مع ارتفاع نسبة البطالة في مصر متزامنة مع الفقر الذي ضربت مخالبه ما يزيد عن نصف عدد السكان، ربما لا يجد العاطلون مأوى لهم في ساعات النهار والليل سوى المقاهي التي ينفقون على كراسيها جنيهات زهيدة، تزيد الطين بلة وتفاقم أزمتهم المستمرة، ومع انعدام الحلول في ظل حكومة انقلاب مأمورة من العسكر بتدمير القشرة الاقتصادية الهشة للمصريين، تبرر عصابة الانقلاب ارتفاع الأسعار وزيادة ثمن رغيف الخبز ، بأن المصريين مدخنون وأصحاب مزاج.
وأثار هاني أمان، الرئيس التنفيذي لشركة الشرقية للدخان المملوكة للعسكر، الجدل إثر إعلانه أن حجم الإنتاج اليومي من المعسل يصل إلى 30 طن يوميا، واعتبر هذا الانخفاض بسبب إجراءات جائحة كورونا، وزيادة في إنتاج أرباح السجائر.
ومع مطلع عام 2022 حرصت جوقة إعلام العسكر على عزف جماعي ، قوامه ومنتهاه الإشادة بالدعوة لرفع سعر رغيف الخبز، الذي يعد تميمة المصريين ضد الجوع، ووديعتهم الأبدية التي ظل الديكتاتوريون المتعاقبون من العسكر من أيام جمال عبد الناصر يحرصون على عدم المساس بها.
ويتخوف المراقبون من هبات خطيرة مع الغلاء الجديد المنتظر للأسعار والخبز، أبطالها أولئك الذين يواجهون الحياة بأمعاء شبه خاوية، حيث يكشر الغلاء عن أنيابه ويستشري الفقر بشهادات لجهات معنية.
الشعب بتاع مزاج!
وتزعم حكومة الانقلاب أن المصريين أصحاب مزاج ودماغ لا يفرق معهم غلاء الأسعار أو الخبز، وقال هاني أمان، الرئيس التنفيذي لشركة الشرقية للدخان المملوكة للعسكر، خلال لقائه مع "CNBC عربية" إن "لديهم 5 مصانع لإنتاج المعسل، لكنهم قرروا تخفيض الإنتاج في بعض المصانع، ولم يكن له تأثير على الأرباح، لذلك قرروا وقف إنتاج مصنعين من المعسل من أجل الموازنة بين العرض والطلب، وينتظرون انتهاء إجراءات كورونا وعودة الفتح مرة أخرى".
ويرى مراقبون أنه يمكن لـ"عصابة الانقلاب" أن ترفع سعر الخبز المدعم، بل أن تلغي دعمه تماما، شريطة أن تكون المرتبات والمعاشات التي تدفعها للمواطنين كافية لكي يستغني المواطن عن الخبز، مثل كل الشعوب ليست فقط الغنية، بل حتى الفقيرة، التي لا تعتمد على الخبز لملء بطونها، كما هو حال المصريين.
المشكلة الحقيقة في مصر ليست في زيادة سعر رغيف الخبز المدعم، ولا حتى في إلغاء هذا الدعم، ولكن في رؤية حكومات العسكر التي لا ترى في أحيان كثيرة سوى الجباية وتقليص ما تقدمه من خدمات لعامة المواطنين، كحلول لما خلقتها سياساتها الاقتصادية من مشكلات مالية.
وتشير الأرقام الرسمية في مصر إلى أن المجتمع يضم 25.1 مليون أسرة فقيرة، تقطن غالبيتها في الريف بنسبة 55.4%، بينما تستقر في الحضر 46.6% من الأسر، وأعلنت نيفين القباج وزيرة التضامن الاجتماعي في حكومة الانقلاب في فبراير 2021 بأن هناك نحو 8.5 ملايين أسرة مصرية تحت خط الفقر.
وقد تسببت العديد من السياسات الاقتصادية التقشفية، التي اتبعتها عصابة الانقلاب منذ عام 2014، في زيادة رقعة الفقر، خاصة تلك السياسات التي تم تطبيقها بعد اتفاق حكومات العسكر مع صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2016.
وثمة ملاحظة جديرة بالاهتمام ، تتعلق بطبيعة الإجراءات التي طبقتها حكومات الانقلاب، وهي أنها مرتبطة بشكل كبير، بما تم من توقيع اتفاق جديد بين صندوق النقد وعصابة العسكر، في منتصف عام 2020، بعد حصول العصابة على قرضين بإجمالي 8.5 مليارات دولار، منها ما يتعلق بشركات قطاع الأعمال العام، مثل تصفية شركة الحديد والصلب في حلوان، وغيرها.
والسفاح السيسي من خلال تصريحات يوم 3 أغسطس 2021 يوضح أنه قاب قوسين أو أدنى من تقليص دعم رغيف الخبز، ليصل إلى المرحلة النهائية، ليكون دعم الخبز صفرا، كما حدث مع دعم البنزين والسولار والغاز والكهرباء والماء.
أين إيرادات الجيش؟
وخلال سنوات الانقلاب العجاف الماضية ، ارتفعت أسعار الخدمات التي يديرها العسكر، بدءا من رسوم استخراج الأوراق الرسمية، وحتى أسعار الكهرباء بأضعاف الزيادة في الدخول.
وفي حين اتجهت غالبية حكومات العالم إلى التخفيف عن المواطنين، وتحسين دخولهم لمواجهة جائحة فيروس كورونا، كانت عصابة الانقلاب بمصر هي الوحيدة تقريبا التي اعتبرت الموظف أو صاحب المعاش، الذي يحصل على أكثر من 2000 جنيه شهريا من الأثرياء، الذين يجب استقطاع 1% أو نصف في المئة من دخله لتمويل جهود مكافحة كورونا.
في المقابل فإن حديث عصابة الانقلاب عن الصعوبات المالية التي تواجه الخزانة العامة للدولة، وتجعلها غير قادرة على استمرار تقديم 1.85 جنيه يوميا لدعم رغيف الخبز للفقير، هي نفسها التي تصر على بناء أعلى برج وأوسع حديقة وأطول كوبري، وترسل أكبر بعثة أولمبية لم تحقق ميدالية ذهبية واحدة، بدون أن تعيد النظر في أولويات الإنفاق.
من جهته، توقع الخبير الاقتصادي ورجل الأعمال، محمود وهبة ، أن يمر قرار السيسي برفع سعر رغيف الخبز دون أي رد فعل، ما يعد خطوة أخيرة نحو كتابة نهاية عصر الدعم في مصر".
وفي رده على مزاعم السفاح السيسي بأن رفع سعر رغيف الخبز هو إصلاح اقتصادي، وأن دعم الخبز هو أموال مهدرة، تساءل "أين إيرادات شركات ومصانع الجيش والصناديق السيادية المليارية، يتم تحميل ديون المؤسسة العسكرية والصناديق السيادية لميزانية الشعب".
واستهجن وهبة سياسة مصر العسكرية في التعامل مع المواطنين وإدارة الاقتصاد المصري من منطلق مصالحه الخاصة، مشيرا إلى أن الجيش لا يدفع ديونه وتتحملها جيوب المصريين، ولا حق دستوري له في الدخول بالاقتصاد أو الاستيلاء على ممتلكات الشعب والوطن.