في أعقاب ثورة 25 يناير 2011م، لم يكن فريق الثورة بكل أطيافه مهيأ لإدارة ملف الدولة والحكومة ولم يكن يملك الخبرة الكافية للقيام بهذا الدور وقتها، لأن الثورة فاجأت الجميع؛ فلم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن تفضي احتجاجات 25 يناير إلى ثورة يمكن أن تطيح بمبارك. كما لم يكن أحد في فريق الثورة بشقيه الإسلامي والعلماني على حد سواء يملك الخبرة الكافية لمعرفة دهاليز الحكم وطرائقه الملتوية وحدود نفوذ الدولة العميقة، ومدى نفوذ القوى الإقليمية والدولية في صناعة القرار المصري ومدى اختراقها لمؤسسات القوة في النظام المصري كالجيش والمخابرات وغيرها، كما لم يكن أحد يملك الخبرة الكافية لإدارة مرحلة انتقالية بكل هذه السيولة والتربص والعداء؛ ذلك لأن نظام العسكر منذ انقلاب 23 يوليو1952م مارس أبشع صورة الإقصاء السياسي وفرض التصحر على جميع القوى والأحزاب وحال دون ممارسة سياسية صحية تسهم في تربية كوادر قادرة أن تكون بديلا إذا سقط، وهذا بالطبع حال كل النظم الاستبدادية.
الأمر الآخر، أننا ما زلنا في منتصف الطريق، ولا يصح أن تبقى الأحكام كما هي ثابتة وهي بطبعها متغيرة وفقا لمعيار التجربة واكتساب الخبرات المتراكمة التي لم تكن متوافرة من قبل. واليوم تمتلك الثورة قدرا هائلا من الوعي والعمق في معرفة خريطة العداوات المتربصة بالثورة وتطلعات الشعب نحو الحرية والاستقلال الوطني.
الأمر الثالث أن هناك عوامل شديدة التأثير في الحراك الجماهيري بخلاف الأضلاع الثلاثة (القلة المبدعة +القيادة الميدانية + القاعدة الجماهيرية العريضة والمتحفزة)، منها مثلا السياق المحلي وحجم القمع والبطش الذي يمارسه النظام ونسبته ومدى تأثيره على الجماهير ومدى قدرتها وصلابتها واستعدادها للتحرك إذا توافرت بصائص الأمل في التغيير، وكذلك مدى تماسك أو تفكك بنية النظام وشبكة مصالحه وموقف المؤسسة العسكرية من الحراك الجماهيري وفكرة التغيير عموما ومدى الخسائر التي تلحق بها جراء بقاء النظام، هناك أيضا السياق الإقليمي والدولي (وهو متغير بطبيعته) بما له نفوذ واسع على صناعة القرار في مصر. وكلها بالطبع عوامل متغيرة لا تتسم بالثبات وتستند إلى مجموع من التفاعلات التي يمكن أن تفضي إلى تحولات في مواقف هذه الجهات والقوى المحلية والإقليمي والدولية بما يسهم في تعزيز قبضة النظام أو القبول بسقوطه إذا رأت في بقائه ضررا أكبر من الإطاحة به.
الأمر الرابع أن حجم التآمر كان كبيرا وممتدا داخل دهاليز الدولة العميقة ومثلت الثورة والمسار الديمقراطي تهديدا كبيرا لبيزنس المؤسسة العسكرية والمافيا التي تشكلت في عهد مبارك من كبار القادة والجنرالات ورجال الأعمال وحيتان الحكومة. وقد كان هؤلاء منذ اليوم الأول للثورة يدبرون المكائد والفخاخ ويتآمرون علنا في ظل حماية مطلقة من قوى الدولة العميقة التي اكتشف الجميع أن الجيش يقف على رأسها وكذلك المخابرات والشرطة والقضاء. بخلاف إعلام نظام مبارك الذي أنفقت عليه الإمارات مليارات ضخمة من أجل إجهاض المسار الثوري والديمقراطي.
الخامس، أنه في الوقت الذي اكتسبت الثورة فيه دعما إقليميا وتعاطفا دوليا، لكنها مثلت تهديدا مباشرا للوجود الصهيوني من زاوية ورأت فيها ممالك الخليج تهديدا لعروشها من جهة ثانية، ورأت فيها الإدارة الأمريكية بداية للعصف بنفوذها الواسع في مصر ومصالحها التي تحققت منذ اتفاقية كامب ديفيد سنة 1979م. وخلال السنوات الماضية تكشفت حقائق دامغة لم تكن متاحة من قبل عن حجم تآمر كل هذه القوى ليس في الإطاحة بالرئيس الشهيد محمد مرسي والإخوان المسلمين فحسب بل الإطاحة بقيم الثورة والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة والانتخابات النزيهة وغيرها من القيم الأساسية لنهضة أي شعب.
سادسا، عندما بدأ الرئيس المنتخب يواجه هذه الجبهات المعادية للثورة منذ اليوم الأول لأدائه اليمين، تخلى عنه رفاق كانوا بالميدان واستسلم بعضهم لمؤامرات الثورة المضادة وراحوا يتحولون إلى أداة في يد المتربصين بالثورة واستسلموا للدعاية المضادة ربما كيدا أيديولوجيا وحسدا سياسيا، وتمردوا في ميدان التحرير كتفا بكتف مع الفلول وضباط الشرطة المتهمين بالتعذيب ورؤوس إعلام مبارك ورجال الأعمال وحشود طائفية دفعت بها الكنيسة بناء على الكيد الديني والغل ضد صعود الإسلاميين الداعين إلى الشريعة. وتكشف الدلائل الدامغة أن هذه الحشد كان مصطنعا أنفق عليه المتربصون بالثورة محليا وإقليميا عشرات المليارات من الدولارات. حتى عاد العسكر منفردين بالسلطة المطلقة يمارسون أبشع صور الانتقام من الثوار والذين كانوا ثوارا، والمتعاطفين مع يناير بشكل عام.
سابعا، اليوم يمكن الجزم بأن الثورة المصرية باتت تمتلك سجلا حافلا من الوعي والإدراك الكامل بالطموحات الشعبية الجارفة نحو التحرر واستقلال القرار الوطني، كما باتت نخبتها وقادتها في السجون والمعتقلات وخارجها من كل الطوائف والأحزاب التي شاركت في ثورة يناير مدركين بعد أن أصقلتها نيران المحنة العنيفة بأبعاد المتربصين والمعادين لتطلعات الشعوب نحو التحرر والاستقلال الكامل، بل أضحت تمتلك خريطة شبه كاملة بكل المتربصين من الأفراد والجهات والمؤسسات والدول والحكومات، ومدى قرب وبعد كل منها عن قيم ومبادئ الثورة وطموحات الشعب نحو التحرر والاستقلال. وما يتبقى فقط هو التجرد للثورة وقيمها والإيمان الخالص بضرورة التعايش السلمي وفق أدوات الديمقراطية واحترام حق الآخرين في الاختلاف دون تكفير وطني أو ديني أو ثوري.