مشهدان لافتان حدثا في توقيت متزامن، الأول لوزير النقل بحكومة الانقلاب كامل الوزير الذي صرح يوم السبت 25 ديسمبر 2021 بأنه تعمد عدم السماح لأحد مهندسي الوزارة بالانتقال إلى وظيفة أخرى تزيد بخمسة أضعاف (60 ألفا) ما يتقاضاه في الوزارة (12 ألفا) رغم إقراره بأن المهندس محل النقاش يستحق مرتبا أعلى مما يتقاضى بالوزارة، مبررا قراره بأن الوزارة تحتاج إلى خبرة المهندس وإسهاماته!
اللافت في الأمر أن كامل الوزير اعترف بأنه اتصل بمدير الشركة التي عرضت على المهندس وظيفة لديها وطالبه بعدم تعيين المهندس في شركته وهدده بعدم إسناد أي مشروعات لشركته في مشروعات الوزارة أو حتى منحها أي عقود من الباطن؛ فرضخ صاحب الشركة على الفور وسحب عرضه للمهندس المسكين. الغريب أن الوزير أضاف «كِده بالدراع، أي بالقوة". وتابع: "اللي عايز يمشي يقدّم استقالته"، وذلك رغم اعترافه بأن المهندس يستحق أكثر من راتبه بكثير!!
تصريحات الوزير تثير الغثيات خصوصا في أعقاب خفض تكلفة أحد المشروعات من 9 مليارات جنيه إلى 7.5 فقط بعدما وبخه السيسي؛ الأمر الذي يعني أن عمليات النهب والسرقة بالمليارات في كل مشروع على حدة! فلماذا تبخل الدولة الفاسدة على مهندس ناجح برفع مرتبه؟! ألا يفتحون بذلك أبواب الحرام أمام مثل هذا المهندس الكفء باعتراف الوزير نفسه؟! لماذا لا يترك حيتان الفساد شيئا من الفتات للمساكين من علماء ومهندس مصر العباقرة؟
المشهد الثاني، جرى في نفس اليوم السبت 25 ديسمبر، لموظف شاب بشركة متعددة الجنسيات تدعى (تيلي بيرفورمانس Teleperformance) وهي شركة دولية تقدم خدمات خدمة العملاء (كول سنتر) لعدد من الشركات العالمية، وتشتهر في مصر بأنها تمنح رواتب أعلى من نظيراتها لكن بفرض بيئة عامة شديدة القسوة، حسب وصف عدد من العاملين الحاليين والسابقين. حيث أقدم المسكين على الانتحار؛ بسبب ضغوط العمل وتربص مديره المباشر به. أرادت الشركة طمس معالم الجريمة والسكوت عليها، لكن إحدى الموظفات فضحت الأمر وأعلنت على الملأ حقيقة ما جرى. وكشفت الموظفة بالشركة، وتدعى روشان البغدادي، في مقابلة مع صحيفة "الوطن" المصرية، إن "الواقعة حدثت ولم يذكر المسؤولون في الشركة أي شيء عن الواقعة، ما جعلها تخرج لتتحدث عنها على وسائل الإعلام قبل أن يضيع حق الموظف المنتحر". وأشارت في مداخلة هاتفية لها على قناة "إم بي سي مصر"، إلى أنها وصلت فور انتحار زميلها ويدعى نور الدين، مضيفة أنه "أقدم على الانتحار بسبب معاملة مديره السيئة وتوبيخه المستمر له وخصم عدة أيام من راتبه وتهديده بالفصل، في وقت كان الضحية يمر فيه بضائقة مالية وينتظر المكافأة السنوية ليسدد ديونه".
المشهدان يثيران كثيرا من الأسئلة، لماذا كل هذا العنف وتلك القسوة؟ لماذا بات كثير من المصريين يفضلون الانتحار على حياة كيئبة في مجتمع ينتحر برعاية حكامه من الجنرالات واللواءات؟
وضع بلادنا يُبكي، المجتمع ينتحر بعدما ضج بكل أشكال وأصناف الجرائم من قتل وسرقة ونهب وخطف وتهريب لأعز ثروات بلادنا "الآثار" إضافة إلى تدمير بلادنا بشتى أنواع المخدرات، أي ضابط صغير أو حتى أمين شرطة يعلم أن حجم انتشار المخدرات في بلادنا مرعب وصل إلى كل شارع وحارة، فأين وزارة الداخلية من هذه الجريمة المنظمة التي تدمر بلادنا بالبطيء؟ المؤلم في الأمر أن هذه الجرائم من تهريب ومخدرات وعنف تجري تحت رعاية ما تسمى بأجهزة الدولة التي تحولت إلى مافياوات لا هم لها سوى بسط النفوذ وتحقيق أكبر قدر من المكاسب حتى لو على حساب الوطن والمواطن؛ فهم الباشاوات الكبار والجنرالات الحيتان يزدادون كل يوم ثراء وغنى بينما تزداد مصر بهم فقرا وجهلا وتخلفا!
المتهمون بتدمير مصر
المتهم الأول في تدمير المجتمع هو النظام نفسه، النظام الذي سطا على حكم البلاد بالعنف والإرهاب والانقلاب العسكري الدموي، قد شاهد المصريون كلهم جرائم أجهزة الدولة وهي توجه سلاحها نحو أنصار الرئيس المنتخب ديمقراطيا وهم يدافعون عن خيارهم الديمقراطي أمام جنازير الدبابات وزخات الرصاص التي لم تتوقف وقنابل الغاز، رأي الجميع مذبحة رابعة والنهضة رأي العين، رأو القنص المباشر، والضرب في المليات لمصريين مسالمين اعتصموا مدافعين عن خياهم الديمقراطي. فسحفتهم دبابات الجيش ومدفعية الشرطة وقصفهم إعلام العسكر بكل نقيصة رغم أنهم كانوا الأكثر نبلا وشرفا من الجميع.
بانقلابه العسكري ومذابحه الوحشية، كرَّس السيسي العنف طريقا ومنهجا لانتزاع ما يريد، وهو المنهج الذي لا يزال يطبقه حتى اليوم، والناس على دين ملوكهم، فبات العنف والقسوة والإرهاب هي العناوين التي تعكس حالة المصريين كل يوم، مجتمع يتفكك، ينتحر، وحكامه يفتخرون بالإنجازات الهائلة التي لم تحدث من قبل ولا من بعد!!
المتهم الثاني هو الفقر، الذي كرسه السيسي بسياساته النيوليبرالية المتوحشة، فاليوم يقبع نحو 60% من المصريين في الفقر بحسب تقديرات البنك الدولي، كما أن الأوضاع الاجتماعية والتعليمية لا تقل سوءا عن الاقتصادية؛ فالتعليم فرغ من محتواه ومناهج الدراسة تعمل على تهميش الشخصية وإبعادها عن القيم والتقاليد العربية بل والمعتقدات والثوابت الإسلامية، وهكذا أصبح المجتمع المصري يعيش فى مستنقع من الفوضى وتحولت البيوت إلى ساحات عنف وإراقة دماء، تعددت أشكالها ما بين قتل أحد الزوجين للآخر، أو أحد الأبناء أو جميعهم، أو أحد الوالدين. الإحصائيات تشير إلى ارتفاع مخيف فى نسبة الجرائم فى النطاق العائلي، فوفقا لآخر تصنيف لقاعدة البيانات العالمية «نامبيو»، الخاص بتصنيف الدول حسب معدلات الجريمة، جاءت مصر فى المرتبة الثالثة عربيا، والـ24 عالميًا.
المتهم الثالث هي الأعمال الدرامية التي تبث العنف بوصفه الحل الوحيد والسلوك الأكثر شيوعا بين الناس، ورغم حقيقة ذلك بدعوى الواقعية الدرامية، إلا أن دور السينما والدرامي بالغ السلبية في نشر ثقافة العنف والبلطجة في المجتمع. فالأعمال الدرامية أو السينمائية التي يتم تقديمها تشجع على أعمال العنف وتساهم فى انتشاره، وهناك دراسة تشير إلى أن أكثر من 95% من الأعمال الدرامية التي تقدم على الفضائيات فيها شكل من أشكال الجريمة والعنف والبلطجة والتعديات على قيم المجتمع أو انتهاك قيمه، والرغبة في الثراء السريع.
كل تلك الأمور تُشكل في وعي المواطن «اللامبالاة» وتجعله يرى مشاهد القتل والعنف أو البلطجة «أمور عادية جدًا» والأخطر هو الجيل الجديد من المواد المخدرة مثل: «الأستروكس، الشبو، الفودو»، التي ابتلي بها المجتمع المصري في الفترة الأخيرة. وبحسب دراسة بجامعة عين شمس تبين أنه مع حلول 2030 سيكون هناك 4 من كل 5 أفراد متعاطين مواد مخدرة، فالمواد المخدرة هي السبب الرئيس في التفكك الأسري فضلًا عن أنها تُحدث حالة من التبلد في المشاعر العاطفية، بأن يرتكب الشخص الجريمة بدم بارد، كما أنها تزيد من حالة السيكوباتية المجتمعية التي تجعل المجتمع أكثر عنفًا.
المتهم الرابع هي التكنولوجيا الحديثة التي باتت تعد مشكلة كبرى؛ لأن المجتمع لم يضع معايير أخلاقية لوسائل التواصل الاجتماعي، وهو الأمر الذي تنتج عنه مشاكل خطيرة، فتجد على «التيك تك» من يقدم محتوى هزلي به ابتذال ليحصل على «لايكات وشهرة» غير المهرجانات فهذه الأشياء جعلت المعايير المجتمعية للقيم والأخلاق تتناقص. وتتابع الضربات لتدمير البناء الأخلاقي والقيم الدينية والثقافية والرقي الاجتماعي يحدث له تآكل وانهيار وتصدع فينتج عنه الكثير من الجرائم التي تدمر المجتمع وسط ذهول الجميع وعجزهم عن إنقاذ أنفسهم وبلادهم.