في الوقت الذي يتجه فيه الديكتاتور عبدالفتاح السيسي نحو إلغاء الدعم بشكل تدريجي بدعوى تخفيض العجز في الموازنة، فإنه لا يكف عن إهدار مئات المليارات على ملذاته وقصوره الفارهة وطائراته الرئاسية الفخمة؛ السيسي الذي بدا منزعجا من سياسات الدعم  ويطالب الفقراء بالتخلي عنها من أجل تقدم بلادهم هو نفسه الذي اشترى ــ قبل شهورــ طائرة رئاسية عملاقة فخمة من طراز "بوينج بي747-8"، وهي من فئة الطائرات النفاثة "الجامبو"، التي تكلف حوالي 418 مليون دولار لتحل محل طائرة الرئاسة الحالية. وهذه خامس طائرة رئاسية يشتريها "السيسي" منذ توليه منصبه في أعقاب انقلاب 30 يونيو 2013م. وكان قد اشترى سابقا 4 طائرات فاخرة في عام 2016 من طراز "فالكون 7 إكس"، التي تنتجها شركة "داسو" الفرنسية، في صفقة بلغت قيمتها 300 مليون يورو. ومنذ سنة 2014، شيد "السيسي" ما لا يقل عن 3 قصور رئاسية جديدة، وأكثر من 10 فيلات رئاسية لتضاف إلى 30 قصرا تاريخيا واستراحات رئاسية تمتلكها مصر بالفعل. ويغطي المجمع الرئاسي الضخم الذي بناه "السيسي" في العاصمة الإدارية الجديدة حوالي 2.5 مليون متر مربع. وتعادل هذه المساحة بالكامل حوالي 607 أفدنة من الأراضي الزراعية. أما القصر الرئاسي به فتقدر مساحته بنحو 50 ألف متر مربع، أي عشرة أضعاف مساحة البيت الأبيض البالغة 5 آلاف متر مربع فقط. ويقوم "السيسي" ببناء قصر فخم آخر، على طراز البيت الأبيض، على شاطئ البحر في مدينة العلمين الجديدة، والذي قرر جعله منتجعا صيفيا للحكومة للاستمتاع بهواء البحر الأبيض المتوسط ​​البارد، بعيدا عن جو القاهرة الحار. كما بنى "السيسي" في بداية عهده قصرا ثالثا في منطقة الهايكستب العسكرية بالقاهرة. وهو قصر فخم يحتوي على مهبط للطائرات وحدائق خضراء ومباني إدارية. وبجانبه 4 فيلات فاخرة تحتوي على حمامات سباحة خاصة قيل إنها مخصصة لكبار مساعدي "السيسي" العسكريين.

عندما نضع هذه الحقائق مع إصرار هذا النظام الدموي الوحشي، على تقليص مخصصات الدعم التي يتمتع بها نحو 60 مليون مواطن مصري جلهم من الفقراء والطبقة الوسطى المسحوقة بفعل سياسات النظام الرأسمالية المتوحشة، فإننا أمام حرب يشنها السيسي ونظامه على المصريين.

البرهان على ذلك أن أسعار السلع على بطاقات التموين التي أعلنتها وزارة التموين شهدت ارتفاعا تخطى نحو 30% قياسا على أسعار ذات السلع في يناير 2021م، وهي الأسعار التي بدأ العمل بها اعتبارا من يناير 2022م، الأمر الذي أثار استياء واسعا بين المواطنين لأن قرار حكومة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي برفع أسعار سلع الدعم لم يشهد بالمقابل رفع قيمة الدعم المخصصة للمواطنين.

وطبقًا لبيانات وزارة التموين بحكومة الانقلاب، فإن قيمة الدعم المقدم لبطاقة التموين التى تضم 4 أفراد نحو 200 جنيه وبحسب توزيع السلع الأساسية عليها، تشمل المقررات التموينية، كيلوجرامين أرز، و4 زجاجات زيت (كيلو واحد)، و8 كيلوجرامات سكر، وهو ما قيمته 200 جنيه طبقاً للأسعار الجديدة، في حين أن قيمة هذه السلع وفقاً لأسعار مطلع 2021 كانت تصل إلى 152 جنيهاً بزيادة تقدر بنسبة 31.5%. ولمزيد من التوضيح، فقد ارتفعت أسعار السكر من 8.5 جنيهات في 2021 إلى 10.5 للكيلو في يناير 2022م، وارتفعت زجاجة الزيت (كيلو جرام واحد) من 17 جنيها إلى 25 جنيها، وعبوة السمن النباتي (800 جرام) من 17.25 جنيها إلى 24، والدقيق من 6.5 جنيها إلى 7.5، والمكرونة (500 جرام) من 3.65 جنيهات إلى 4.5، فيما ثبت سعر الشاي (400 جرام) عند 3 جنيهات، وتراجع سعر الفول (500 جرام) من 9.9 جنيهات إلى 7.5جنيهات.

يتزامن مع تقليص مخصصات الدعم توجهات النظام نحو رفع  الدعم تدريجيا عن منظومة الخبز بداية من يوليو المقبل 2022م عن طريق تحويل الدعم العيني الذي يحصل بموجبه المواطن على 5 أرغفة خبز يومياً، بقيمة 5 قروش للرغيف على بطاقات التموين إلى دعم نقدي مشروط للمستحقين فقط، بحجة أن سعر الرغيف الفعلي يبلغ 65 قرشاً. ورفع السيسي أسعار الخبز المدعوم مرتبين خلال سنوات ما بعد انقلاب 3 يوليو 2013م، المرة الأولى كانت سنة 2017م؛ حيث خفض وزن رغيف الخبز من 130 جراما إلى 110 جرامات، وفي 2020م، تم تخفيض وزن الخبز المدعوم مجددا إلى 90 جراما فقط؛ الأمر الذي يعني أن السيسي رفع سعر الخبز فعليا بنسبة تصل إلى 35%.

وقال وزير التموين علي مصيلحي في تصريحات إعلامية أن هناك مسارين: الأول هو التحول إلى الدعم النقدي المشروط مع تحرير أسعار القمح والدقيق. الثاني رفع سعر رغيف الخبز تدريجاً مع تحديد الفئات الأكثر احتياجاً"، لافتاً إلى أن "الأمور سوف تتضح بصورة أفضل في مارس المقبل 2022، بالتزامن مع وضع الميزانية الجديدة للدولة للعام 2022-2023". في هذا السياق كشف الوزير أنه جرى تشكيل لجنة عليا لدراسة الدعم تضم في عضويتها جميع الجهات المعنية، برئاسة رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، بغرض تقسيم المجتمع إلى فئات بعد استكمال بيانات المواطنين. وهو ما يعني أن الوزارة شرعت بالفعل في تنفيذ توجيهات السيسي عندما صرح قبل أسابيع أنه لن يسمح بإصدار بطاقات  تموين جديدة للمتزوجين حديثا. وأن البطاقات القديمة يتم الاكتفاء باثنين فقط؛ وهو ما أثار لغطا كبيرا حول هذه التصريحات وهل يقصد ألا تزيد أي بطاقة عن فردين فقط؟ أم يقصد ألا يتم السماح بأكثر من فردين على الزوجة والزوجة؟

هذه القرارات بتقليص الدعم تتسق تماما مع توجهات السيسي منذ اليوم الأول لانقلابه المشئوم في يوليو 2013م؛ حيث رفع أسعار الوقود 8 مرات بنسبة تصل إلى نحو 700% حتى باتت أسعار الوقود في مصر مساوية للسعر العالمي في واشنطن ولندن وباريس وبرلين مع الفارق الكبير في مستويات الدخل والمعيشة بين مصر وهذه الدول. وألغى دعم المياه والكهرباء تماما، ورفع أسعار الخدمات والسلع بشكل جنوني وفرض مئات الرسوم والضرائب على نحو جعل إيرادات الضرائب تصل إلى نحو 80% من جملة إيرادات الموازنة العامة للدولة.

وفوق كل هذه المصائب ومع إقرار السيسي في منتدى شباب العالم الذي نظمه مؤخرا في شرم الشيخ بأن ما يسمى بالبرنامج الاقتصادي كان عنيفا وقاسيا على المصريين، إلا أنه يتجه نحو حذف عشرات الملايين من المواطنين من بطاقات الدعم والتموين؛ حيث صرَّح في يوم 22 ديسمبر 2021م أنه لن يسمح بإصدار بطاقات تموين جديدة أما القديمة فلن يسمح بأكثر من فردين. وهي التصريحات التي أثارت حالة من البلبة والارتباك حتى بين الأوساط الحكومية.

وبحسب تصريحات سابقة لوزير التموين فإن عدد المستفيدين من بطاقات الدعم التموينية قد انخفض من 81 مليون مواطن إلى 64 مليوناً، مشيراً إلى أن 62% من إجمالي عدد المصريين، البالغ نحو 102.5 مليون نسمة، ما زالوا يتمتعون بدعم التموين، مقابل 68% تقريباً من السكان يتمتعون بدعم الخبز. ويبلغ عدد بطاقات التموين في مصر نحو 23 مليون بطاقة، يستفيد منها قرابة 64 مليون مصري من مجموع عدد سكان مصر البالغ نحو 103 مليون نسمة. وتبلغ فاتورة دعم السلع الغذائية في مصر 87.2 مليار جنيه مصري (ما يعادل نحو 5.5 مليار دولار) طبقا لموازنة العام المالي الحالي 2022/2021، منها 50 مليار جنيه لدعم الخبز و37 مليار جنيه لدعم السلع التموينية.

Facebook Comments