«وكم ذا بمصر من المضحكات لكنه ضحك كالبكا» هكذا وصف أبو الطيب المتنبي مصر في أشعاره تعبيرا عن العجائب التي تشهدها هذه البلاد المنكوبة بالطغاة والظالمين. من هذه العجائب مثلا أن نظام الدكتاتور المنقلب عبدالفتاح السيسي يصر على أن تكون الأسعار في مصر مماثلة للأسعار العالمية؛ فالمصري يشتري الوقود والكهرباء والمياه وتذكرة المترو والقطار بالأسعار العالمية ويشتري السلع الغذائية بالأسعار العالمية واشتراكه في الإنترنت أعلى من كل دول العالم التي توفر الإنترنت مجانا وبسرعات هائلة ودون تحديد باقات استخدام. رغم أن المصري لا يتقاضى مرتبا أو أجرا مماثلا للمرتبات والأجور العالمية!
فالمصري الذي لا يزيد دخله عن خسمة آلاف جنيه مثلا يشتري الوقود وغاز طهي الطعام والكهرباء بنفس السعر الذي يشتريه به المواطن الأمريكي الذي يتقاضي ما يساوي خمسين ألفا جنيه شهريا! فإذا كان نظام السيسي يتعللن بالسعر العالمي لرفع أسعار السلع والخدمات فعليه كذلك رفع الأجور والمرتبات إلى نفس المستوى العالمي والذي يزيد نحو عشرة أضعاف ما هو عليه في مصر.
العجيبة الثانية في مصر أن الأسعار عادة ما ترتفع بارتفاع الأسعار عالميا؛ بل إن المستوردين والتجار في بلادنا يرفعون السعر مقدما بدعوى أن السلع سترتفع خلال أيام. لكن هذه الأسعار لا تتراجع إذا تراجع سعر السلع عالميا؛ فالأسعار في مصر تتجه في اتجاه واحد فقط هو الارتفاع، أما الانخفاض فهذا أمر بعيد المنال.
فطبقا للتقرير الشهرى الأخير عن الأسعار العالمية الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» فقد انخفض متوسط أسعار الحبوب عموما بنسبة ٤٫١٪ عن مستويات شهر مايو، لكنه ما يزال أعلى بمقدار ٢٧٪ عن مستويات يونيو ٢٠٢١. ويعزو مراقبون ذلك إلى إنتاج موسم حصاد الحبوب فى النصف الشمالى للكرة الأرضية ومناطق أخرى وارتفاع توقعات الإنتاج فى روسيا واستئناف أوكرانيا لصادراتها وتباطؤ الطلب العالمى على الحبوب وضعف السيولة. كما تراجع سعر زيت الصويا بنسبة ٢٣٪ فى يوليو الحالى مقارنة بشهر مارس الماضى، وهبط سعر زيت الأولين المستخدم فى صناعة زيت الخليط «المستخدم فى القلى» بنسبة ٤٦٪ ليسجل سعر الطن ٩٧٥ دولارا مقارنة بـ١٧٩٤ دولارا فى مارس الماضى، وهبط سعر زيت عباد الشمس إلى ١٨٨٤ دولارا مقابل ٢٠٧٩ دولارا فى مايو، وتراجع سعر البن عالميا ليصل إلى ٥٫٧ دولار للكيلو مقابل ٦٫٤ دولار فى يونيو الماضى، والمتوقع تراجع سعر الكاكاو وكذلك الشاى. وتوقع تقرير الفاو تراجع أسعار القمح بنسبة ٣٣٪ فى سبتمبر المقبل، لتصل إلى ٣٠٣ دولارات للطن الواحد، مقارنة بـ٣٨٢ دولارا للطن فى يونيو الماضى، و٤٠٤ دولارات فى أبريل الماضى. كما توقع التقرير هبوط أسعار زيت النخيل فى أكتوبر المقبل بنحو ٣٧٦ دولارا للطن ليصل إلى ٨٨٧ دولارا مقابل ١٢٦٣ دولارا فى مايو السابق.
ورغم تراجع أسعار هذه السلع عالميا إلا أنها لم تنخفض في مصر فما سبب ذلك؟
يعزو خبراء ومحللون ذلك إلى وجود ممارسات احتكارية يحظى أصحابها بنفوذ واسع في نظام الحكم (لواءات جيش ومخابرات وأمن وطني)، فهناك شركات مملوكة لجنرالات كبار في الدولة او مقربين منهم وهذه الشركات تقوم بممارسات احتكارية واسعة دون خوف من حساب أو مساءلة في ظل تواطؤ مؤسسات الدولة مع هذه الشركات وغض الطرف عنها بوصفها جزءا من مافيا الدولة العميقة التي اغتصبت السلطة بانقلاب 3 يوليو 2013م؛ فالجنرالات والسادة اللواءات ينظرون إلى مصر بوصفها إقطاعية حصرية لهم دون غيرهم، يفعلون بها مايشاءون دون خوف أو اكتراث من العواقب.
يتساءل أحدهم: لماذا يرتفع الأرز وهو منتج محلى بالكامل ولا علاقة له بالأسعار العالمية؟!! كيلو الأرز المعبأ الموجود بالأسواق يباع الآن بحوالى ١٥ جنيها علما أنه كان يباع قبل الأزمة الأوكرانية بما يتراوح بين ٥ ــ ٨ جنيهات، وهو نفس المحصول الذى تم حصاده فى أغسطس من العام الماضى، وتم شراؤه من الفلاحين بأسعار زهيدة، وتم تخزينه بطريقة معينة ليتم التحكم بالأسعار حتى موسم الحصاد المقبل فى أغسطس المقبل. كذلك زجاجة الزيت التى كانت تباع بـ٢٨ جنيها قبل الحرب ارتفعت إلى ٤٠ جنيها بعدها، والشركات والمصانع كان لديها مخزون لأربعة أشهر، لكن ورغم تراجع الأسعار عالميا، فإن السعر المحلى المرتفع ما يزال كما هو، والطبيعى أن تنخفض الأسعار بنحو عشرة جنيهات للعبوة اللتر.
هذه المافيا ترتع وتغتني على حساب ملايين الفقراء؛ وبيما يتعين على الدولة أن تبسط حمايتها على الفقراء والدفاع عنهم ضد الممارسات الاحتكارية فإننا للأسف نجد العكس؛ بمعنى أن السلطة تسبغ حمايتها على الشركات المحتكرة وتتواطأ مع هذه الشركات بغض الطرف عن ممارساتها الاحتكارية في الوقت الذي تفرض فيه الكثير من الرسوم والضرائب ورفع الأسعار التي يكتوي بها الشعب الفقير؛ فأين الجهات الرقابية؟ وأين جهاز حماية المستهلك؟ كلها مافيا تسترزق بالانحراف والرشاوي والعمولات هكذا تدار مصر منذ عقود وحتى اليوم.