ملايين المصريين أجبرهم الانهيار الاقتصادي على التسول.. ماذا فعل بهم العسكر؟

- ‎فيتقارير

"بجد أنا عمري ما شفت في مصر كمية المتسولين اللي موجودة دلوقتي ، حد ملاحظ ولا أنا بس؟" بهذه العبارة تتساءل سيدة لم تتجاوز الأربعين وتنتظر الإجابة من سيدات كن بجوارها في عربة المترو المتجهة إلى محطة التحرير، لتلتقط طرف الخيط سيدة أخرى وترد  "مش محتاجة ملاحظة 40% تحت خط الفقر ، أحدث إحصائية معمولة بشهادتهم في مصر أم الدنيا اللي كانت في وقت من الأوقات خزائن الأرض".

وباتت مصر تعاني حاليا من أزمة مالية واقتصادية لأسباب عدة، منها إفراط عصابة الانقلاب المتعمد والشديد في الاقتراض، الذي رفع رقم الدين الخارجي من 40 مليار دولار إلى أكثر من 160 مليار دولار في غضون فترة لا تتجاوز 9 سنوات ، وسوء إدارة المال العام وإنفاقه على مشروعات لا تمثل أولويات للمواطن والاقتصاد.

السؤال المطروح هنا في ظل تلك الأزمة التي لا ينكرها أحد ومحاولة البحث عن حلول للتغلب عليها قبل انفجارها ، هل ستقدم حكومة الانقلاب على تنفيذ خطوات تقشفية لا تمس المواطن ولا ترهقه بزيادة الضرائب والأسعار والرسوم وخفض ما تبقى من قشرة الدعم؟

 

طائرة "إحنا فقراء أوي"! 

مرارا وتكرارا وعلى مسامع المصريين يزعم السفاح السيسي أن مصر بلد فقير بلا موارد، مكذبا التاريخ والجغرافيا والاقتصاديين والمليارات التي نهبها هو والعسكريون الذين سبقوه وحكموا البلاد ، وبينما الأمر كذلك غادرت "ملكة السماء" الطائرة الرئاسية المصرية التي اشتراها السفاح السيسي بـ 10 مليار جنيه مصري ، مطار هامبورغ شمالي ألمانيا، بعد اختفاء أثرها منذ سبتمبر 2021 ورصدت مواقع تتبع صفقات الطائرات حول العالم، مطلع الأسبوع الحالي دخول الطائرة  "بوينغ 747- 8"  التي اشترتها عصابة الانقلاب، لتصبح قصرا رئاسيا طائرا خلال الفترة المقبلة، بعد تسجيلها رسميا في منظمات الطيران الدولية باسم SU-EGY منذ 13 أكتوبر 2021.

وصلت الطائرة إلى مقر "لوفتهانزا تكنيك" Lufthansa Technic وهي أكبر قاعدة لصيانة طائرات "بوينغ" وتحديثها بعد مصنعها الضخم في مدينة سياتل الأمريكية.

تتولى وحدة هليموت شميت في القاعدة تحويل الطائرة التجارية التي صنعت عام 2010 إلى "قلعة رئاسية" بتجهيز مقصورتها ذات الطابقين إلى مقر رئاسي، يضم حجرات نوم فارهة وقاعة مؤتمرات وأخرى للاجتماعات وصالة رياضية ومركزا لإدارة العمليات العسكرية، بعد تزويدها بنظام حماية متقدم يعمل بالأشعة تحت الحمراء، ضد الصواريخ، وفرته الولايات المتحدة بنحو 104 مليون دولار.

من المفارقات أن "لوفتهانزا تكنيك" وهي الذراع التقنية لشركة لوفتهانزا للطيران التي تراجعت عن شراء تلك الطائرة، ضمن صفقة لامتلاك 20 طائرة من نفس الطراز، تعاقدت عليها منذ 15 عاما ، حملت الطائرة رقم 20 في جدول التسليم ، وعند تجربتها للطيران للمرة الأولى في 26 إبريل 2011  اكتشف خبراء "لوفتهانزا" عيوبا فنية بها، جعلتهم يرفضون استلامها، فظلت قابعة بين حظائر شركة بوينغ وأطلال ممرات مطارات معزولة بصحراء نيفادا الأميركية، إلى أن أعادت "بوينغ" بيعها لمصر كي تصبح على الطريقة الأميركية "Air Force 1" الطائرة الرئاسية رقم 1".

ويأتي ذلك على الرغم من أن "لوفتهانزا" لم ترض عن الطائرة عند الاستلام، إلا أنها تعمل حاليا على تأهيلها ونقلها للعميل الجديد، الـ VIP كما تسميه بوينغ ، الذي تفاوض على شرائها في مايو/ أيار 2018 وأنهى التعاقد مع "بوينغ" في يونيو/حزيران 2021  فانتقلت من أميركا إلى مدينة ميونخ في 21 أغسطس/ آب 2021  حتى آلت إلى ورش إعادة التأهيل الشامل، في هامبورغ قبيل نهاية العام الماضي.

 

حكاية فقر..!

وتوسع السفاح السيسي خلال السنوات الأخيرة في الحصول على القروض من الخارج بفوائد مرتفعة، من أجل تشييد القصور والمباني الفخمة في العاصمة الإدارية الجديدة، والأبراج شاهقة الارتفاع على شاطئ المتوسط في مدينة العلمين، وبينهما قطار فائق السرعة بكلفة 23 مليار دولار.

"مصر تستيقظ" و"حكاية وطن" شعارات براقة رفعها السفاح السيسي، الذي ترشح لفترة رئاسية ثانية بعد 4 سنوات تدنو من الانتهاء، لكن العديد من المؤشرات تشير إلى مستويات غير مسبوقة من الديون تغرق أجيالا قادمة.

وقفز الدين العام إلى 4 تريليونات جنيه، مقابل 1.7 تريليون جنيه، متجاوزا ضعف ما استدانته مصر طيلة أكثر من 50 عاما، كما لاحقت موجات الغلاء المصريين بلا هدنة، ليشهدوا نحو 14 زيادة بالأسعار، بواقع زيادة كل شهرين بجانب 8 قرارات مؤججة للغلاء وتفاقم الفقر والبطالة.

ولم يتوقف السفاح السيسي عن إطلاق وعود بخفض الأسعار وتقليص الديون وتنفيذ مشروعات قومية كبرى وبناء مدن صناعية واستصلاح ملايين الأفدنة للزراعة وتقليص معدلات البطالة، لكن الإفصاحات الرسمية عن تنفيذ هذه الوعود، تشير إلى تدني ما يتم تحقيقه على أرض الواقع، ولا سيما في المشروعات التي يعول عليها المصريون في التشغيل وخفض الأسعار وتحسين مستوى المعيشة.

وعقب أشهر قليلة على انتخابه، تحولت وعود السفاح السيسي "بكرا تشوفوا مصر" إلى "نحن في شبه دولة" و"إحنا فقراء أوي" بينما أسكرت أزمات معيشية متلاحقة عشرات الملايين من الفقراء ومحدودي الدخل، فلا يكادون يخرجون من موجة غلاء حتى تداهمهم الأخرى، لتتأجل أحلامهم إلى أجل غير مسمى.

وبينما رفعت حكومة الانقلاب شعار الإصلاح الاقتصادي، تؤكد المؤشرات الرسمية استمرار عجز الموازنة في التراجع وانهيار العملة المحلية وديون متضخمة لمستويات غير مسبوقة تلتهم أي مردود للإنتاج.