لتشكيل نخبة مفضلة.. الانقلاب يدعم المدارس الخاصة ويتجاهل التعليم العام

- ‎فيتقارير

نشر موقع "ميدل إيست آي" تقريرا سلط خلاله الضوء على خطط عبدالفتاح السيسي لدعم التعليم الخاص، وإهمال التعليم العام، بهدف خلق نخبة مفضلة تدعم سياسات الانقلاب وتروج لها.

وبحسب التقرير الذي ترجمته "بوابة الحرية والعدالة" يعتبر التعليم أحد الموضوعات السياسية الساخنة في مصر، وهو واحد من مجالات السياسة العامة القليلة للغاية ، حيث تسمع أصوات المعارضة بصوت عال وواضح، والأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن حكومة السيسي تبدو مصغية ومتجاوبة في بعض الأحيان.

وقال التقرير "في يناير، رد عبد الفتاح السيسي على إدانة واسعة النطاق للأعداد غير الكافية من المعلمين بتعهده بإضافة 30 ألف معلم كل عام خلال السنوات الخمس المقبلة، وفي فبراير، رفض برلمان السيسي مشروع قانون اقترحته وزارة التعليم بفرض غرامة تصل إلى 1000 جنيه على الأطفال المتغيبين عن المدرسة".

وأضاف التقرير أن أعضاء برلمان السيسي قد استغلوا هذه المناسبة لانتقاد الوزارة بشكل قاطع، معتبرين أن الاقتراح مشكوك فيه من الناحية الدستورية، ولاحظوا أنه فشل في معالجة الأسباب الجذرية للتغيب، مثل الاكتظاظ، وضعف إعداد المعلمين والمناهج غير الملائمة، وتساهم أيضا في المشكلة الرسوم المرتفعة على الكتب والخدمات المدرسية، إلى جانب الإنفاذ الصارم، بما في ذلك منع الطلاب من أداء الامتحانات إذا لم تسدد الفواتير المستحقة.

وعلى الرغم من احتدام النقاش العام حول التعليم في الأيام الأخيرة، إلا أنه كان موضوعا ساخنا منذ انتفاضة 2011 وفي نهاية المطاف، تم إدراج دعوات للتحسين في دستور عام 2014، الذي نص في المادة 19 على إنفاق أربعة في المائة من الناتج القومي الإجمالي على التعليم، الذي يجب أن يكون مجانيا وإلزاميا من خلال التعليم الثانوي، ولكن هذه الأهداف لم تتحقق ويقدر أحد المراقبين عن كثب لتمويل التعليم المصري أن حكومة السيسي تنفق حاليا أقل من 1.5 في المئة من الناتج القومي الإجمالي على التعليم، أي نحو ثلث النسبة التي أنفقتها منذ أربعة عقود.

وأوضح أن تسامح حكومة الانقلاب مع المناوشات السياسية التكتيكية حول قضايا التعليم، بما في ذلك الانتقادات الموجهة إلى وزير التعليم طارق شوقي، يتناقض بشكل صارخ مع معظم المجالات الأخرى في السياسة العامة، من الرعاية الصحية، إلى النقل، إلى حماية البيئة، إلى إجراءات الأجهزة الأمنية، وقد يكون هذا لأن التعليم هو موضوع مناسب وغير مهدد يسمح للجمهور بالتنفيس عن الزخم السياسي، ومن غير المرجح أن يحشد الجماهير، على الرغم من مظاهرات الآباء حول مختلف القضايا، على المستوى الجامعي كانت الاحتجاجات الطلابية الجماهيرية غائبة إلى حد كبير منذ استيلاء السيسي على السلطة في عام 2014.

 

اختناق سياسي

ولكن قد يكون هناك سبب لهذه النافذة الديمقراطية الصغيرة أكبر من مجرد توفير بعض الهواء المطلوب بشدة لهؤلاء الذين يختنقون سياسيا، ففي نهاية المطاف، لا يبالي النظام عادة بالآثار الخانقة للقمع الوحشي، فهو منشغل بضرورة ضمان فعاليته.

وأشار التقرير إلى أن رد فعل الحكومة قد يكون مثالا على لعبة الجوجيتسو السياسية، حيث أنها تشجع على زخم النقد في بعض المجالات حتى تتمكن في نهاية المطاف من إسقاط الهدف الحقيقي، وفي هذه الحالة، سيكون هذا الهدف هو خطط النظام للتغيير الإستراتيجي والأساسي في قطاع التعليم. بدلا من ذلك، تحول المصلحة العامة إلى المسائل التكتيكية، مثل تحسين تدريب المعلمين، وتوسيع استخدام أجهزة الكمبيوتر اللوحية، ودور القرآن في تعليم اللغة العربية، وهلم جرا.

وتابع "ما ينقص بشكل كبير من النقاشات التي تحظى بتغطية إعلامية جيدة، سواء في وسائل الإعلام أو في البرلمان، هو نية حكومة الانقلاب الواضحة لإعادة تخصيص الموارد من التعليم العام إلى التعليم الخاص، وتمكين الجهات الفاعلة من غير وزارات التعليم والتعليم العالي لتصميم التعليم والإشراف عليه، ومن بين الجهات الرئيسية التي يكلفها النظام بهذه المهام التعليمية، الجيش ومختلف الهيئات التي تتبع السيسي، بما في ذلك صندوق الثروة السيادية".

ولفت التقرير إلى أن قضية التعليم تعكس إستراتيجيات النظام الأوسع لتهميش وتقليص الخدمة المدنية؛ خصخصة الخدمات العامة والشركات المملوكة للدولة؛ تمكين الأفراد والمؤسسات في ذروة النظام العسكري على الخدمات العامة والقطاعات الإنتاجية من الاقتصاد؛ وتسهيل اتساع فجوة التفاوت وكل هذا يتم باسم التنمية.

وهذا النموذج السلطوي الإقصائي يهدد بطبيعة الحال برد فعل من أولئك المهمشين من قبله، وبالتالي يجب أن تقترن بتعزيز القدرات على ردع أو احتواء مثل هذه ردود الفعل، التي تتجلى في تعزيز قوات الأمن إلى جانب التجاهل الوحشي لحقوق الإنسان.

وتتجلى هذه التدابير الاحترازية أيضا في تقسيم البلاد جغرافيا إلى مجتمعات محلية  يقطنها المستفيدون من النظام من جهة، ومن جهة أخرى، المناطق الحضرية والريفية البائسة التي يسكنها المعزولون  في بعض الحالات، حرفيا تماما عن إمدادات المياه والكهرباء  الذين يتركون إلى حد ما لآليتهم الخاصة، فالأغلبية الساحقة من هؤلاء يشتغلون في العمل غير الرسمي، ويفتقرون إلى التعليم والمهارات والصلات اللازمة لتأمين وظائف دائمة بعقود.

 

شبكة طرق للسيطرة على المناطق المتمردة

وتشكل هذه المناطق المهمشة تهديدات كامنة للنظام القائم، ولذلك يولي اهتماما كبيرا لمراقبتها، وللمراقبة البدنية إذا لزم الأمر. ومن أمثلة هذه الأخيرة الطرق السريعة التي بنيت مؤخرا وتشق طريقها عبر المناطق الحضرية ذات الكثافة السكانية العالية، والتي يبدو أنها صممت على غرار شوارع الإمبراطور نابليون الثالث التي صممها البارون هوسمان في القرن التاسع عشر، كما أنها أتاحت وصول الشرطة والجيش إلى الأحياء التقليدية المتمردة تاريخيا في المدينة.

ومن المفترض أن يعمل معادلها المصري المعاصر على تسهيل حركة المركبات المدرعة، وبالتالي التغلب على مشكلة الوصول التي أربكت السلطات عندما حاولت إخضاع المتظاهرين في عام 2011.

إن تداعيات السيسي ونموذج التنمية العسكرية عميقة، خاصة في مجال التعليم، وكان التوسع في التعليم العام عنصرا حيويا في العقد الاجتماعي للرئيس السابق جمال عبد الناصر، وفي زراعته لطبقة متوسطة، وفي جهوده لبناء مصر مستقلة اقتصاديا.

إلى حد كبير، ألهمت ذكريات تلك الحقبة، وآمال مستقبل مماثل، المادة الدستورية للعام 2014. ومع ذلك، لا تتماشى هذه الآمال مع نموذج تطوير السيسي.

 

علامة مائلة

إن مؤشر البنك الدولي لرأس المال البشري، الذي تم إنشاؤه حديثا، والذي يضم مزيجا من تدابير التعليم والصحة، هو مظهر من مظاهر الرأي السائد بأن رأس المال البشري، والذي يعد التعليم بالنسبة له حيويا، لا يقل أهمية عن رأس المال المالي من أجل النمو، وعلى ذلك المؤشر، سجلت مصر مستويات متدنية للغاية.

يتلقى أي طفل أو فتاة مصرية ما يقرب من 11.5 سنة من الدراسة بحلول عيد ميلاده الثامن عشر، وإذا صحح الأداء وفقا لقياسه باختبارات موحدة عالميا، فإن "سنوات الدراسة المعدلة وفقا للتعلم" لا تزيد إلا قليلا عن نصف تلك السنوات، عند 6. 5 سنوات، ما يعني أن نصف الوقت الذي يقضيه الطالب المصري العادي في المدرسة تقريبا يهدر.

ووفقا لهذه "الدرجات الموحدة للاختبارات" يبلغ عدد الطلاب في مصر 356 على مقياس يمثل فيه 625 درجة متقدمة، ويمثل 300 درجة الحد الأدنى ، وهو أدنى درجة مسجلة مقاسة في شمال أفريقيا، وبحسب هذا المؤشر فالولد الذي يولد في مصر اليوم سيكون مثمرا بنسبة 49 في المئة عندما يكبر بقدر ، ما يمكن أن يكون إذا تمتع بالتعليم الكامل والصحة الكاملة، وقد صنف المنتدى الاقتصادي العالمي مؤخرا مهارات خريجي مصر في المرتبة 133 من أصل 141 دولة تم تقييمها.

ومن المرجح أن تزداد الأمور سوءا بالنسبة للتعليم العام، ولو كان ذلك فقط بسبب حجم التحدي، ويلتحق سنويا حوالي مليوني طالب بالمجموع الحالي وهو 26.3 مليون طالب يدرسون في المدارس العامة و 2.5 مليون يذهبون إلى المدارس الخاصة ، بزيادة كلية نسبتها ثمانية في المائة سنويا.

وقد ارتفع متوسط كثافة الفصول الدراسية في المدارس العامة من 46 طالبا في عام 2015 إلى 55 طالبا اليوم، ويوجد في بعض الفصول أكثر من 100 طالب، وقال عبد الحافظ طايل، الذي يقود المركز المصري للحق في التعليم، مؤخرا لـ"المونيتور" إنه "يجب بناء 20 ألف مدرسة أخرى لمعالجة هذه المسألة".

 

العام في مواجهة الخاص

وفي الوقت نفسه، تخصص 85٪ من ميزانية وزارة التربية لرواتب المعلمين. فهناك 1،17 مليون معلم في النظام العام، أي أقل بنحو ربع مليون معلم من العدد المطلوب، ويعزى ذلك إلى زيادة أعداد الطلاب وحالات تقاعد المدرسين، إلى جانب عدم وجود عقود دائمة لجذب مقدمي الطلبات، حيث إن عقود العمل بدوام جزئي تدفع مبالغ منخفضة تصل إلى 20 دولارا شهريا.

فالطلاب، حتى من الأسر الفقيرة نسبيا، يتسربون، تاركين المدارس العامة لمجموعة واسعة من المدارس الخاصة، ومن المفترض أن يكون هذا التحول أكثر درامية، إذا كان المزيد من الآباء يملكون الوسائل اللازمة. لكن الآثار الاقتصادية لجائحة كوفيد-19، مقرونة بالركود الاقتصادي الأوسع، أدت إلى حركة متخلفة كبيرة نحو المدارس العامة، حيث تضطر الأسر إلى الاقتصاد.

وقال التقرير إن "الندرة النسبية للموارد الحكومية المخصصة للتعليم العام تتناقض بشكل صارخ مع السخاء الممنوح للقطاع الخاص، فعلى سبيل المثال، وضع صندوق الثروة السيادية خلال العام الماضي أكثر من نصف مليار جنيه مصري 27 مليون دولار أميركي في حساب التعليم من أجل الربح الخاص ببنك "إي إف جي هيرميس"، الذي يستثمر في بناء وتشغيل المدارس الخاصة.

وتقدر حكومة السيسي أن يبلغ الاستثمار في المدارس الخاصة خلال عام 2022 حوالي 8.9 مليار جنيه مصري أي481 مليون دولار أميركي، مقابل 6.5 مليار جنيه (351.82 مليون دولار) للمدارس الرسمية. وكما أشار المحلل محمد رمضان، فإن هذا يعني أن 10 بالمائة من طلاب التعليم الخاص يتلقون استثمارات في بناء المدارس أكثر من 90 بالمائة من الطلاب في المدارس العامة، وقد ذهب شوقي إلى حد الطعن في الحكم الدستوري المتعلق بالتعليم المجاني، وأن هذا المبدأ يحتاج إلى إعادة النظر.

وأضاف التقرير أن مصر السيسي تهدف إلى تقسيم السكان إلى كوادر وناخبين من ناحية، وأولئك الذين تركوا وراءهم من ناحية أخرى، ويهدف إصلاح النظام التعليمي إلى تيسير هذا التشعب.

في حين أنه قد يخلق نخبة متعلمة بشكل معقول قادرة على أداء المهام الفنية المخصصة لهم من قبل الحكومة، إلا أنه سيخلق حتما أيضا مجموعة كبيرة من البروليتاريين غير المتعلمين وغير المجهزين، معدل المشاركة في القوى العاملة، عند 42 في المائة، منخفض للغاية بحيث لا يدفع النمو الاقتصادي واسع النطاق.

ووفقا لمجلة الإيكونوميست، فإن أكثر من 80 في المائة من البالغين في سن العمل ، إما يجلسون في المنزل أو يكدحون في وظائف منخفضة الأجر وغير آمنة، ومن المرجح أن يؤدي النظام التعليمي المنقسم على نحو متزايد إلى مزيد من الضغط على مشاركة القوى العاملة في مواجهة النمو السكاني والركود الاقتصادي.

ومن المحتم أن تشتد العداوات بين القلة المفضلة والكثيرين غير المفضلين، ويراهن النظام على أن قواته القسرية، إلى جانب الدعم الموالي من المستفيدين من سخائه، ستكون قادرة على الوقوف ضد أي وجميع المنافسين، بما في ذلك أولئك الذين ينحدرون من المدارس العامة البائسة في البلاد، هذا رهان محفوف بالمخاطر.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/egypt-public-education-neglected-backing-private-schools