لم يكن أي خبير أو اقتصادي أو سياسي متابع لما وصلت إليه مصر من إفقار للمواطنين وتراجع مستوى الخدمات المعيشية بهذا لشكل، ثم تأتي الموازنة الجديدة دون إصلاح الخلل القائم ومعالجة الأزمات ، لكن نظام السيسي الذي بات لا يأبه بالمواطنين والشعب المصري ، يصوغ موازنة كارثية تزيد الفقير فقرا وتعجل بموت المرضى وإفلاس المصريين وتحولهم لمجرد شحاذين ومتسولين في بلدهم، بينما ينعم بالمزايا كل من ارتبط بالسيسي ودائرته من النواب والمستشارين والوزراء ومساعديهم ورؤساء الهيئات الاقتصادية ومحاسيب النظام.

ووفق تعليقات عدد من النواب الذين أعلنوا خلال اليومين الماضيين رفضهم للموازنة الجديدة 2022/2023، ليكشف الكثير من أوجه العوار الدستوري والقانوني والاجتماعي والاقتصادي الذي تصر دائرة السيسي على دفع مصر نحوه.

وكان واضحا حجم الكارثة التي تسير نحوها مصر، إثر توجه الحكومة للاقتراض ومرتبات عدد من العاملين بالمؤسسات العامة.

ووفق تعليقات النائب ضياء الدين داود فإننا أصبحنا نعمل لدى «الديانة» أصحاب الديون فهم من يكبدون الشعب العناء حاليا، مضيفا أننا أمام موازنة جديدة أقل ما توصف به أنها «خطة اقتصادية تعيسة» تشهد على عجز الحكومة عن معالجة المشكلات الهيكلية للاقتصاد المصري.

 

كارثة فساد بهيئة الانتخابات

 

 وأوضحت أرقام الموازنة أن العاملين بالهيئة الوطنية للانتخابات، يحصلون على أرقام طائلة في حين أن الشعب يتم إنهاكه من كثرة التقشف، إذ يتقاضون البنود التالية ، بدل جهود غير عادية كل ثلاثة أشهر بـ30 ألف جنيه، وبدل جهود غير عادية في شهر رمضان بـ36 ألف جنيه، وجهود غير عادية في عيد الفطر تقدر بـ36 ألف جنيه لكل عضو.

بل إنهم في شهر يونيو يحصلون على بدل  يقدر بـ20 ألف جنيه، أما في شهري يوليو وأغسطس فيحصل كل عضو على  72 ألف جنيه عن كل شهر لكل عضو، وكل تلك الأموال في بلد تقترض بهذا الشكل.

ويرى مراقبون أن تلك المكافآت والبدلات لأعضاء هيئة الانتخابات الذين يتوقف عملهم عند إجراء انتخابات كل 4 سنوات أو 6 وفق تعديلات الدستور، إنما بمثابة إرضاء ولغض الطرف عن أية مخالفات قد تحصل في العملية الانتخابية، وتمثل الأموال وسيلة لإسكات أعضاء لجنة الانتخابات.

 

 

كارثة القروض

 

وتحمل الموازنة العامة للدولة عجزا  يقدر بنصف تريليون ومعدلات غير مسبوقة للاستدانة، مما جعلنا نصل لاستبدال القروض بأصول الدولة.

 

وكشفت الصفحة 218 من البيان المالي للحكومة، عن عجز فادح يحدث لأول مرة في تاريخ البلاد، حيث حجم الاقتراض أعلى من الإيرادات، حيث نجد أن الإيرادات بلغت 1513 مليار جنيه، فيما نقترض 1517 مليار جنيه.

وتأتي الموازنة في ظروف صعبة، والعجز يأتي لأننا بدأنا هذا العام في تسديد ديون الأقساط السابقة، سنسدد تريليون جنيه أقساط سابقة، وكل عام سيزداد هذا الرقم تلقائيا، والدين الإجمالي تخطى 8000 مليار جنيه، أكثر من خمسة تريليون جنيه منها دين داخلي، و150 مليار دولار دين خارجي، فيما يجري الاقتراض دون ضوابط، إذ

أنه منذ خمس سنوات فقط كانت تبلغ تلك الديون ثلث هذه الأرقام، في حين أن الضرائب المستمرة على المواطنين وصلت إلى 77% من إيرادات الموازنة، بزيادة 5% عن السنة السابقة، أي أن المواطن هو من يتحمل التكلفة الحقيقية للاقتراض المستمر، لأن الحكومة تصر على نفس الأنشطة الخاسرة.

وتمثل أرقام الديون وحجم الضرائب المفروضة على المواطنين، قمة الفشل الاقتصادي لخطة الإصلاح الاقتصادي التي تتشدق بها دولة السيسي، في كل أزمة  ولولاها لكانت الأوضاع أشد سوءا، وذلك خلال أحاديث السيسي ورئيس وزرائه ووزرائه خلال أزمات كورونا والحرب الروسية الأوكرانية.

ولعل الأشد كارثية من فشل الإصلاح الاقتصادي، هو سفه نظام السيسي في مشاريعه، إذ خصصت الحكومة 50 مليار جنيه لإنشاء المونوريل، فيما خصصت لإصلاح التعليم 19 مليار جنيه.

 

 إن عدد المستشارين والخبراء الذين تستعين بهم الحكومة وما يتقاضونه من مرتبات، يتطلب تدخل الجهات الرقابية لرصد تلك الميزانيات والوقوف على أعداد هؤلاء المستشارين، خاصة في ظل نزيف لا يتوقف للهيئات الاقتصادية الخاسرة، وغياب خطط ترشيد الاقتراض.

وفي الوقت الذي تسعى دول أفريقية مماثلة لمصر لتوطين الصناعات وإنجاز تنمية حقيقية، كالمغرب التي وطنت صناعة السيارات خلال العشر سنوات الأخيرة، وباتت تصدر نحو 400 ألف سيارة سنويا لنحو 76 دولة بالعالم، فيما مصر لا تمتلك مصانع أو شركات حقيقية ، و لا وجود لخطة حقيقية لتنمية الاقتصاد وتقليل الاستدانة ، بل تبيع مصر الشركات الرابحة لسداد الديون وليس بناء استثمارات حديثة.

 

 

وتضمن مشروع موازنة الدولة عن السنة المالية الجديدة (2022-2023)، والتي قدرت الحكومة اعتماداتها بنحو 3 تريليونات و66 مليارا و300 مليون جنيه، موزعة ما بين المصروفات بنحو تريليونين و70 مليارا و900 مليون جنيه، ومتطلبات حيازة الأصول المالية البالغة بنحو 30 مليار جنيه، وسداد القروض المحلية والأجنبية بنحو 965 مليارا و500 مليون جنيه، مع ملاحظة أن خدمة الدين (أصله مع فوائده) تقضم 102.5% من الإيرادات العامة.

 

 

كما أن الموازنة الجديدة خصصت مالية كبيرة للمستشارين في الوزارات، وبنودا للمكافآت والدعاية تصل إلى مليارات الجنيهات، بدلا من دعم المواطنين البسطاء الذين يعيشون تحت خط الفقر.

ويكمن الخطر، في أنه في الوقت الذي تتراجع فيه الاستثمارات الفعلية ، وتغيب خطط الحكومة لتطوير الزراعة والصناعة والإنتاج وتعظيم التصدير،  تتجه الدولة لبيع الأصول، ما يجرد الوطن والمواطن من إمكاناته الاقتصادية لأجيال قادمة.

حيث تلجأ الحكومة إلى تصفية المصانع والشركات المملوكة للدولة، بدلا من العمل على تطويرها بتغيير مجالس إداراتها أو إشراك القطاع الخاص في التطوير.

وهو ما يمثل قتلا للمستقبل ووأدا للمواطنين والحكم النهائي عليهم بالعوز والإفقار.

Facebook Comments