع والمنتجات، حتى التي تمثل مصر مصدرها الأساس ورغم تحقيقها الاكتفاء الذاتي منها، كالغاز الطبيعي والأرز وبعض المنتجات الزراعية، والتي مثلها الكثير من المنتجات التي ارتفعت أسعارها بمجرد دخول العساكر على خط إنتاجها أو بيعها.

وهو ما ينطبق حاليا على أوضاع السياحة المصرية التي يضربها التراجع والأزمات العديدة، إثر صراعات الأجهزة الأمنية والعسكرية على كعكتها.

وفي الفترة الأخيرة بدأ رأس الصراع يبرز في الحملة الإعلامية الممنهجة ضد وزير السياحة والآثار بحكومة الانقلاب خالد العناني، والذي ظل لسنوات محميا من مؤسسات الدولة السيادية، إلا أن الاتهامات المثارة من قبل بعض الصحف والمواقع التابعة لجهاز الأمن الوطني، قد عبر عنها إعلاميون وصحفيون رفضوا المشاركة فيها ، عبر تاكيدهم على حساباتهم على شبكات التواصل الاجتماعي، بأنهم رفضوا المشاركة فيها مستغربين إثارتها حاليا.

الحملة الأخيرة جاءت بتدبير وبتعليمات عليا من جهاز سيادي، أرسل تعليماته إلى رؤساء تحرير الصحف القومية بإطلاق أيدي الصحفيين المعنيين بتغطية نشاط وزارة السياحة والآثار في الكتابة عن الانتقادات التي يستطيعون توجيهها إلى الوزير، الذي ظل غير قابل للمساس حتى الأسبوع الماضي.

وقد كشف الحملة المدبرة قيام صحفي يعمل بجريدة التحرير المستقلة، بكتابة تعليق على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" معترفا بأنه تلقى تعليمات بانتقاد وزير السياحة والآثار، لكنه رفض تنفيذها، وذلك في معرض رده على تغريدة تتعجب من الهجوم على وزير الآثار "الناجح"، وتتساءل عن الثمن الذي تم دفعه لتمويل تلك الحملة على العناني.

— ashraf fahem 🇪🇬 (@ashraffahem7) December 11, 2021

إلا أن حملات التشوية تصاعدت، وأدخلت العناني في قوائم المرشحين للمغادرين لمواقعهم الوزارية بحكومة الانقلاب.

وقد حاول بعض المقللين من حجم الصراعات بين الأجهزة الأمنية، إرجاع الحملات التشويهية لغضب السيسي من خالد العناني خلال حفل افتتاح طريق الكباش بالأقصر مؤخرا، حيث ترك عناني السيسي حينما قاطعه الأخير في شرحه للطريق ، متجها نحو فتاة صغيرة من مجموعة الأطفال التي كانت مشاركة بالحفل، وهو ما تكرر ثانية خلال نفس الحفل بابتعاد عناني عن السيسي، في إحدى فقرات الاحتفال ،  ليستمع السيسي لحديث إحدى بنات الأقصر المرحبة بالسيسي لاهتمامه بالآثار، وفق أحد المصادر المقربة لوزير السياحة، في تصريحات إعلامية لوسئل إعلام عربية، مؤكدا أن الموقفين مبرمجين وضمن بنود الاحتفالية التي اطلعت عليها الرئاسة والأجهزة السيادية قبل الاحتفال.

 

أصل الصراع: الأمن الوطني والجيش

العناني ظل 5 سنوات غير مسموح لأي إعلامي بالاقتراب منه سوى بالإشادة والمدح. ووفق مصادر بالوزارة نقل موقع "عربي بوست" أن السبب يكمن في عبارة "ابحث عن الجيش".

إذ أن سوء حظ خالد العناني أوقعه بين مطرقة الجيش وسندان شركات السياحة الكبرى التي يملك أصحابها علاقات متميزة مع الأمن الوطني، الذي ينزعج قادته بدورهم من النفوذ المتزايد للجيش في كل مجالات الحياة المدنية.

فالوزير الذي لا يملك خبرة سياسية لم يستطع المواءمة بين الاستجابة لطلبات الجيش وتطلعاته الاستثمارية في مجال السياحة، وفي نفس الوقت القدرة على إسكات شركات السياحة، أو على الأقل إيجاد طريقة لتمكين كل الأطراف من الحصول على قطعة من "كعكة السياحة".

و ما زاد الحنق على وزير السياحة والآثار بحكومة الانقلاب مغادرته الأقصر عقب افتتاح طريق الكباش مباشرة، متجاهلا وعوده بالجلوس مع أصحاب البواخر والبازارات لبحث كيفية تعويضهم عن الخسائر التي تكبدوها في السنوات الماضية، لكن هؤلاء لم يعرفوا أن الوزير أخلف وعوده بموجب تعليمات جاءته من جهات سيادية تابعة للجيش بعدم الجلوس مع هؤلاء المتضررين، وإرجاء الجلسة المفترضة لفترة حتى تأتي تعليمات جديدة.

وكان العناني  شارك في السابع من ديسمبر الحالي في افتتاح فندقين تابعين للقوات المسلحة  أحدهما في الأقصر، تم بناؤه في منطقة بين معبدي الأقصر والكرنك ويحظى بإطلالة مباشرة على معبد حتشبسوت، وهي منطقة لا يمكن السماح لمدنيين بالبناء فيها، وهو ما يدل بشكل واضح على نوايا الجيش اقتحام مجال العمل السياحي في الفترة المقبلة، خصوصا في المدن والمناطق الأثرية، في وقت تزداد فيه شكاوى شركات السياحة العاملة في الأقصر من مشاكل متنوعة منها إغلاق البازارات السياحية في المناطق الأثرية من المدينة، بسبب تجديد طريق الكباش، وكذلك تعطل أغلب البواخر السياحية (بعضها مملوك لأشخاص مرتبطين بالأمن الوطني) عن العمل منذ سنوات نتيجة تراجع السياحة القادمة لمصر منذ 2013.

وعن الجهة التي تقف وراء الحملة الإعلامية ضد العناني طالما أن الجيش راضٍ عنه، قالت المصدر "إذا أردت أن تعرف الجهاز السيادي الذي يقف خلف أي حملة إعلامية يمكنك ببساطة تأمل من يقودون تلك الحملة، فمثلا تجد أن أغلب من يقودون الحملة ضد العناني من المحسوبين على الأمن الوطني، بينما كان قادة الحملة ضد وزير الدولة للإعلام أسامة هيكل من المحسوبين على المخابرات العامة، وهكذا".

 

السيسي ودوره

ووفق تقديرات إستراتيجية لغرفة السياحة بالاتحاد المصري للغرف التجارية، فإن مشكلة العناني بدأت قبل عامين تقريبا، بعد أن أصدر السيسي أكثر من قرار يطلق يد القوات المسلحة في الحصول على الأراضي التي تريدها في مناطق سياحية مهمة، وهو ما أثار مخاوف شركات السياحة خصوصا الكبرى منها على مستقبل عملها في هذا المجال، في ظل عدم التكافؤ بينها وبين الشركات التابعة للجيش التي لا تخضع للضرائب والتعقيدات الحكومية والبيروقراطية التي تعرقل عمل الشركات المدنية وتؤثر على أرباحها.

وكان السيسي قد أصدر في 5 أغسطس من عام 2019 القرار (رقم 380) الذي قضى بتخصيص 47 جزيرة من الأراضي المملوكة للدولة المصرية لصالح القوات المسلحة ، كأراضٍ إستراتيجية ذات أهمية عسكرية، رغم أن هذه الجزر التي يقع أغلبها في البحر الأحمر هي جزر سياحية في الأساس، وتستخدم في الغطس أو إقامة رحلات السفاري، وكانت ملكيتها قبل صدور قرار السيسي مقسمة بين وزارتَي البيئة والسياحة.

وفي نفس الشهر أصدر السيسي قرارا آخر يحمل رقم (378) بتخصيص عشرات الآلاف من الأفدنة في مناطق سياحية للقوات المسلحة بعدما كانت ملكيتها تعود إلى الوزارات المدنية، منها قطعة أرض سياحية في جنوب مدينة الزعفرانة، وهي مدينة سياحية تطل على البحر الأحمر، بمساحة 16 ألف فدان، ومنطقة أخرى أيضا مساحتها 14 ألف فدان في خليج جمشة أيضا، كل ذلك تم سحبه من الوزارات والهيئات المدنية وتخصيصه لصالح الجيش.

وفي يوليو من ذلك العام، منح السيسي القوات المسلحة سلطة تحديد أي من الأراضي التي ترى أنها تحتاج لضمها من المدنيين لصالحها، إضافة إلى تخصيص أرض الميناء وما يحيط بها من مناطق سكنية كلها لصالحها.

وهكذا تسير السياحة بمصر نحو تراجع كبير، وانهيار في أرقامها المتراجعة بالأساس، من أجل  إرضاء عساكر السيسي.