لو لم يفعل المنقلب السفيه السيسي إلا تلك الكارثة في إهدار حقوق مصر المائية وترك أثيوبيا تعبث بمياه النيل كيفما تشاء في استخفاف غير مسبوق بمصر، لكفت قيادات الجيش الوطنيين ومن بيدهم القوة بمصر لإزاحة السيسي من منصبه ومحاكمته ، على ما فرط في حقوق مصر المائية ، ناهيك عن التفريط في جزيرتي تيران وصنافير للسعودية وأكثر من ضعف مساحة الدلتا في مياه البحر المتوسط لليونان وقبرص وإسرائيل ، ورغم ذلك يخرج السيسي ويؤكد أنه لم يخن ولم يكذب ولم يخادع.
وليس أقل من تلك الخيانات سوى إصراره المشين على بيع شركات القطاع العام الرابحة، والتي تمثل خطورة على الأمن القومي المصري، كشركة فحم الكوك والحديد والصلب والألومنيوم وشركات الشحن البحري بالبخس للإماراتيين والخليجيين وإسرائيل بالوكالة.
ثماني سنوات عجاف
وعلى مدار ثماني سنوات من العصف بحقوق مصر المائية وبخنوع غير مسبوق من قبل نظام السيسي العسكري، الذي طنطن أكثر من مرة مطمئنا المصريين، بأن الأسد محدش يقدر يأكل أكله، واصفا نفسه ونظامه بأنه أسد، حتى أثبتت الأيام أنه أقل من نعامة، لا يستطيع ردع أثيوبيا المعتدية على مصر في أكثر من 11 قضية متعلقة بسد النهضة وفق ما كتبه وزير الري والموارد المائية المصري السابق نصر علام، على تويتر، معددا أن أثيوبيا خالفت قواعد الأمان في بناء السد، وأن الدراسات الدولية التي أُجريت على مشروع السد لم تستوفِ حدود الأمان البيئي والجغرافي، وحولت مياه النيل من نهر دولي إلى ممر ملاحي تتحكم فيه، بجانب إهدار أكثر من 305 من حصة مصر المائية سنويا خلال سنوات البناء، والتحكم في كل حصة مصر والسودان بعد التشغيل، وتحويل النيل لمجرد بحيرة أثيوبية.
ورغم ذلك ما زال السيسي يراهن على التفاوض، والحلول الهلامية من عينة "والله والله والله ما هضر مصر" ومن عينة "اطمئنوا لا تقلقوا ، أنا ما ضيعتكوا قبل
كدا ، مش هضيعكوا" ورغم مطالبات الوطنيين والخبراء بتنفيذ عملية عسكرية ضد سد النهضة أو تخريبه، لإجبار أثيوبيا على التفاوض الجاد مع مصر والوصول لاتفاق ملزم ، يحفظ على مصر حقوقها المائية التاريخية، أو تفادي الأضرار بحصة مصر المائية، ورغم تكديس السيسي ونظامه المغرم بعمولات صفقات السلاح ، أنواع السلاح المختلفة من ألمانيا وإيطاليا وأمريكا وفرنسا وروسيا، إلا أن السيسي لا يجرؤ على اتخاذ القرار العسكري، لأنه يخشى على كرسيه في الحكم، كما يحشى مقربوه من العسكريين من ضياع استثماراتهم واقتصادهم وشركاتهم التي تدر عليهم أموالا طائلة وأرباحا غير مسبوقة معفاة من الضرائب والرسوم والجمارك، وهو ما يضيع حقوق مصر ويعطش شعبها، ويحول أراضيها إلى صحراء جرداء.
إثيوبيا تهين المصريين
ومع تضعضع موقف مصر من أثيوبيا، التي رفضت تقديم أي وعود بالتزامات تطلبها مصر قبل الملء الثالث لسد النهضة، الذي يبدأ منصف يونيو الجاري وينتهي في أغسطس وفشل جولة المفاوضات الأخيرة بالإمارات، ورفض أثيوبيا وقف البناء في السد، كشفت مصادر مقربة من داخل النظام المصري لوسائل إعلام عربية، أن هناك تفكيرا رسميا مصريا في أحد السيناريوهات المطروحة للتعامل مع أزمة السد، وهو شراء المياه من أديس أبابا، يأتي ذلك فيما قالت مصادر مطلعة على جلسات التحضير للحوار السياسي الذي دعا إليه السيسي أخيرا، إن "الدائرة المقربة من السيسي والمشرفة على الحوار المفترض، رفضت فكرة أن يكون الحديث عن أزمة السد أحد محاور هذا الحوار".
وقال المصدر الفني المصري إنه "تم أخيرا إعداد رؤية شاملة بمشاركة من جهات معنية عدة، كان من بين سيناريوهاتها، فكرة شراء المياه من إثيوبيا، ضمن الحلول المقترحة على المدى الطويل، وإعداد تصورات واضحة بحجم التكلفة الخاصة بمثل تلك الخطوة، مقارنة بعملية تحلية المياه من أجل أغراض الشرب، بخلاف التكلفة الخاصة بعمليات إعادة تدوير مياه الصرف الزراعي للاستخدامات الخاصة بالري".
ولطالما حرص السيسي في كل مناسبة أو لقاء مع أي مسؤول أفريقي أو دولي، على ذكر أزمة سد النهضة الإثيوبي، والتأكيد على تمسّك مصر بضرورة التوصل لاتفاق قانوني شامل وملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، حتى أصبح ذلك الحديث مجرد "ديباجة" ومحفوظات يرددها أكبر مسؤول مصري من دون صدى على أرض الواقع.
وكانت آخر تلك التصريحات، خلال لقاء السفاح السيسي وزيرة الخارجية التنزانية ليبراتا مولامولا، الخميس الماضي، إذ شدد، حسب بيان صادر عن مؤسسة الرئاسة، على موقف مصر الثابت بالحفاظ على أمنها المائي وعلى الحقوق التاريخية المكتسبة في مياه النيل، وذلك من خلال التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، على نحو يصون حق الأجيال الحالية والقادمة في مياه النيل، المصدر الأساسي للمياه لمصر".
الملء الثالث للسد
فيما لا تبدو هناك أي مؤشرات على تحركات مصرية إزاء إصرار أديس أبابا على الملء الثالث، حيث تستعد إثيوبيا للملء الثالث للسد مطلع يوليو المقبل، وسط توقعات بأنه سيكون أكبر من الملئين الأول والثاني.
وأثارت تصريحات السيسي في المعرض والمؤتمر الطبي الأفريقي الأول، الذي انعقد أخيرا بمنتجع شرم الشيخ ، حالة من الاستياء الشعبي، وفي الأوساط السياسية المصرية، إذ شدد وقتها على استبعاد الحلول العسكرية من أجل الحفاظ على حصة مصر من مياه النيل.
وقال "لم ندخل في صراع مع أشقائنا الأفارقة من أجل زيادة هذه الحصة، عملنا على تعظيم مواردنا والحفاظ على كل قطرة مياه من دون مبالغة، من أجل مواجهة التحدي، وهو فرصة وليس عائقا، لذا عملنا على برامج لمعالجة المياه معالجة ثلاثية متطورة".
وذلك مع العلم بأن تكلفة كل مليار متر مكعب من المياه، يسلب من مصر ما يقدر بنحو مليار دولار، تنفقها مصر على تحلية مياه البحر أو مياه الصرف الزراعي أو الصحي.
وذلك على الرغم من تعاظم الأزمة المالية بمصر، إثر ارتفاع خدمات الديون لأكثر من 110%، أي أن إجمالي إيرادات مصر لا تكفي سداد فوائد الديون، حيث تقدر فوائد الديون السنوية نحو 87 مليار دولار فيما إجمالي الدخل القومي 81 مليار دولار سنويا ، ورغم ذلك يُدخل السيسي مصر في نفق ومتاهة العطش ودفع الأموال مقابل المياه، وهو بدوره ما سيرفع أسعار مياه الشرب ومياه الري أيضا، ويفاقم أزمات المصريين.
وهو ما يمثل قمة الخزي السياسي لمصر أمام أثيوبيا، والتي ستنعكس على الأجيال القادمة والأمن القومي المصري، إذ ما زال السيسي يراهن على التصريحات والتحركات الدبلوماسية التي ثبت فشلها، بينما تتقدم أثيوبيا على الأرض باستمرار الإنشاءت والتخزين، بل إن السيسي تسبب في تراجع الدعم الأوروبي والأميركي أخيرا للموقف المصري، بينما الإثيوبيين كانوا أقدر خلال الفترة الماضية على عرض ملفهم على القوى الأوروبية الكبرى، بالشكل الذي خفض حماسة بعض الدول في تبني الضغوط على حكومة أديس أبابا.
وخلال الفترة الماضية شهدت لقاءات قام بها مسؤولون فنيون ودبلوماسيون رفيعو المستوى من إثيوبيا، مع مسؤولين غربيين، وطرحوا عليهم القضية من المنظور الإثيوبي ، وهو ما شجع عددا من القوى الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا، على إدخال تعديلات جوهرية على موقفها بشأن الأزمة وتبني موقف أقرب للمحايد الذي يتبنى دورا تحفيزيا للجلوس واستكمال المفاوضات، بعدما كان يميل أكثر لتبني نهج الضغط على أديس أبابا للتراجع عن بعض الخطوات المتعلقة بالسد.
يشار إلى أنه وسط العجز المصري عن تحقيق أي تقدم يذكر في ملف السد، أكد الجمعة الماضية المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية دينا مفتي، أن ملء السد للمرة الثالثة سيتم في موعده هذا العام، مضيفا قلنا منذ بدء بناء السد، إن المحادثات الثلاثية ستستمر".
بدوره، أشار مدير مشروع السد، كيفلي هورو، في تصريحات صحفية له أخيرا، إلى احتمال تضرر مصر والسودان من عملية الملء الثالث ، وإن إثيوبيا لن تسمح بوقف تشييد هذا المشروع، ولن تفعل ذلك ولن تسمح بتعطيله، داعيا القاهرة والخرطوم إلى التحلي بالعقلانية".
وهو ما يؤكد فعلا مقولة أن الأسد لا يأكل طعامه أحد، ولكن من هو الأسد أثيوبيا السائرة في طريقها نحو مشروعها؟ أم السيسي الخائر الخائن الذي يكلف ميزانية مصر مليارات الدولارات لشراء المياه من أثيوبيا؟