يواصل نظام الانقلاب توريط مصر في مستنقع الديون؛ ما يهدد بإفلاس البلاد وتضييع مستقبل الأجيال القادمة وفي الوقت الذي تعدت فيه الديون الخارجية مبلغ 150 مليار دولار، أعلنت حكومة الانقلاب توجهها إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد هو الثالث في عهد السيسي من الصندوق الذي منح مصر نحو 20 مليار دولار من (2016- 2021)، فيما تشير التوقعات إلى قرض جديد يتراوح بين 8 و10 مليار دولار.
يشار إلى أنه منذ عام 2012، ارتفعت قيمة الديون الخارجية بما يزيد على 100 مليار دولار، بعدما سجل الدين الخارجي في نهاية عام 2012 نحو 34.4 مليار دولار، قبل أن يتضاعف بأكثر من أربعة أضعاف ليسجل نحو 147 مليار دولار في نهاية ديسمبر 2021 .
ورغم أن الأرقام الرسمية الصادرة عن البنك المركزي تشير إلى بلوغ الدين الخارجي أكثر من 145 مليار دولار بنهاية 2021، إلا أن مراقبين أكدوا وصول الدين لأكثر من 151 مليار دولار.
وحذرت منظمات ومؤسسات دولية من خطورة الوضع المالي في مصر، وأكد تقرير لمنظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد" أن مصر عرضة لصدمة مفاجئة بسبب مزيج من ضغوط إعادة التمويل الكبيرة ونسبة خدمة الديون المرتفعة.
الحصة الأكبر
من جانبها كشفت وكالة "ستاندرد آند بورز جلوبال" أن نظام الانقلاب يسعى لاقتراض نحو 73 مليار دولار من خلال مبيعات للسندات خلال العام الجاري2022 متوقعة أن تتخطى مصر تركيا كأكبر مصدر للديون السيادية في المنطقة .
وأكدت الوكالة أنه بسبب العجز المالي المرتفع باستمرار ، فإنه من المقرر أن يرتفع الدين التجاري لمصر كإحدى الأسواق الناشئة موضحة أن مصر من بين الدول التي تمتلك الحصة الأكبر من الديون التي يجب تجديدها هذا العام، وأن الديون قصيرة الأجل تبلغ نسبة 26 بالمئة من إجمالي أرصدة الديون في مصر.
وحذرت من أن تلك الديون المحتملة في 2022، التي ستضاف لنحو 150 مليار دولار أخرى، إنما هي لترقيع الديون السابقة، وليست لأجل إقامة مشروعات إنتاجية أو استثمارية.
وأشارت الوكالة إلى أن مصر اقترضت نحو 63 مليار دولار في عام 2021، بذات الطريقة وهي إصدار السندات السيادية لافتة إلى أنه في مارس الماضي، ولأول مرة في الشرق الأوسط، طرح نظام الانقلاب سندات دولية مقوّمة بالين الياباني، المعروفة بسندات "الساموراي" بنحو 500 مليون دولار.
وأكدت أن نظام الانقلاب ينوي أيضا إصدار صكوك إسلامية وسندات خضراء قبل نهاية يونيو المقبل، إلى جانب سندات دولية بحوالي 5 مليارات دولار في السنة المالية المقبلة، (2022- 2023) .
ترقيع الديون
من جانبه قال الخبير الاقتصادي الدكتور أشرف دوابة إن "نظام الانقلاب يسير في اتجاه توريط البلاد في الديون ولا مفر بالنسبة له من هذا التوجه ، مشيرا إلى أن مصر ستصبح أكبر مصدر للديون السيادية في المنطقة، بمبيعات للسندات بقيمة 73 مليار دولار خلال 2022، وهذا يعني أنها ارتضت بهذا عملية الديون كوسيلة من وسائل ترقيع ديونها".
وأعرب دوابة في تصريحات صحفية عن أسفه لأن نظام الانقلاب لا يستخدم الديون لتحقيق قيمة مضافة حقيقية أو مشروعات إنتاجية، مؤكدا أن هذا النظام قرر مواصلة الاستدانة لترقيع ديونه السابقة، وبذلك أصبحت الاستدانة هدفا للحيلولة دون التوقف عن سداد فوائد وأقساط الدين.
وعن المقابل الذي يمكن أن يقدمه الانقلاب لمشتري السندات الدولية، أكد أن العائد المميز الذي يمنحه الانقلاب من أعلى العوائد العالمية، متوقعا أن يتجه السيسي لبيع بعض السندات والرهونات لمؤسسات حكومية، وما لا يباع يكون وسيلة لضمان هذه الديون.
ولفت دوابة إلى أن الأمر سيصل لقناة السويس وغيرها من أصول سيادية ، مضيفا لا نستطيع الجزم الآن بهذه التحركات، ولكن الشيء المغري الآن للمستثمر الأجنبي، هو العائد المصري الجذاب الذي لا يمنع لاحقا من تقديم أصول كضمانات لأجل الديون السيادية.
وحذر من خطورة أن تصبح مصر أكبر مصدر للديون السيادية في المنطقة، موضحا أن الخطورة بعد مرحلة معينة ألا تجد ما يمكنها من سداد الديون وفوائدها ، ما يؤدي للإفلاس كنتيجة محتملة، وإذا استمرت هذه السياسة، فشيء طبيعي أن تحدث فقاعة وتحدث انفجارا.
وتساءل دوابة ، إذا كانت هناك دول تُعين نظام الانقلاب مثل السعودية التي قدمت 5 مليارات دولار قبل أيام كوديعة بالبنك المركزي، فمن يساعد على سداد أعباء الديون؟ وما بالنا إذا لم يجد من يسدد التزاماته والتوقف عن الدفع والذهاب لنادي باريس لجدولة ديونه ، محذرا من أن الأمور في هذه الحالة ستزيد اشتعالا وتأثيرها على المواطن سيكون كبيرا؛ لأن تأثير ذلك مباشر على عجز الموازنة، ودولة الانقلاب ستضطر لفرض ضرائب أكثر.
وأوضح أن الدين سلاح ذو حدين إذا جرى استخدامه جيدا بمشروعات إنتاجية حقيقية تشغل العمالة وتعطي إنتاجا يسدد الدين نفسه، فيكون إيجابيا مع تحفظنا على موضوع سعر الفائدة لأنه ربا ، مشيرا إلى أنه إذا جاءت الاستدانة لترقيع ديون أخرى أو وضع هذه الديون بأمور لا تحقق قيمة مضافة مثل بناء العاصمة الإدارية وغيرها من المشروعات الفنكوشية، فإن كل هذا له تأثير سلبي على البلاد.
أسوأ السيناريوهات
وقال الدكتور حسني كحلة الباحث المتخصص في الاقتصاد السياسي إن "أوضاع مصر الآن تشبه ما كانت عليه زمن الخديوي إسماعيل مع الديون ، مؤكدا أنه ليس هناك شك حول خطورة الديون بكل أنواعها على الاقتصاد المصري ومستقبل البلاد؛ مادامت غير مرتبطة باستثمار حقيقي منتج يمكن الدولة من سداد الدين، فالبلاد معرضة لضرر بالغ" .
وعن الحلول المقترحة للخروج من فخ الديون، طالب كحلة في تصريحات صحفية بضرورة تغيير السياسة الخارجية لمصر أولا، ثم بعد ذلك ستكون المعالجة الاقتصادية ممكنة على مشقتها.
وأكد أن مصر في زمن الانقلاب وصلت الآن لأسوأ السيناريوهات بسبب ملف الديون، مشيرا لما وصلت إليه البلاد من تضخم يرفع تكاليف المعيشة ويعوق الاستثمار، وبطالة عالية خصوصا بين المتعلمين، وتدمير الطبقة العاملة بسبب خصخصة القطاع العام.
وبشأن خسارة الأصول السيادية مع استمرار سياسة الاقتراض، حذر من خطورة ذلك لافتا إلى أهمية ودور المساندة الخارجية لنظام الانقلاب، لكنه قلل من تأثيرها وقيمتها الفعلية مع ما وصفه بـ"الاقتصاد المتداعي".