يرى المحلل السياسي يزيد الصايغ، أن  مشكلات مصر المستعصية لا سيما في الملف الاقتصادي قد تجبر المؤسسة العسكرية على الانسحاب من المشهد السياسي والتخلي عن السلطة.

يقول الصايغ في مداخلة على قناة "مكملين" مساء السبت 18 يونيو 2022م، مع الإعلامي أسامة جاويش: «في الدستور المعدل عام 2019 حصلت القوات المسلحة ولأول مرة في تاريخ الجمهورية على حق التدخل للحفاظ على هوية البلاد والدستور والنظام السياسي، دون العودة إلى أي جهة مدنية أو دستورية أخرى، وهذا أعطاها "حق التدخل كحق دستوري" وهذا نموذج لما حصل في تركيا عندما استولت القوات المسلحة التركية على الحكم عام 1980»، لكنه يستدرك: «قد يأتي يوم تريد فيه القوات المسلحة أن تخرج من هذا الدور المباشر في إدارة الحياة اليومية في مصر، ويبدو أن هناك حوار داخلي بين المؤسساتيين (الأشخاص الذين يفضلون أن تزيد القوات المسلحة من قدرتها المهنية والأمنية ولا يفضلون التدخل إلى هذا الحد لا في السياسة أو الاقتصاد) بهذا الشأن».ويضيف : «قد تأتي شريحة هامة من كبار الضباط تطالب بتعديل المسار، بعودة المدنيين لاستلام الحكومة وإدارة شؤون البلاد الاقتصادية واليومية، وإزالة هذا العبء الثقيل عن القوات المسلحة».

وحول هذا السيناريو، أشار إلى أن مصر إذا دخلت إلى "النفق الضيق" كما اليوم من مشكلات مالية متنامية بسرعة، قد تجد نفسها في وضع أن اعتمادها على الديون الخارجية وتعرضها للضغوط الخارجية قد تصل لنقطة لا يستطيع فيها السيسي سوى القيام بإعادة النظر في سياسته الاقتصادية والاستثمارية، وهذا يعني حكما إعادة النظر في دور القوات المسلحة، وفتح المجال للقيادات العسكرية المصرية للبدء بحوار داخلي حول إعادة اصطفاف الأولويات ونقل المسؤوليات إلى وزارات مدنية.

ويرى الصايغ، أن جزءا من صفقات الأسلحة الكبرى التي عقدها السيسي مع فرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا والولايات المتحدة لها طابع سياسي خارجي، وهو إظهار استقلالية القرار المصري أمام واشنطن، وقدرتها على أن تلتفت لروسيا كمصدر للسلاح حتى لا يتعرض النظام لأي ضغط سياسي أمريكي حول قضايا حقوق الإنسان أو الديمقراطية أو الانفتاح الاقتصادي وغيره، كما الأمر ذاته مع دول مع أوروبا رئيسية. وأما على صعيد البعد السياسي الداخلي لهذه الصفقات، أوضح الصايغ أن الهدف منها إقناع سلك الضباط في القوات المسلحة بأنها تتمتع بالقدرة المهنية بما في ذلك تنوع السلاح، وأن السيسي يولي أهمية لها.

وحول بيزنس المؤسسة العسكرية، وتأثير تدخلات الجيش في الاقتصاد المدني على القطاع الخاص في مصر بعهد السيسي، لفت الصايغ إلى أن هناك مؤشرات بيانية من بينها نسبة الاستثمار من إجمالي الناتج المحلي، تشير إلى ضعفها. وأضاف أن القوات المسلحة لديها مزايا خاصة تتيح لها المنافسة بثقة، كما أنه لا يوجد إطار قانوني ينظم الشراكة ما بين شركة عسكرية وأخرى مدنية مصرية أو أجنبية، وعند حصول أي اختلاف يتحجج الجيش بأنه غير خاضع لأي قانون مدني أو محاكم مدنية، مؤكدا أن هناك رادع أمام الاستثمار المحلي أو الأجنبية بسبب وجود مثل هذه الإشكاليات. وتابع بأن هناك نقلة هائلة جدا في امتلاك القوات المسلحة في عهد السيسي لما يقارب ربع القطاعات الاستراتيجية منها الأسمنت والحديد والصلب وغيرها، وبالتالي فإنها عمليا تنتج وتشتري من نفسها، وعليه تغلق حجم كبير من السوق على المنافسين من القطاع الخاص. وينتهي في هذه النقطة إإلى أن السيسي منذ سيطرته على الحكم في مصر، يعتمد على القوات المسلحة لتكون رأس الحربة في استراتيجياته الاقتصادية والاستثمارية.

 

المشكلة الاقتصادية

ويؤكد الصايغ أن مصر تعاني من مشكلات اقتصادية واجتماعية من فقر وضعف في الاستثمار سواء الأجنبي أو المحلي، وضعف في الانتاج ومعضلات أخرى متفاقمة من سنوات طويلة. لافتا إلى أن النظام قادر على إظهار معدلات نمو إجمالية عالية في ظل معادلة قائمة على دعم خارجي خليجي، واستدراج البنك المركزي المصري الأموال من خلال عرض فوائد مرتفعة جدا. لكنه يتحفظ على هذه الأرقام الإجمالية مؤكدا أن النمو الإجمالي في الانتاج المحلي وحجم الودائع بالعملة الصعبة ليس دليلا حقيقيا على الواقع الاقتصادي أو المشكلات الاجتماعية العميقة والتي تزداد عمقا، مشيرا إلى أن الاستراتيجية الاستثمارية والاقتصادية للسيسي غير قادرة على معالجة المشكلات الاجتماعية والاقتصادية في مصر. وأوضح أن معدلات الفقر ازدادت في السنوات التسع الماضية، ومعدلات الاستثمار المحلي من القطاع الخاص والأجنبي تتراجع منذ عام 2017، كما أن مصر تعتمد بشكل كبير على الإيداعات المالية من المصادر الخارجية سواء من خلال شراء سندات حكومية أو القروض.

كما تعاني مصر من ضعف استثمار القطاع الخاص في مصر. ويعزو الصايغ ذلك إلى أن مصر في ظل حكم السيسي تعاني من ضعف في استثمار القطاع الخاص سواء المحلي أو الأجنبي فيها. وأوضح أن السيسي ناشد مرات عدة القطاع الخاص من زيادة استثماره في البلاد، ولكن دون فائدة، كما أن الاستثمار الأجنبي لا يأتي إلى مصر إلا عبر السندات الحكومية (استثمارات سريعة) أو قطاع الطاقة. ونوه إلى أن 75 بالمئة من إجمالي الاستثمارات الخارجية في مصر عدا عن سوق المال هي في الطاقة، وهذا دليل على أن غالبية المستثمرين الخارجيين لا يستثمروا في القطاعات الأخرى لاسيما الخدماتية.

 

هل يسقط النظام؟

أمام هذه التحديات الكبرى، هل يمكن أن يسقط النظام؟

يجيب الصايغ، بأن القوى الخارجية لاسيما الأمريكية والأوروبية ستواصل الدعم لنظام السيسي، ولكن هذه القوى لاسيما الغربية تواجه إشكالية بسبب الظروف التي مرت بها بسبب جائحة كورونا واضطرارها إلى دعم اقتصاداتها المحلية وحاجتها للتعامل مع الآثار المترتبة على الحرب الأوكرانية.

وحول إمكانية استمرار نظام السيسي في الحكم، رأى الصايغ أنه مازال قويا ومتماسكا في داخل الائتلاف الحاكم. وتابع: «أعتبر النظام المصري ائتلافا بين الرئيس من جهة، وحلفائه من جهة أخرى وهم القوات المسلحة، وهي شريك وليست فقط تابعا له، ووزارة الداخلية والأجهزة الأمنية بشكل خاص، التي لها درجة من الاستقلالية من أجل مصالحها، فضلا عن كبار المدراء في الدولة مثل القضاء والشركات الكبرى التي لها مصالح خاصة».

«هذا الائتلاف الحاكم  ــ وفقا للصايغ ــ نجح منذ الانقلاب في تفريغ وتجفيف الساحة السياسية كليا من كل القوى سواء كانت حزبية أو نقابية أو طبقية أو اجتماعية، كالأحزاب ورجال الأعمال والشرائح العمالية"، كما أن البرلمان المصري أصبح  عبارة عن "دمية متحركة». ويفسر ذلك أنه «عبر التاريخ، أي نظام شمولي أو سلطوي في العالم يحتاج دائما إلى حلفاء في المجتمع مثلما كان الحال مع ستالين أو هتلر أو صدام حسين مع الاختلافات الكبيرة بينهم». وينتهي إلى أن «المشكلة في مصر أن عملية تفريغ المشهد السياسي من أي قوى ذات مصداقية لا تعتمد على الدولة ولا على الرئيس بشكل زبائني أو نفعي، حتى الأحزاب التي كان يتفق معها السيسي لم يعد لها مكان فعلي، ما يعني استحالة أي انتقال سلمي للسلطة، حتى إلى المتعاونين مع النظام».

 

 

 

Facebook Comments