منذ أعوام، وتحديدا قبل انقلاب السفاح السيسي في 30 يونيو 2013، لم يترك شيوخ الكاسيت وملوك الفضائيات كبيرة أو صغيرة إلا تبادلوا فيها الجدال؛ سواء قضايا دينية أو مجتمعية أو سياسية، واليوم، ومع انزلاق مصر إلى حافة الهاوية في كل شيء بداية من عقيدتها وانتهاء برغيف الخبز، لم يُسمع لهم صوتا ولا همسا، وهم الذين كانوا يتشدقون على المنابر بفضل قول كلمة الحق عند سلطان جائر، فهل من سفاح أشد جورا من السيسي؟
والشيوخ أمثال محمد حسان ومحمد حسين يعقوب برأي بعض المراقبين يمثلون اتجاها علميا دعويا، وهذا الاتجاه حسنته الكبرى في أنه يُعرّف الناس بالدين ويذكرهم بالله ويهديهم إلى طريقه، ولكن مصيبته الكبرى أنه يتوقف بهم عند كون الدين عبادة وتزكية وصدقة ودعوة، وقد يُفضي به هذا التوقف ليكون طعنة في ظهور العاملين واتجاها توظفه أجهزة الأمن ضد من يُفعّلون الإسلام في أبواب السياسة والاقتصاد والاجتماع والمقاومة.
شلل وغفلة
التوقف عند أبواب التزكية والدعوة لدى التيار الذي يمثله محمد حسان ومحمد حسين يعقوب يعزل أهل هذا الاتجاه عن متابعة الحياة، فإذا هم أقل الناس فهما لطبيعة الصراع وتطوراته، وطبيعة ما يُراد بالأمة وطبيعة الأفكار التي تغزوها والنوازل التي تنزل بها.
وتدرك الدول الغربية ومعها أمريكا ما لا تدركه عصابة السفاح السيسي، وإن كان أدركه المخلوع الراحل مبارك، من أن مجتمع مثل المجتمع المصري لا يمكن نزع الدين منه؛ فدوائر الاستخبارات الغربية كما الحكم البوليسي البائد لا تعمل على إلغاء الحالة الدينية، إنما تعمل على هندستها، إلا أن عصابة الانقلاب تؤمن بالفراغ الكامل، ليصبح السفاح السيسي هو الحالة الدينية الوحيدة.
وبعد انقلاب 30 يونيو 2013 كثيرا ما تشتعل معركة فلا يساهم فيها دعاة وشيوخ الكاسيت الصامتون، ويحسبون أنها لا تعنيهم ولن تؤثر عليهم نتاؤجها، أو تلوح لهم فرصة فلا يستثمرونها ويظنون أنها لا تفتح لهم أبوابا عظيمة، وكثيرا ما يُخدعون، ومنهم من يطول به الخداع دهورا، لا سيما إذا لبس الديكتاتور ثوب الدين كما هو الحال في السعودية.
وكان يجب على شيوخ ودعاة الكاسيت أن تكون لهم وقفة ضخمة، بل معركة صفرية مع الانقلاب في مصر، لكنهم لم يشعروا أبدا أنها معركة حياة أو موت، وأن مصيرها قد يصيبهم، وتلك الغفلة هي التي تسببت في شلل قطاعات كبيرة من الأمة كانت لتتحرك خلفهم لو تحركوا.
"ما الحرج أن يكون بيننا وبين الأمن نوع من الحب المتبادل؟ والتعاون المتبادل؟ أنا لي رؤيتي الدعوية وهو له رؤيته الأمنية" هكذا لخص قبل ثورة 25 يناير 2011 الشيخ حسان صورة علاقته بـأمن الدولة سيئ السمعة، أو ما يُسمى الآن الأمن الوطني، وكان هذا في حلقة على قناة الناس الفضائية.
ظهرت آثار هذه العلاقة من الحب المتبادل والتعاون المتبادل في العديد من المرات، ووصلت حميمية هذه العلاقة إلى أن صار الشيخ ورقة مهمة تستخدمها أجهزة الجيش والأمن في أوقات محددة، مقابل بعض الامتيازات التي يحصل عليها فضيلته.
بالطبع لا تتمثل هذه العلاقة في الصورة النمطية السينمائية لعملاء أجهزة الأمن؛ رجل يأخذ حقيبة سوداء مليئة بالأموال مقابل أن ينفذ مهمة ما؛ بل تظهر العلاقة في صورة إنسيابية مبنية على التفاهم المتبادل بلا تصريح يخجل الطرفين، كجلسة طبيعية يتم فيها النقاش حول أحوال البلاد، ينتج عنها وعد بإلقاء محاضرة يتم فيها التنبيه على أمر ما، ذلك الأمر الذي ترى تلك الأجهزة ضرورة بثه في وقت ما.
وعلى الجانب الآخر تتحقق الامتيازات عن طريق "من جاور السعيد يسعد" وبالطبع السعداء في هذا الوطن هم أفراد الجيش والشرطة، ومن يقوي علاقته بهم فلن يقف أمامه شيء، ولن يقيد حريته وحرية من يهمونه أحد.
مؤامرة حقيرة
حاول حسان تقوية أواصر هذه العلاقة أكثر والارتفاع بها إلى أعلى مستوى ممكن، بثنائه على المخلوع مبارك وموقفه خلال العدوان على غزة الذي سبق ثورة 25 يناير، ذلك الثناء الذي أكده حسان كما يؤكد أن أفعاله "لوجه الله"، وأنه لا يفعل شيئا من هذا من أجل أحد من البشر.
تجلت تلك العلاقة الوطيدة في فبراير 2011 قبيل سقوط مبارك وأثناء احتشاد الجماهير، فقد ذهب حسان إلى ميدان التحرير وخطب في جانب من الميدان في حماية قوات الجيش، وكان أول ما قاله إن هناك "مؤامرة حقيرة تريد وقيعة بين شبابنا وبين أفراد القوات المسلحة".
كان حينها في طرف من أطراف الميدان ولم يدخل بعد، وبعد أن انتهى من خطبته، هتف بعض الشباب أكثر من مرة عايزينك جوا في التحرير يا شيخ، فما كان من حسان إلا أن لوح لهم بيديه وولى ولم يعقب، ولم يتحدث عن إسقاط مبارك ولا عن أي مطلب من مطالب الثوار.
ثم خرج بعدها في قناة العربية السعودية، ليؤكد نفس الكلام، واستمر صمته عن مطالب الثوار الأساسية، ولم ينس الشيخ أن ينشر الفزع الذي كان يبثه إعلاميو النظام حينها لإخافة الناس، عن طريق تحذيره من البلطجية والدعوة إلى عدم الخوف أو الهلع، وتصريحه بأن الناس يبكون في البيوت ، ولم ينس بالطبع توجيه التحية للجيش.
وفي أيام الحج التي وافقت نهايات عام 2011م وعلى الأراضي المقدسة، حذر حسان من محاولات قائمة على قدم وساق لإحداث فتنة بين الجيش والشعب، مستغربا من محاولات البعض تخوين الجيش، الذي أقسم بالله أنه لم يخن.
وقامت في فبراير 2012، القناة الأولى بالتلفزيون الحكومي باستضافة حسان ليعرض مبادرة قطع المعونة الأمريكية، ثم ناشد حسان رئيس الوزراء حينها كمال الجنزوري، أو من سماه حسان "والدنا الفاضل" و"أستاذنا الكريم"، لتحويل المباردة إلى واقع عملي.
وفي نفس الشهر يخرج حسان ضيفا على مصطفى بكري في قناة الحياة، ليقول إن "العصيان المدني سيخرب ويسقط مصر، ودعا الشباب إلى الصبر، وذلك ردا على الدعوة التي كانت منتشرة لإسقاط المجلس العسكري".
وعندما ظهرت دعوة من مؤيدي الرئيس الشهيد محمد مرسي إلى رفع شعار رابعة خلال أداء فريضة الحج عام 2013 للتنديد بمذبحة رابعة، سارع محمد حسان إلى الظهور بإصدار بيان يؤكد فيه أن المواقف السياسية من شأنها أن تعكر صفو القلوب، وتفسد العبادة بالجدال المذموم، والخوض في الفتن والصراعات السياسية الواقعة، وطالب الحجاج بعدم رفع أي شعارات سياسية خلال أداء الحج.
جنى الشيخ حسان مقابل ذلك الأمن والأمان له ولعائلته ولمصالحه، بل وجنى الحماية وضمان عدم المساس به أيضا إلى الحد الذي جعل قوات الأمن تلقي القبض على رجل اسمه "محمد عبد الحي البلقاس" الذي أرسل لحسان رسالة قائلا له فيها "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، حسبنا الله ونعم الوكيل" فما كان من شقيقه محمود حسان إلا أن اتصل بأمن الدولة ليقوموا بعدها بقليل باقتحام بيت الرجل المذكور والقبض عليه واحتجازه عشرة أيام.