من الرغيف إلى الدواء.. كل شيء في مصر من دماء الفقراء إلا الظلم “على نفقة العسكر”!

- ‎فيتقارير

من الأمور المستفزة مسألة الوقوف على حقيقة مستوى معيشة عموم المصريين، هل هم أثرياء فعلا أم أنهم فقراء؟ هل يدعون الحاجة والفقر كما تقول عصابة الانقلاب ، بينما هم غارقون في العز والنعيم؟ هل يسرفون فعلا في الإنفاق إلى حد السفه أم يجلسون على الحديدة ويتحسرون على معيشتهم الصعبة؟

وسر هذه الحيرة نابع من التناقض الرهيب بين ما تزعمه عصابة الانقلاب وبين محدودية مواردهم، بينما تستمر عصابة العسكر في الاستدانة وإنفاقها المبالغ ، وتكالبها الرهيب على تخريب كل شيء وأي شيء في مصر.

 

المستبدون ورثة الاحتلال

تحت عنوان (مناهضة الاستعمار لا تعني تجاهل انتهاكات حقوق الإنسان، يجب إدانة الظلم بغض النظر عمن يقف وراءه)  كتبت سارة خورشيد، طالبة دكتوراه في جامعة ويسترن في كندا، مقالا في مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، الثلاثاء 22 فبراير 2022، قالت فيه إن " العديد من الدول التي كانت مستعمرة سابقا، بما في ذلك مصر، ما زالت تتعرض للاضطهاد، ليس من قبل الإمبرياليين الغربيين ، ولكن من قبل الحكام المستبدين والأجهزة الأمنية الخاصة بهم".

أضافت أن " التاريخ الطويل من الظلم الذي لحق بمصر من قبل الإمبريالية الغربية أدى إلى بقاء شريحة من المصريين في حالة إنكار للإجراءات القمعية التي اتخذها قادتهم وحكوماتهم ضد المنتقدين في الداخل، حتى إن البعض تغاضى عن الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي ارتكبها السيسي لمجرد الوقوف إلى جانب الدولة المصرية في مواجهة انتقادات المجتمع الدولي".

وتبدو الطريقة التي تدير بها عصابة الانقلاب علاقتها مع البسطاء عصية على الفهم بالنسبة للكثيرين، حيث اعتادت خطب ود الفقراء ومحدودي الدخل في أغلب رسائلها الموجهة إلى الشارع، وتتحدث عن برامج الحماية الاجتماعية، وتوفير حياة كريمة للفئات غير المقتدرة، وأصبح ذلك هو الشغل الشاغل لمؤسساتها، ثم تخطط لرفع الدعم نهائيا عن السلع الغذائية التي تمثل أهمية كبيرة لنفس الشريحة، وربما تعد مسألة حياة أو موت.

وشهدت الأيام الماضية تصعيدا غير مسبوق من جانب عصابة الانقلاب تجاه البسطاء بعدما خرقت كل الخطوط الحمراء في ملف الدعم، وبلغ الأمر حد التلميح العلني بأن أيام الدعم لرغيف الخبز صارت معدودة، وهناك نية حقيقية لتحرير سعره بعد أيام قليلة على قرار وزارة التموين في حكومة الانقلاب رفع أسعار الزيت والسكر والبقوليات والأرز، وهي السلع التي كانت تدعمها حكومات العسكر وتقدمها للبسطاء بأقل سعر منذ عقود.

في مقابل ذلك القهر والفقر، قصور تُبنى في عاصمة إدارية جديدة شرقي العاصمة المصرية القاهرة، وأبراج شاهقة الارتفاع على شاطئ البحر المتوسط في مدينة العلمين شمال البلاد، وبينهما قطار فائق السرعة يخدم الأغنياء بكلفة 23 مليار دولار.

وفي المقابل، فقراء يقدمون على الانتحار بسبب معاناتهم من ضغوط أسرية، لا تنفصل بطبيعة الحال عن تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تحت حكم السفاح السيسي.

 

فصل الشعب

يسعى السفاح السيسي جاهدا إلى فصل الشعب نصفين، الأول خاص بالأغنياء وبحاشيته من المسؤولين الكبار في عصابة الانقلاب وأسرهم، ويظهر ذلك بوضوح من خلال توجيه حكومة الانقلاب مخصصات الموازنة لبناء الطرق والجسور الرابطة بين المنتجعات والمدن الجديدة.

أما الثاني فهو للغالبية العظمى من المصريين المسحوقين تحت وطأة الغلاء، ويعانون من غياب الخدمات الأساسية، وارتفاع أسعارها بصورة تفوق قدراتهم المالية.

ومع استيلاء السفاح السيسي على الحكم في عام 2014، طبقت عصابة الانقلاب سياسات مؤلمة للفقراء ومحدودي الدخل، خصوصا عقب الاتفاق مع صندوق النقد في نوفمبر 2016، على تطبيق برنامج اقتصادي تضمن تحرير سعر صرف الجنيه، ما أفقد العملة المصرية نحو 70% من قيمتها أمام الدولار، فضلا عن زيادة ضريبة القيمة المضافة، وغيرها من الإجراءات التي فاقمت الغلاء.

وزعم رئيس حكومة الانقلاب، مصطفى مدبولي، أن معدل الفقر في بلاده تراجع إلى 29.7% في العام المالي الماضي 2019-2020، مقارنة بـ32.5% في العام المالي 2017-2018، لكن خبراء اقتصاد يؤكدون أن النسبة الحقيقية للفقر في مصر تتجاوز 55% من السكان في ظل تصاعد الغلاء، والزيادات المتواصلة على أسعار السلع والخدمات والضرائب.

وتكمن الأسباب الحقيقية لانتشار الفقر في مصر خلال السنوات الأخيرة، في توسع عصابة الانقلاب في الاقتراض من الخارج، والخضوع لاشتراطات المؤسسات المانحة بشأن إلغاء الدعم، وزيادة الضرائب والرسوم لتخفيض حدة العجز في الموازنة العامة؛ وذلك للشروع في تنفيذ مشروعات "كبرى" لا تستهدف إلا الترويج للسفاح السيسي، من دون أن يكون لها عائد اقتصادي، على غرار "تفريعة" قناة السويس، والعاصمة الإدارية الجديدة.

وأظهرت بيانات صادرة عن البنك المركزي المصري، أن الديون الخارجية للبلاد قفزت إلى 134.8 مليار دولار بنهاية مارس ، مقابل نحو 129.2 مليار دولار في نهاية عام 2020، بينما كانت تبلغ لدى وصول السفاح السيسي إلى الحكم نحو 46 مليار دولار فقط، أي أنها تضاعفت بنسبة تزيد على 193%.