رغم الضجة الكبيرة التي أثارها حديث السيسي الصيف الماضي، عن نيته إلغاء الدعم عن الخبز ورفع سعره للمواطن ، من أجل توجيه الفروق المالية لتمويل التغذية المدرسية لطلاب المدارس، والتي أسندها للجيش بمقابل 7 مليار جنيه في العام الدراسي، إلا أن التغذية المدرسية ما زالت دون المستوى ولم تزد عن علبة بسكويت كما كانت في الماضي، ناهيك عن حالات التسمم المدرسية في عدد من مدارس الجمهورية إثر تناول تلك التغذية الفاسدة، التي لم تنتظم لأيام معدودات في بعض المراكز دون بعض ، وفي وقت غالبا ما يغيب فيه الطلاب عن المدارس قبيل الامتحانات.
45 مليون مواطن
ويأتي التقصير في تقديم وجبة التغذية المدرسية، التي سيحرم من أجلها السيسي نحو 45 مليون مواطن من دعم الخبز والسلع التموينية، بحسب تصريحات وزير التموين علي المصيلحي مؤخرا، عن اقتصار تقديم الدعم لنحو 25 مليون مواطن من إجمالي أكثر من 70 مليون مواطن، كأخد أوجه القصور في التعليم والإنفاق عليه، على الرغم من تزايد حجم الضرائب والرسوم التي يتوسع فيها السيسي ونظامه على التعليم وغيره من الخدمات المجتمعية لزيادة حصيلة الخزانة العامة، بالمخالفة للدستور.
وتشتكي أغلب مدارس مصر من عجز المعلمين وعدم انتظام معلمي التطوع والحصة الذين يعتمد عليهما وزير التعليم في تغطية العجز بالمدارس البالغ نجو 320 ألف معلم، وذلك نظرا لانخفاض العائد المادي للمعلمين بنظام الحصة ، ناهيك عن انعدام الدخل لمعلمي التطوع ، وسط انسداد تام بفرص التعيين المأمول بالتربية والتعليم.
ومن ضمن أزمات التعليم المؤثرة في مستقبل مصر والمدمرة للبنية المجتمعية المصرية، انخفاض رواتب المعلمين بصورة كبيرة، ورفض وزير التعليم تعديل الأوضاع المالية لهم، وعدم تطبيق زيادة الرواتب وفق العام 2021، بل صرف الرواتب والمكافأت على أساس ميزانية 2014، وحين يجري مجازاة المعلمين يتم احتساب الخصومات المالية على أساس راتب 2021، وهو قمة التطفيف المالي لحكومة المنقلب السيسي.
30 الف معلم
وفي يناير الماضي، قرر السيسي تعيين 30 ألف مدرس سنويا على مدار 5 سنوات تلبية لاحتياجات قطاع التعليم، وذلك اعتبارا من العام المالي الجديد، وبحسب وزير المالية، فقد بلغت كلفة رواتب 30 ألف معلم نحو ملياري جنيه سنويا، وتواجه وزارة التربية والتعليم عجزا يُقدر بنحو 323 ألف معلم، يشار إلى أن الرواتب السنوية التي حددتها الحكومة المصرية لـ30 ألف معلم تعد أقل من كلفة إنشاء كوبري واحد تنفذه الهيئة الهندسية للجيش، والتي واجهت مرارا اتهامات بالفساد المالي في تنفيذ المشروعات الجديدة عن طريق إسنادها بـ"الأمر المباشر" لبعض المقاولين.
وفي 25 ديسمبر الماضي، أعلن وزير النقل، لواء الجيش السابق كامل الوزير، عن تخصيص 9 مليارات جنيه لإنشاء 3 محاور جديدة في محافظات الصعيد، غير أن السيسي طالبه على الهواء مباشرة بخفض هذه الكلفة إلى 7.5 مليارات جنيه، مضيفا "هل الشركات اللي شغالة موجودة وفين الحاج سعيد؟ في إشارة إلى سعيد محمود، مالك شركة السعداء للمقاولات العاملة مع الجيش.
واستفسر السيسي من "الحاج سعيد" عن إمكانية تنفيذ أحد المحاور الجديدة على النيل خلال مدة أقصاها 12 شهرا، مقابل الحصول على نسبة 25 في المائة فقط من كلفة المشروع، وإرجاء الحصول على بقية الكلفة إلى حين الانتهاء من تسليمه، وهو ما وافق عليه مالك الشركة.
ومنذ استيلاء السفاح السيسي على حكم مصر في عام 2014 بعد عام من انقلابه على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد الشهيد محمد مرسي لم تفِ أي من الحكومات الانقلابية المتعاقبة بنسبة الـ10% من الناتج القومي الإجمالي المقررة دستوريا لقطاعات الصحة والتعليم والبحث العلمي، في مقابل إهدار مئات المليارات على مشروعات الطرق والكباري غير المطابقة للمواصفات القياسية، والمنفذة بواسطة شركات مقاولات تحت إشراف الجيش.
وأصدر وزير تعليم الانقلاب كتابا دوريا مع بداية العام الدراسي الحالي بشأن آليات وضوابط سد العجز في هيئة التدريس، وينص على فتح باب التطوع بالمدارس أمام حملة المؤهلات العليا التربوية، بغرض مساعدة المعلمين في تنفيذ المهام المكلفين بها.
واشترط الكتاب التطوع في المدارس التي لا يوجد فيها طلاب مقيدون على صلة قرابة بالمتطوع حتى الدرجة الثانية، وجواز الاستعانة بغير العاملين في الوزارة من حملة المؤهلات العليا للعمل بنظام الحصة، في مقابل 20 جنيها كحد أقصى عن الحصة الواحدة، والصرف اقتطاعا من بند الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية بموازنة مديرية التعليم في المحافظة.
فيما أعلن الوزير عن حاجة مصر سنويا لنحو 0 ألف فصل دراسي، لا تستطيع الحكومة توفير سوى أقل من 5 آلاف فقط، وهو ما يمثل قمة الانهيار في المنظومة التعليمية بمصر، وقد تابع المصريون بأعينهم أبناءهم وهم يفترشون الأرض في المدارس والفصول المكتظة منذ أول العام الدراسي الجاري، ولم تقدم الحكومة أية حلول سوى حظر التصوير بالمدارس والمؤسسات التعليمية إلا باذن وموافقة رسمية من الوزارة.
مخالفات دستورية
وضمن المخالفات الدستورية التي أدمنها نظام السيسي ما أثبتته دعوى قضائية ، أقامها محامي المبادرة المصرية للحقوق الشخصية علاء فاروق ضد السيسي وآخرين، للمطالبة برفع ميزانية التعليم لتتماشى مع النسبة المقررة دستوريا بنسبة 6% من إجمالي الناتج القومي، والتي حكمت محكمة القضاء الإداري في 26 فبرايرالماضي، بعدم الاختصاص.
وبحسب الدعوى، تتنصل السلطات المصرية من الإنفاق على جودة التعليم، كونها تنفق أقل من نصف النسبة المقررة على قطاع التعليم، والتي حددتها المادة 19 من الدستور بنسبة 6% من الناتج القومي الإجمالي بدءا من عام 2016- 2017 والحقيقة أن الحكومة لم تلتزم بإلزامية زيادة الموارد المخصصة لهذا القطاع الواردة في الدستور، وأيضا بوضع أولوية للاهتمام بالمعلمين الذين يصفهم الدستور بأنهم "ركيزة التعليم".
أيضا، لم تبلغ نسبة الإنفاق على التعليم المدرسي والجامعي معا نصف نسبة الـ6% المقررة في الدستور كحد أدنى، والتي تتوزع على 4% للتعليم المدرسي، و2% للتعليم الجامعي، بل نحو 2.42 في المائة فقط من الناتج المحلي.
ورغم زيادة مخصصات التعليم سنويا وصولا إلى 172.6 مليار جنيه في الموازنة الجديدة، فهي لا ترقى إلى مستوى الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي الذي يصل، وفقا لخطة التنمية الاقتصادية التي عُرضت على البرلمان في إبريل الماضي، إلى نحو 7.1 تريليون جنيه.
واللافت أن الإنفاق على التعليم اتخذ منحى منحدرا مع بداية تطبيق الدستور الجديد، ثم ارتفع في شكل طفيف، لكنه لم يصل إلى نصف النسبة التي حددها الدستور، وخصصت الحكومة العام الماضي نسبة 2.3% من الناتج الإجمالي لكل من التعليم المدرسي والجامعي، بينما وصلت النسبة إلى 2.4 % في العام المالي الحالي، ما يعني أنه أقل من نصف النسبة التي حددها الدستور للقطاعين، وهكذا احتفظ التعليم بالترتيب الثالث في أولويات الإنفاق، وزادت مخصصاته نحو 15 مليار جنيه.
عكس الدساتبر
أيضا، سارت حكومة الانقلاب خلال السنوات السابقة عكس التزاماتها الدستورية بالكامل في إجمالي نفقاتها التي اعتمدت فيها التقشف وبينها في الإنفاق على قطاع التعليم، في مقابل محاولة زيادة العائدات من خلال التوسع في ضرائب الاستهلاك المباشرة على المواطنين، مثل ضريبة القيمة المضافة، والرسوم المحصلة مقابل خدمات محددة، بحسب ما ورد في الدعوى القضائية .
ومع تدني الإنفاق على التعليم تتحول مصر لشبة دولة، كما تحدث السيسي بنفسه عن ذلك بقوله "يعمل إيه تعليم في وطن ضايع؟ في إشارة لعدم إيمانه بالتعليم وجدواه في بناء الشخصية المصرية.
والأخطر أن ما يحدث بالتعليم يتكرر بالصحة ومجالات الحياة العامة للمصريين، بينما توجه إمكانات الدولة وأموالها للمشاريع الترفيهية غير ذات الجدوى الاقتصادية بالعاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة والجلالة وغيرها من المدن الفاخرة ذات الخدمات الترفيهية التي لا يستفيد منها سوى أقل من ,5% فقط من المصريين "نصف بالمائة فقط".