نشرت مجلة فورين بوليسي الأمريكية تقريرا، سلطت خلاله الضوء على الأسباب التي دفعت الرئيس الأمريكي جو بايدن للتخلي عن الحركة الديمقراطية السودانية.

وأضاف التقرير، أنه منذ الانقلاب العسكري في السودان في أواخر أكتوبر، خرج ملايين السودانيين إلى الشوارع لإحياء حركة الاحتجاج في 2018 التي أنهت حكم الرئيس عمر البشير، الذي حكم البلاد لفترة طويلة، لكن لم يُبطل نظامه العسكري الإسلامي بشكل ملحوظ، وقد قُتل أكثر من 60 شخصا خلال الاحتجاجات.

وهذا الأسبوع، استقال عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء المدني الذي كان يخدم برغبة النظام العسكري، بسبب عجزه عن إيجاد قضية مشتركة بين القادة المدنيين والعسكريين ، وأصبح مستقبل السودان معلقا مرة أخرى في الميزان، أما واشنطن التي كانت بطيئة في دعم الحركة الديمقراطية بشكل ملموس، ولم تقدم سوى ردود فاترة على الاحتجاجات، فقد تركت في البرية بسبب التطورات الأخيرة.

وفي إطار جهودهم المتجددة لتفكيك الدولة القمعية التي خلفها البشير، تعرض المحتجون للضرب والاغتصاب والاحتجاز غير القانوني واستخدموا الغاز المسيل للدموع، وتشير الأدلة الأخيرة إلى أن القوات العسكرية وشبه العسكرية، استخدمت حتى الأسلحة المضادة للطائرات ضد حشود من المحتجين العزل، مما دفع البعض إلى السير الآن بلا قمصان،  وقد رُسمت أعين ثيران على صدورهم ، كما لو كانت قوات الأمن تجرؤ على القيام بما تعلم القيام به وهو القتل.

إنها الحركة الديمقراطية الأكثر توترا والأمل في القارة الأفريقية اليوم وربما في العالم أجمع، وأحد مطالب الحركة الديمقراطية الرئيسية، هو أن تقوم إدارة بايدن بحجز مئات الملايين من الدولارات في صورة مساعدة أمريكية عن المجلس العسكري الحاكم، لإضافة الضغط على الجيش، حتى لو كان ذلك على حساب المتظاهرين أنفسهم.

للأسف، فإن عزيمة وتضحيات حركة الديمقراطية المناضلة في السودان لم تحظ باهتمام كبير في قمة الديمقراطية التي عقدها الرئيس الأمريكي جو بايدن الشهر الماضي.

ويشكل هذا الإغفال رمزا للفجوة المتزايدة بين الالتزام الخطابي المتزايد من أمثال بايدن، ووزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن، ومديرة برنامج التنمية الدولية في وكالة الولايات المتحدة، سامانثا باور، التي تشتت شهريا حول دعم وتعزيز الديمقراطية والتي دعت إلى عام من العمل لدعم الحركات الديمقراطية، والضباط الأميركيين العاملين في مجال الخدمة الخارجية، و كثيرا ما يرجعهم هؤلاء المسؤولون الكبار في العمل اليومي للسياسة الخارجية، وقد تبنى هؤلاء المسؤولون صراحة نهج الانتظار والترقب لتحديد ما إذا كانت عملية عقد الصفقات داخل السودان قد تسفر عن نتيجة أكثر ديمقراطية.

ومن المؤكد أن واشنطن لم تواصل تلفيق الشرعية بل والإشادة بالقادة العسكريين في السودان في الوقت الذي يعززون فيه قبضتهم على السلطة.

ويأتي هذا الدعم على الرغم من تعليق الجيش للميثاق الدستوري السوداني، وإلقاء القبض على مئات المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية، وتجميع المؤسسات الحكومية بالموالين العسكريين والمطلعين من نظام البشير، وإحيائها لعناصر نائمة من الدولة الأمنية في عهد البشير.

وبعد الانقلاب، سارع بلينكين إلى تأييد التحالف السياسي غير المتزن والبائد الآن بين القائد العسكري للبلاد، الجنرال عبد الفتاح البرهان، وحمدوك، رئيس الوزراء السابق الذي تمت إقالته واعتقاله في الانقلاب قبل إعادته إلى منصبه إثر ضغوط دولية، حتى استقالته هذا الأسبوع.

جاء دعم الولايات المتحدة لأحدث اتفاق عسكري مدني حتى قبل أن يتمكن أنصار الديمقراطية المحاصرين في السودان من تقييم الاتفاق والإعراب عن اعتراضاتهم، الأمر الذي حرم الوكالة والملكية من الدوافع الحقيقية للتغيير السياسي في السودان، لقد اختارت إدارة بايدن والتي تواطأت مع احتمال وقوع العنف في أوساط الجيش، طريق التهدئة بدلا من تنظيم القوة المكبوتة للجماعات الموالية للديمقراطية في البلاد، فهل ستغير واشنطن قرارها الآن بعد رحيل حمدوك، فضلا عن أي إدعاء بأن الانتقال إلى الحكم المدني لا يزال قائما؟

في الوقت الذي يناقش فيه المسؤولون الأمريكيون ما إذا كان عليهم إعادة إطلاق خطة المساعدات المجمدة ومواصلة عملية تخفيف الديون المتوقفة، فإنهم يواصلون التقليل من شأن الديمقراطيين في السودان، ادعت إدارة بايدن أنها سوف تستمر في إظهار التضامن، ولكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن مطالب الحركة الديمقراطية بعدم التفاوض، وعدم الشراكة، وعدم شرعية المؤسسة العسكرية، هي مطالب “غير واقعية”.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن السؤال الآن لا يدور حول كيفية دعم الديمقراطية في السودان بدلا من ذلك، ماهي كيفية التراجع عن دعم واشنطن الضمني للجنرالات السودانيين وجهودهم الرامية إلى رواية تزعم أنهم يتشاركون في أجندة التحول التي يطالب بها الشارع؟ إن تضييق الهوة بين الخطاب الأميركي والواقع في سياساته سيتطلب جهودا صريحة لدعم المستضعفين وتقييد الأقوياء على حد سواء.

علاوة على ذلك، يبدو أن إدارة بايدن تواصل ممارسة إدارة ترامب المتمثلة في الاستعانة فعليا بمصادر خارجية لحلفاء واشنطن في الخليج، أما البيان المشترك الصادر في 16 ديسمبر 2021 حول السودان من قبل الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وبريطانيا، فهو نص آخر فضفاض، حيث امتدح النظام العسكري على جهوده، حتى دون المناشدة الأكثر غموضا لإطلاق سراح المعتقلين بصورة غير قانونية أو إلغاء حالة الطوارئ. يكمن الأساس في تعبير البيان عن المصالح المشتركة في السودان في مقاربة سياسية خارجية أمريكية ذات توجه أمني متزايد، تتماشى مع مقاربتي الرياض وأبو ظبي، حيث ينظر إلى الأنظمة السلالية والزعماء العسكريين على أنهم الضامنين للاستقرار.

ثمة أوجه تشابه أخرى مقلقة بين مقاربات أبو ظبي والرياض وواشنطن تجاه السودان، مثل الفهم البربري للحركة الديمقراطية، والأقسام الحكومية المتعارضة بشأن كيفية التعامل مع السودان، والتركيز على قضايا أوسع على حساب السودانيين، والأمر ببساطة أن أيا من هذه البلدان لا يتبنى سياسة خاصة تهتم بالسودان حقا.

وعلى الرغم من موقفها، لا يزال أمام الولايات المتحدة دور حاسم لتلعبه في المساعدة على صياغة نتيجة أكثر ديمقراطية في السودان، و لكن يجب عليها أن تعطي الأولوية الآن لنهج قائم على القيم بشكل أكبر ، و ذلك تماشيا مع النية المعلنة لقمة بايدن للديمقراطية ، إذا كانت تأمل في كسر الجمود السياسي في السودان و وضع نفسها في الجانب الصحيح من الحركة الديمقراطية.

أولا، يجب على واشنطن ألا تقوّض جهود الجماعات المؤيدة للديمقراطية من خلال الاستمرار في دعم الاتفاقات غير المرضية موضوعيا بين الجيش وأي قائد مدني، إن وجد، ينصب بعد حمدوك، فمجرد وجود إتفاق لا يعني أنه يمكن أن يحقق تغييرا تحويليا، كما أن مثل هذا الاتفاق ليس مفيدا حتى في الأجل القصير، دامت واحدة مع حمودك بضعة أسابيع فقط.

ثانيا، يجب على الولايات المتحدة أن تعترف بأن دعم الجماعات المؤيدة للديمقراطية قد يتطلب الحد الأدنى فقط من المشاركة ولا يتطلب أموالا أكثر مما تم الالتزام به بالفعل. فقد قادت لجان المقاومة الثورة السودانية في عام 2018 دون الحصول على الكثير من الدعم السياسي أو المالي من المجتمع الدولي. فالمكان الذي تستطيع فيه الولايات المتحدة وغيرها من القوى الخارجية أن تحدث الأثر الأكبر هو من خلال كسب الوقت اللازم لحركة الديمقراطية لبناء تحالف شعبي تحركه الإجماع، وخاصة في غياب الإجماع المناصر للديمقراطية بين الأحزاب السياسية، وسيتطلب ذلك من الولايات المتحدة أن تكف عن تأجيل سياسة السودان لحلفائها الإقليميين.

ثالثا، يجب على واشنطن الانخراط مع الحركات الديمقراطية بشكل مباشر ووفقا لشروطها، منذ الانقلاب في السودان، أظهرت جماعات المقاومة أنها قادرة على تكييف نهجها وفقا للاحتياجات السياسية المتغيرة، وقد تكيفوا بمهارة مع الدور المتناقص للأحزاب السياسية، وعينوا لأول مرة متحدثين لتسهيل المشاركة وإبلاغ مطالبهم ونواياهم، وعلى الرغم من أن هذه الجماعات هي محركات التغيير الديمقراطي، إلا أنها مهملة إلى حد كبير في المشاركة السياسية والاستراتيجية الدبلوماسية لواشنطن.

ومن بين المخاوف الرئيسية بين المراقبين الدوليين افتقار هذه المجموعات إلى خطة تقدمية للتغيير الديمقراطي، وتقول لجان المقاومة إنها “تعمل على وضع خريطة طريق سياسية، الأمر الذي يزداد أهمية الآن بعد أن أصبحت البلاد بلا رئيس وزراء مدني، وتشير كل المؤشرات إلى أن المؤسسة العسكرية قد تتحرك قريبا من جانب واحد لتثبيت خيارها المفضل في المنصب، لذلك ينبغي أن تقود الولايات المتحدة إلى دعم خريطة طريق مدنية إلى أقصى حد ممكن”.

رابعا، وبعيدا عن المشاركة الدبلوماسية، يشكل الدعم المالي الأميركي مصدرا رئيسيا آخر للنفوذ على التطورات في السودان، يجب على واشنطن أن تجد سبلا لتمويل الديمقراطية والحكم، يجري تجميده الآن، بغية توجيهه من خلال الجماعات المؤيدة للديمقراطية وغيرها من الهياكل المدنية التي لن تضفي الشرعية على الانقلاب، وينبغي لهذا التمويل أن يصر على خلق الحيز اللازم لتيسير إدراج الأصوات المحلية المؤيدة للديمقراطية، وفي ظل السياسات والهياكل الوطنية المعروفة بالمعاملات، فإن الدعم لابد أن يذهب إلى هياكل وعمليات الحكم المحلي، بما في ذلك المجالس المحلية، وبرلمانات الولايات، والآليات المملوكة محليا للمساءلة والعدالة الانتقالية.

وأخيرا، فإن النظام الإيكولوجي الذي يمكن أن تزدهر فيه الجماعات المؤيدة للديمقراطية يحتاج أيضا إلى الدعم، وفي غياب التصويت وغير ذلك من السبل لحشد الرأي العام تصبح الاحتجاجات الجماهيرية الوسيلة الوحيدة لقياس المزاج العام، كما ينبغي دعم مشاركة وسائط الإعلام وغيرها من أشكال التوعية العامة التي من شأنها أن تشوه عمل الجماعات المناصرة للديمقراطية وتيسر بناء توافق الآراء، ولا سيما قبل الانتخابات.

ومع الثورة غير المكتملة والتحول الديمقراطي الذي يناضل من أجل إيجاد حياة جديدة، فإن مقاربة واشنطن القائمة على التريث والترقب لدعم الديمقراطية في السودان هي عكس العملية الدينامية التي وعد بها فريق بايدن الشهر الماضي، إن قمة الديمقراطية شيء واحد؛ أما الإستراتيجية الفعلية لدعم الديمقراطية فهي أمر مختلف تمام الاختلاف.

ولكن مما يدعو إلى التفاؤل أن السودان يشهد عملية شعبية عالية التعبئة وجاهزة لمثل ذلك النوع من الدعم الذي أبدته الولايات المتحدة في التعامل مع الديمقراطية، ولكن هذا الدعم لم ينجح، لقد حان الوقت الآن لكي تطابق واشنطن خطابها مع الواقع.

 

Why Won’t Biden Support Sudan’s Democracy Movement?

Facebook Comments