رغم الدعاية الانقلابية التى لا تتوقف عن تمكين القطاع الخاص إلا أن تقارير اقتصادية كشفت عن تراجع القطاع الخاص في مصر وانكماشه في زمن الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي بسبب سيطرة الجيش على المشروعات الكبيرة.
كانت بيانات رسمية حديثة قد كشفت أن نشاط القطاع الخاص غير النفطي في مصر، سجل أكبر انخفاض له منذ سنتين في يونيو الماضي، مؤكدة أنه انكمش بوتيرة أسرع مع تراجع معدل الطلب بسبب الضغوط على جانب العرض، إضافة إلى ارتفاع التضخم وانخفاض قيمة الجنيه المصري مقابل الدولار.
وأشار مؤشر مديري المشتريات الصادر عن شركة "ستاندرد أند بورز جلوبال" إلى انخفاض المؤشر إلى 45.2 نقطة، من 47 نقطة في مايو الماضي، وهي أدنى قراءة منذ يونيو 2020، ليواصل النشاط تراجعه للشهر التاسع عشر على التوالي.
يأتى ذلك فى وقت أعلنت فيه حكومة الانقلاب عما اسمته "وثيقة ملكية الدولة" التي نُشرت مؤشراتها في يونيو الماضي، والتى تزعم خلالها أنها تعمل على زيادة نسبة القطاع الخاص في الاقتصاد من 30 بالمئة حاليا إلى 65 بالمئة في 3 سنوات، وهي الرؤية التي شكك خبراء الاقتصاد في تنفيذها، خاصة في ظل تغول القطاع الخاص الأجنبي بدعم من السيسي .
مندوب الاتحادية
حول أسباب تراجع القطاع الخاص قال الخبير الاقتصادي علي عبد العزيز: الاقتصاد المصري بشكل عام يعاني منذ سنوات بسبب سيطرة الجيش على العديد من القطاعات ومنافسته الشديدة للقطاع الخاص.
وأضاف عبد العزيز : قبل القول إن المتغيرات العالمية الجديدة كجائحة (كورونا)، وحرب أوكرانيا، وارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل التوريد العالمية لها تأثيرها السلبي؛ علينا أن نقولها صراحة أن الجيش ومندوبه السيسي بقصر (الاتحادية) يعادون القطاع الخاص.
وأشار إلى أنهم يسعون منذ 2013، للسيطرة على كل المشروعات الناجحة ليحصدوا وحدهم الأرباح، وبالتالي تمتلأ حساباتهم الخارجية بمليارات الدولارات.
وكشف عبد العزيز أن هناك أسباب أخرى يتحمل مسئوليتها أيضا نظام الانقلاب تتمثل في التوسع بالقروض وإهدار مليارات الدولارات (400 مليار دولار على البنية التحتية) والتي يحتكر تنفيذها أيضا الجيش؛ وهذا تسبب فى أننا نجد أنفسنا أمام معضلة توفير الدولار لتلبية احتياجات القطاع الخاص من خامات ومستلزمات ومكونات إنتاج.
وأكدأن أن نظام الانقلاب وضع قيودا على الواردات كشرط الاعتماد المستندي وعدم السماح بتغطية الاعتمادات حتى بعد تغطيتها بالدولار موضحا أن الرقم المقدر منذ فبراير الماضي، لطلبات الاستيراد المتوقفة يزيد عن 20 مليار دولار وذلك مع انخفاض الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي والتي وصلت الى سالب 305 مليارات جنيه، وفي ظل التزامات خارجية قد تتجاوز 15 مليار دولار خلال العام المالي الجديد، وفي ظل ارتفاع الأسعار العالمية والمحلية، وتوقف العديد من الشركات والمشروعات.
وأوضح عبد العزيز أنه من الطبيعي أن ينكمش النشاط التجاري ونقترب من مرحلة ركود مع توقعات بارتفاعات جديدة للدولار، واستمرار سياسات تقليص الواردات؛ وهو ما سينعكس حتما على التضخم ومعدلات التشغيل والصادرات، وهذا يوضح مدى خطورة الوضع الحالي للاقتصاد.
وعن طرق إنقاذ القطاع الخاص في ظل تهميش وبيع القطاع الحكومي وقطاع الأعمال العام، قال عبد العزيز ان إنقاذ القطاع الخاص يحتاج إلى مناخ سياسي جديد، ونظام ديمقراطي يحترم أولويات الشعب، ويحقق التوازن بين السلطات، ويحد من تدخل الجيش والأجهزة الأمنية فى الاقتصاد.
وأضاف: ثم يأتي دور السياسات النقدية والمالية المحفزة للقطاع الخاص من خلال رسم أولويات الاستيراد واستبدال ما يمكن منها بإنتاج محلي وتشجيعها على التصدير مؤكدا أن هذا لا يتم إلا برؤية مالية جديدة تقلل الأعباء المالية، وتوجه إنفاقات الدولة باتجاهات دعم الصناعة والزراعة والإنتاج بشكل عام
صندوق النقد
وحذر الخبير الاقتصادي حسني كحله، من خطورة تراجع القطاع الخاص على اقتصاد البلاد، مؤكدا في الوقت ذاته أن تهميش دور الدولة ليس في صالح نشاط القطاع الخاص، في إشارة لضرورة تكامل القطاعين لصالح الاقتصاد والبلد والمواطن.
وأكد كحلة فى تصريحات صحفية أن تداعي القطاع الخاص وأزماته هي تداعيات طبيعية، نتيجة لاتباع حكومة الانقلاب سياسات اقتصادية مفروضة من صندوق النقد الدولي .
وقال انه لا يوجد حل لكي يستعيد القطاع الخاص دوره بعدما فقد القطاع العام دوره وجرى بيعه، فيما يعرف بالخصخصة موضحا أن تلك الدورة التي يعيشها الاقتصاد المصري ستأخذ مداها وبعد تعاظم ردود الفعل؛ سيأتي الحل.
بالأمر المباشر
وأكد الخبير الاقتصادي إبراهيم نوار تدهور نصيب القطاع الخاص من الاستثمارات الجديدة في مصر خلال الـ 10 سنوات الاخيرة وتراجعه من 64 بالمئة في 2011/2012، إلى 26 بالمئة عام 2020/2021.
وقال نوار عبر صفحته بموقع التواصل الاجتماعى "فيسبوك"ن الأزمة ترجع الى أن دولة العسكر تتوسع على حساب القطاع الخاص، والمنافسة تنكمش مقابل الاحتكار، والسوق تنزوي في ركن ضيق أمام تغول حكومة الانقلاب وإدارة الاقتصاد بالأمر المباشر
ارتفاع الأسعار
وفي سياق تعليقها على التفاوت بين تراجع أداء القطاع الخاص قالت الدكتورة أمنية حلمي وكيلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة للدراسات العليا والبحوث سابقا إن التراجع في أداء القطاع الخاص يعود إلى تراجع المبيعات والإنتاج نتيجة الإحجام عن الشراء وارتفاع أسعار المواد الخام وزيادة تكلفة الإنتاج وتراجع إنتاجية العمال التي تسببت فيها تداعيات جائحة كورونا وسلالاتها الجديدة وكذلك الحرب الروسية الأوكرانية، وكلها عوامل سلبية مؤثرة.
وشددت أمنية حلمى فى تصريحات صحفية على ضرورة أن يعوض التراجع في أداء القطاع الخاص النمو في القطاعين الحكومي والعائلي مشيرة الى أن بيانات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي التى تقول ان الاقتصاد المصري سوف ينمو بمعدلات أكبر ربما تتعلق بالاقتصاد الكلي وليس بالضرورة أن يسير القطاع الخاص بنفس تلك الوتيرة.
واشارت الى أنه مع حجم الإنفاق الانقلابى الكبير، وضخ استثمارات بعشرات المليارات في قطاعات مختلفة من الاقتصاد المصري، خاصة الطرق والكبارى والعاصمة الادارية وسيطرة الجيش على هذه المشروعات كان من الطبيعى أن يتراجع نشاط القطاع الخاص.