في أعقاب مذبحة "ماسبيرو" التي نفذها الجيش ضد المعتصمين الأقباط أمام مبنى التلفزيون "ماسبيرو" يوم الأحد 09 أكتوبر 20114م، والتي أسفرت عن مقتل نحو 25 مصريا وإصابة العشرات، أعلن الدكتور حازم الببلاوي، وزير المالية وقتها في حكومة الدكتور عصام شرف، ونائب رئيس مجلس الوزراء، استقالته من الحكومة احتجاجا على المذبحة.
وكان آلاف الأقباط قد اعتصموا أمام مبنى ماسبيرو احتجاجا على هدم "كنسية المريناب" بأسوان، بينما كان خطاب التلفزيون الرسمي طائفيا حد التطرف تحت رئاسة أسامة هيكل، حيث وصف المعتصمين بالقلة المندسة داعيا المصريين إلى النزول إلى الشارع للدفاع عن اللجيش المصري من اعتداءات الأقباط، وتحت القصف الإعلامي لقي 25 مصريا مصرعهم منهم 10 قتلوا دهسا تحت جنازير الدبابات.
وتقدم الببلاوي باستقالته التي رفضها المجلس العسكري، وخرجت صحف الأربعاء 12 أكتوبر لتتناول خبر استقالة الببلاوي في المانشيتات والعناوين البارزة. وقالت «الأهرام» إن الببلاوي عاد إلى مكتبه بعد لقائه بالمشير لتوقيع عدد من القرارات المهمة. كان الببلاوي قد صرح، الثلاثاء، لعدد من برامج «التوك شو» المسائية، ومن بينها «بلدنا بالمصري» و«العاشرة مساء»، أنه «لم يعدل عن استقالته»، مؤكدًا إصراره عليها رغم رفض المجلس الأعلى للقوات المسلحة قبولها. وحرص الببلاوي على التأكيد أن استقالته «ترجع لأسباب سياسية لا اقتصادية»، متهمًا الحكومة بـ«الفشل في تحقيق أهم واجباتها المتعلقة بتوفير الأمن للمواطن»، واصفا مذبحة ماسبيرو بـ«الأحداث الضخمة والخطيرة».
موقف الببلاوي حينها كان محل تقدير واحترام؛ ذلك أن الدم المصري كله حرام، وما كان للجيش أن يتورط في سفك دماء المصريين على هذا النحو الوحشي؛ فدهس العشرات بجنازير الدبابات هو سلوك إجرام فاشي لا مثيل له ولا يستطيع حتى جيوش الأعداء فعل ذلك.
في أعقاب مذابح رابعة والنهضة ومصطفى محمود والتي نفذها الجيش والشرطة يوم الأربعاء 14 أغسطس 2013م ضد أنصار الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي، أول وآخر رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، صرح الببلاوي أنه يرفض المصالحة ومصافحة الذين تلوثت أيديهم بالدماء. يومها كتب الأستاذ فهمي هويدي مقاله «دم المصريين الرخيص» المنشور بتاريخ الإثنين 19 أغسطس 2013، قال فيه: «لو أن مواطنا بريئا وحسن النية يتابع أخبار مصر من الخارج قرأ تصريحات الدكتور حازم الببلاوى التى أعلن فيها رفض المصالحة ومصافحة الذين تلوثت أيديهم بالدماء، فاننى لا استبعد ان تدفعه براءته إلى إحسان الظن به، متصورا انه سوف يلحق بالدكتور محمد البرادعى، ويعلن استقالته إعرابا عن رفضه فض الاعتصام بالقوة، ومن ثم رفضه مصافحة الفريق عبدالفتاح السيسى وزير الدفاع واللواء محمد إبراهيم وزير الداخلية، باعتبارهما مسئولين عن قتل أكثر من ألف مواطن مصرى حتى الآن، وجرح أكثر من أربعة آلاف. وربما شجعه على ذلك الظن أن الدكتور الببلاوى سبق أن استقال من حكومة الدكتور عصام شرف احتجاجا على قتل بعض الأقباط فى أحداث ماسبيرو. وإذا ما قيل لصاحبنا هذا إن رئيس الوزراء شكر الرجلين وأثنى على دور رجال الشرطة كما قدم عزاءه لأسر شهدائهم الذين بلغ عددهم نحو ستين شخصا (اتضح لاحقا أن الرقم أقل من ذلك بكثير بين صفوف الجيش والشرطة)، فأغلب الظن أنه سيبدى دهشته ويتساءل: ماذا عن دماء الألف الآخرين؟
الخلاصة التى يخرج بها المرء من هذا المشهد ــ حسب هويدي ـ أن الدم المصرى عند أركان السلطة القائمة ليس شيئا واحدا، بحيث أنه إذا كان كل المصريين مواطنين، إلا أنهم ليسوا سواء، فهناك مواطنون مرضى عنهم من ذوى الدم الغالى، وهناك آخرون من المغضوب عليهم دمهم رخيص. وهذا بدوره ليس افتراضا أو افتراء، لأن أحد الصحفيين كتب قائلا إنه ليس كل دم المصريين واحدا، لأن دمهم ــ يقصد الإخوان ــ صار ملوثا بحكم انتمائهم، وبالتالى فإنه لم يعد فى صفاء وطهارة دماء بقية المصريين. مثل هذا الكلام الذى يردد خطاب النازيين يمر على كثيرين ويقبل به وربما أيده البعض، دون إدراك خطورته أو مآلاته، خصوصا تأثيره على التعايش والسلم الأهلى، ثم اننى لا أعرف بالضبط صداه فى أوساط ذوى الدماء الملوثة حين يريدون أن يستردوا اعتبارهم ويدافعوا عن وجودهم.
يضيف هويدي: «أفهم ان شيطنة المخالفين مطلوبة فى الوقت الراهن (أغسطس 2013) ليس فقط لإقصائهم وإخراجهم من الحياة السياسية، وانما أيضا لتبرير اجتثاثهم واقتلاعهم من الواقع المصرى. إذ حين يتظاهر أولئك المخالفون أو ينظمون اعتصاما سلميا فإنه يصبح مطلوبا اتهامهم بالإجرام والإرهاب وممارسة القتل والتعذيب وحيازة الأسلحة الثقيلة والكيماوية وغير ذلك، باعتبار ان الترويج لمثل هذه الشائعات يوفر الغطاء السياسى والقانونى للتعامل معهم بقوة السلاح، لأنه فى هذه الحالة يصبحون فى مواجهة حالة جنائية وليست سياسية، لكن الغلو فى هذا الاتجاه إلى الحد الذى تجرح فيه قيمة المواطنة لدى المخالفين يزرع بذور فتنة كبرى تفتح الباب لشرور لها أول ولا آخر لها.
وينتهي هويدي إلى أن «الدعايات المسمومة التى يروج لها داخل مصر لتمزيق أواصر المجتمع والنيل من إنسانية بعض مكوناته تقابل بالدهشة من جانب السياسيين الغربيين الذين يتوافدون على القاهرة هذه الأيام. ومن يقرأ التقرير الذى نشرته جريدة نيويورك تايمز يوم السبت 17 أغسطس الحالى، وأعده ثلاثة من كبار محرريها، يلحظ تلك الدهشة والاستغراب من المنطق الذى يتحدث به مع الأجانب بعض كبار المسئولين المصريين هذه الأيام، وهو منطق اعتبروه «كارثيا». وقد روى أولئك الصحفيون كيف أن واحدا من أولئك «الكبار» حث ضيفا أمريكيا قدم إلى مصر مؤخرا على عدم مخاطبة الإخوان بحجة انهم لا يحترمون القانون. فما كان من الضيف الأمريكى إلا أن قال له انه ليس بوسعك أن تحاضرنى فى القانون لأنك توليت منصبك من خارج القانون ولم تأت بك أصوات الناخبين».
كانت هذه المذابح الوحشية تحت حكومة علمانية يرأسها حازم الببلاوي ولفيف من قادة جبهة الإنقاذ، عندما فشلوا في الوصول إلى السلطة بأدوات الديمقراطية داسوا عليها وأيدوا انقلاب الجيش الذي تورطوا فيه حتى النخاع، وشكلوا حكومة علمانية فوق ظهور الدبابات، ثم يتحدثون بعد ذلك عن الديمقراطية والدولة المدنية!