ماذا يعني اعتقال شاب صور قصر السيسي في العاصمة الإدارية؟

- ‎فيتقارير

 

يحمل خبر اعتقال الشاب كريم صفوت (20 سنة) ثم حبسه على ذمة النيابة لمدة 15 يوما على ذمة التحقيقات بتهمة بـ"الانضمام إلى جماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة"، على خلفية اعتقاله من داخل العاصمة الإدارية، وهو يلتقط صوراً تذكارية في حديقة قصر الدكتاتور عبد الفتاح السيسي بالعاصمة الجديدة، دلالات ورسائل بالغة الأهمية.

أولا، لأن هذا الشاب هو شقيق صاحب إحدى شركات المقاولات التي تباشر من الباطن أعمالا داخل العاصمة الإدارية لحساب شركة أكبر، والشاب كان يساعد شقيقه في متابعة العمل والإشراف على العمال لمتابعة أعمال الزراعة في حديقة القصر الرئاسي الفخم. مكث الشاب ثلاثة أيام  ابتداء من 03 سبتمبر 2022 وفي نهاية الأيام الثلاثة التقط صورا للقصر الرئاسي الذي يجري العمل فيه حاليا. معنى ذلك أن كريم  هو شاب من المقربين للنظام وليس من المعارضين له.  وحسب رواية شقيقه، بمجرد الانتهاء من تصوير الفيديو، ألقت قوات الأمن القبض على كريم في محيط القصر، واحتجزته بغرفة تابعة للأمن داخله، ثم جرى اصطحابه إلى جهة غير معلومة حتى ظهوره أمام نيابة أمن الدولة يوم الإثنين الماضي، والتي أمرت بحبس الشاب الذي لم ينشر فيديو القصر الرئاسي على أي حساب له بمواقع التواصل الاجتماعي.

ثانيا، الخبر يكشف مدى الحساسية التي يعاني منها نظام السيسي العسكري بشأن تصوير قصوره الرئاسية ومقراته الضخمة التي أهدر عليها مئات المليارات بلا أي فائدة تذكر للشعب الذي يئن من الفقر والجوع والحرمان. ولا ندري لماذا يعتبر تصوير قصر رئاسي عملا مجرما رغم أن كل دول العالم تسمح حتى للسياح بزيارة هذه القصور وتصويرها والتصوير بداخلها؛ حيث يسمح الأمريكان  للسياح بزيارة البيت الأبيض والتصوير بداخله، كما يسمح كثير من الحكومات الغربية بذلك دون اعتبار ذلك سرا من أسرار الدولة العسكرية يحاكم من ينتهكه. فلماذا كل هذه الحساسية من  جانب نظام السيسي؟

ثالثا، على الأرجح فإن الشاب قد جرى التحقيق معه بشأن هذه الفيديوهات والبحث عن جهات قد يكون على تواصل معها داخليا وخارجيا؛ لا سيما وأن الفيديوهات التي بثها اليوتيوبر الشهير عبدالله الشريف سابقا عن قصور السيسي الرئاسية قد لاقت رواجها ضخما وزلزلت أركان النظام، فالتحقيقات تبحث عن علاقة هذا الشاب بأي جهة؛ لا سيما وأن هذه أجنحة داخل السلطة ترفض الأوضاع الراهنة وتقوم بتسريبات متتابعة لإحراج النظام وكشف مدى فشله وسفاهته وإهداره لأموال الدولة على مشروعات عبثية بلا أي جدوى اقتصادية.

رابعا، يعاني السيسي من مرض جنون العظمة وعدم الوعي بأهمية ترتيب الأولويات، وكان آخر مواقف السفاهة ما يتعلق بشراء طائرة رئاسة فخمة (قصر رئاسي متنقل) من طراز "بوينغ 747-8"،  بنحو  500 مليون دولار   حوالي (20 مليار جنيه مصر بسعر الدولار اليوم). كما وجه السيسي في يوليو 2022 بالبدء في أعمال الصب الخرساني لأعلى برج مطل على البحر المتوسط، وهو البرج الأيقوني في مدينة العلمين الجديدة بارتفاع 300 متر.  مرض جنون العظمة دفع السيسي إلى إهدار نحو320 مليار دولار (6 تريليونات جنيه)  وفقا لتقرير لمجلس الوزراء في يوليو 2022، على هذه المشروعات العبثية التي تسببت في ارتفاع حجم الديون  وشح السيولة وزيادة معدلات الفقر في البلاد.

خامسا، يخشى السيسي من اندلاع موجة ثورية جديدة تطيح به وبنظامه الدموي الفاسد؛ لذلك لا يتسامح النظام مطلقا مع هامش حرية؛ لكنه يخشى بشكل  أساسي من خصومه داخل مؤسسات الدولة؛ لذلك  يشدد الطاغية السيسي من قبضته على مفاصل مؤسسات القوة داخل الدولة وعلى رأسها الجيش حيث أطاح بكل من يمثل تهديدا لحكمه وضمان بقائه واستمراره، كما أطاح بكل القيادات الرفيعة بجهاز المخابرات العامة وعين على رأسه مدير مكتبه اللواء عباس كامل ونجله محمود السيسي، بخلاف قبضته المبسوطة أصلا على جهاز المخابرات الحربية والأمن الوطني. وباقي جهاز الشرطة. كما عمَّق السيسي من شبكه مصالحه مع مصالح الجيش، وربط نظامه بالمؤسسة العسكرية حتى يكون الإطاحة به إطاحة بالمؤسسة العسكرية وتحديا لنفوذها الواسع سياسيا واقتصاديا، وبذلك يضمن بقاءه على رأس السلطة.

سادسا، أمام هذه المخاوف يحرص النظام على نقل جميع مؤسسات الدولة إلى العاصمة الإدارية الجديدة التي أهدر السيسي عليها مئات المليارات من أجل أن تكون حصنا له ولنظامه وأجهزته وحكومته؛ وهو ما يمثل انعكاسا لخوف النظام من اندلاع ثورة شعبية مفاجئة، وتؤكد تقارير إعلامية دولية أن العاصمة الإدارية الجديدة ما هي إلا حصن للسيسي خوفا من غضب الشعب المقهور والمغدور به.

ويرى الباحث «تيموثي كالداس» في ورقة بحثية نشرها معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط في ديسمبر 2019 أنَّ تصلب نظام السيسي الظاهر يخفي في جوهره هشاشة ستكون سببا في سقوط النظام في مصر بصورة فوضوية للغاية. وتحت عنوان «استبداد السيسي الهش.. لماذا سيكون انهيار النظام في مصر فوضويا للغاية؟» يحذر "كالداس"  من رهان الدول الغربية على الاستقرار الظاهر لنظام السيسي الذي كرسه بوسائل وحشية.  ويؤكد "كالداس" أن النظام رغم تمكنه من إخماد الاحتجاجات خلال السنوات، فإن الأمر مسألة وقت حتى تندلع شرارة أخرى و جولة أكبر من الاحتجاجات التي لن يتمكن النظام من إخمادها بسهولة. لكن الأكثر خطورة على مستقبل مصر ــ  وفقا لكالداس ــ  هو عدم وجود آلية للانتقال السلمي للسلطة، إضافة إلى عدم وجود مساحة لإعداد قيادات بديلة موثوقة؛ وبذلك فإن الخوف من انتقال السلطة رغم حتميته أجبر السيسي على اتخاذ إجراءات من شأنها أن تجعل أي عملية انتقال للسلطة في مصر فوضوية للغاية، وينتهى "كالداس" إلى أن نصل السيسي الحاد الصلب ربما يكون قد أطاح بخصومه وركز السلطة في يديه، لكنه عندما يواجه تحديا أكثر صعوبة فقد لا يتراجع ولكنه ربما ينهار تماما؛ فالمخاطر المرتبطة بهشاشة النظام المصري كبيرة للغاية ولا يمكن التنبؤ بها على حد سواء.