التسريبات التي تخرج من مقربين من دائرة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، تؤكد أن السيسي غاضب بشدة بشأن تفجر قضية الباحث الاقتصادي أيمن هدهود، لكن الغريب حقا أن السيسي غاضب بشأن توقيت الجريمة وليس غضبا من الجريمة ذاتها؛ السبب في ذلك الجريمة تفجرت قبل زيارة مرتقبة لوزير الخارجية بحكومة الانقلاب سامح شكري للولايات المتحدة الأمريكية لإقناع بعض نواب الكونجرس المنتقدين لانتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وهي خطوة من جانب النظام من أجل السماح بالإفراج عن بعض المساعدات العسكرية المجمدة من واشنطن للقاهرة.
معنى ذلك أن غضب السيسي لا ينصب على الجريمة الوحشية ذاتها، بل ينصب على عامل التوقيت، الذي يضع النظام في ورطة أمام الإدارة الأمريكية وبعض نواب الكونجرس؛ لا سيما وأن هدهود محسوب على أحد الأحزاب الموالية للسلطة، ورئيس هذا الحزب دأب في الشهور الأخيرة على الترويج لأكاذيب ومزاعم بشأن انفراجة في ملف الحريات والمعتقلين منذ إطلاق ما تسمى بالمبادرة الوطنية لحقوق الإنسان في سبتمبر 2021م، فتأتي هذه الواقعة لتنسف كل هذه الأكاذيب جملة واحدة.
وتنقل صحيفة "العربي الجديد" عن مصادر مقربة من السلطة العسكرية، أن تعليمات رئاسية صدرت بتكليف اللجنة الاستشارية التي تترأسها مساعدة الرئيس للأمن القومي، السفيرة فايزة أبو النجا، بالتحقيق في الواقعة؛ وهو التحقيق الذي لا يتعلق بالواقعة وملابساتها، ولكن بتفجير القضية في هذا التوقيت بالتحديد، لسببين: الأول أن الحادثة تأتي قبل أيام قليلة من زيارة شديدة الحساسية لوزير الخارجية سامح شكري، رئيس اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، إلى العاصمة الأميركية واشنطن، من أجل القيام بمهمة متعلقة باحتواء غضب نواب الكونجرس تجاه مصر، والرد على ملاحظات حقوقية تسببت في تعطيل استحقاقات عسكرية واقتصادية.
الثاني، أن الواقعة تأتي أيضاً قبل يوم واحد من زيارة الممثل الخاص الأوروبي لحقوق الإنسان إيمون جليمور، لمصر، والتي التقى خلالها شكري لبحث مجموعة من الملفات الحقوقية يوم الإثنين الماضي (11 إبريل 2022). حيث استحوذت القضية على مساحة واسعة من النقاش بين جليمور والجانب المصري. بينما يكشف مصدر دبلوماسي أن تبريرات الجانب المصري كان صادمة للمسئول الأوروبي حيث تم الإجابة على تساؤلاته بأن بطء الإجراءات الحكومية المتبعة في مثل تلك الحالات هو الذي تسبب في تأخر إبلاغ ذويه عن اختفائه ثم وفاته، ما دفعهم إلى التقدم ببلاغ للنيابة العامة بشأن اختفائه قسرياً.
في ذات السياق، تمسك عمر شقيق الباحث الشهيد أيمن هدهود خلال تحقيق النيابة العامة معه الثلاثاء 12 إبريل، بالاشتباه جنائيًا في وفاة شقيقه، وطالب النيابة العامة بالإعلان عن سبب وجود جثمان شقيقه طوال شهر في مستشفى العباسية للأمراض النفسية، وعن سبب إنكار المستشفى وجوده لديهم أولًا، ثم الاعتراف بوجوده مع منع زيارة أسرته له، وذلك بحسب ما قالته محاميته فاطمة سراج، وهدهود لـ«مدى مصر».
التحقيق الذي استمر مع الشقيق لنحو ست ساعات، بحضور محاميته لم يوجه خلاله الاتهام إلى أية جهة، لكنه طالب بالإجابة عن بعض الأسئلة المتعلقة باختفاء شقيقه طوال الشهرين، وإلى أي مدى كان الأمر قانونيًا، ومعرفة أسباب وجود كدمات وكسور بالجمجمة في جثمانه، مؤكدا أنه طالع جثمان شقيقه ثلاث مرات، الأولى في ثلاجة المستشفى، وثانيًا داخل عربة الإسعاف التي نقلت الجثمان من المستشفى إلى المشرحة، وأخيرًا خلال غُسل الجثمان قبل دفنه.
من جهته أصدر حزب «الإصلاح والتنمية» بيانًا، الأربعاء، أعلن فيه انتظار الحزب نتائج تحقيقات النيابة العامة، لاستيضاح إمكانات المحاسبة القانونية للمستشفى نظرًا لإنكاره وجود هدهود، وعدم إخطار أسرته بإيداعه لديه. ورغم يقين الحزب أن هدهود قتل تعذيبا بمقر الأمن الوطني، إلا أنه لم يجرؤ على البوح بذلك واكتفى بالتلميح بقوله «أنه رغم المسؤولية التي تتحملها عدة جهات عن إخفاء هدهود وحالته الصحية ووفاته، فإنه وفقًا لأقوال أشقائه مرّ هدهود بظروف نفسية صعبة أدت به إلى تصرفات غير متزنة»، مشيرًا إلى أن الحزب وأصدقاء هدهود وعائلته فضلوا عدم الإفصاح عن ذلك في بادئ الأمر احترامًا لخصوصية الراحل هدهود. وكلف الحزب الهيئة البرلمانية له بتفعيل دورها الرقابي لمعرفة حقيقة ما يُجرى داخل مستشفيات الصحة النفسية بصفة عامة ومعرفة حقيقة المسؤولية الطبية وجوانب الإهمال والتقاعس الإداري في المستشفى الذي تم إيداع هدهود به.
وهو ما فهم منه أن الحزب يدين الجريمة في صمت ويروج من ناحية أخرى للرواية الأمنية من أجل تمكين المتورطين في الجريمة من الإفلات لأنهم ضباط نافذون في الأمن الوطني.