لعل أسوأ الأثمان وأبهظها التي يمكن أن يتصورها المصريون الذين خدعهم السيسي، أن تكون نتيجة الأزمات الاقتصادية التي تضرب الشعب المصري ليل نهار، إثر إهدار السيسي ونظامه العسكري فرص النهوض الاقتصادي وتتحقيق الكفاية للمصريين، أن يتحول أكثر من ربع الشعب المصري لمرضى نفسيين علاوة على انتحار آلاف من المصريين،  جراء الفقر أو الكساد الاقتصادي وعدم القدرة على سداد الديون، وهو ما يقع في أوساط الأغنياء والفقراء، في الفترة الأخيرة.

ومع  تزايد أعداد المصابين بالاكتئاب والمرض النفسي الذين تدفعهم تلك الأمراض لارتكاب الجرائم الاجتماعية والعنف والقتل المتزايد ، باتت ترفض مراكز الصحة النفسية إمداد الباحثين والدارسين  بأعداد المصابين بالاكتئاب والصرع والاضطرابات النفسية.

 وفي الوقت ذاته، فإن وزارة الصحة ممثلة في الأمانة العامة للصحة النفسية لم تقم بأي أبحاث منذ عام 2018.

 

الدراسات غائبة 

وبالمخالفة للدستور، لم يصدر عن حكومة الانقلاب دراسات تتعلق بتفاصيل الأمراض النفسية التي يعانيها المواطنون منذ "المسح القومي للصحة النفسية" قبل أكثر من 4 سنوات، وأشار في ذلك الحين إلى أن 25% من المصريين يعانون من الأعراض والاضطرابات النفسية، بمعنى أن 1 من كل 4 أشخاص لديه عرض أو اضطراب نفسي، وأن 04% منهم فقط يتلقون العلاج، و43.7% من المصابين يعانون من مرض الاكتئاب، وتعد المنيا  أكثر المحافظات انتشارا للاضطرابات النفسية.

وتغيب بشكل كامل الدراسات التي تغوص في تفاصيل كل مرض، وليس هناك دراسات موثقة بأعداد المصريين المصابين بالصرع أو الاضطرابات الدماغية، وتنحصر غالبية الدراسات التي تسلط الضوء على المرض الشائع، وهو "الاكتئاب" من خلال مراكز بحثية خاصة، أو هيئات دولية تقوم بإعداد تقارير سنوية، وتستجيب لها الحكومة والقطاع الخاص جراء الاتفاقات التي توقعها مع منظمة الصحة العالمية.

وتعود آخر أرقام معلنة عن مرضى الصرع للعام 2015، حينما عقدت الجمعية المصرية للأمراض النفسية جراحة الأعصاب، شعبة الصرع، مؤتمرا صحفيا لمناقشة الجديد في علاج مرض الصرع، خاصة لدى الأطفال، وكيفية الوقاية منه، وتطرق لإصابة 50 شخصا بالمرض من بين كل 1000 مواطن مصري، وهي أرقام أعلنها عدد من الأطباء المشاركين في المؤتمر، ولم تصدر عن هيئات أو مراكز بحثية حكومية.

فيما يلفت أطباء نفسيون إلى أن الاكتئاب المزمن يصيب 10% من المصريين وفقا لدراسات أجرتها جمعية الطب النفسي، وأن 1% من المصريين مصابون بالاكتئاب العقلي والذي يقود في الأغلب إلى الانتحار، والنسبة ذاتها للمصابين بالفصام، مشيرا إلى أن تلك الأرقام توصل إليها أطباء جراء أبحاث قاموا بها، لكنها لا تحظى باعتراف جهات حكومية.

وتؤكد خبيرة في علم النفس أن مصر لا تتوفر لديها قاعدة معلوماتية بشأن أعداد المرضى النفسيين، ويرجع ذلك لأن قطاعا كبيرا منهم ليس لديهم إدراك بالأساس لإصابتهم بالمرض، ويرفضون فكرة التسليم به، ويساعدهم المحيطون بهم في ذلك، إما لأسباب ترتبط بالخوض من مواجهة المجتمع بالمرض، أو لقلة الوعي واعتباره أمرا طبيعيا يتعرض له الجميع دون الحاجة للذهاب إلى طبيب نفسي.

فيما تتوقع الدوائر الطبية النفسية ارتكاب مزيد من الجرائم المجتمعية بأشكال وأساليب مختلفة ومتطورة خلال المرحلة المقبلة، وذلك لأن أجواء البيئة الاجتماعية ومعطياتها الدينية والاقتصادية والعائلية تساعد على ذلك، وفي المقابل فإنه لا توجد إحصاءات علمية موثقة من الممكن أن تساعد الحكومة على معرفة أسباب ودوافع تلك الجرائم من الناحية النفسية والسلوكية، وأن غياب تلك الإحصاءات لا يرتبط فقط بالأمراض النفسية، لكنها تتعلق بكافة الأمراض الأخرى التي تؤدي في النهاية لتأزم الأوضاع الاجتماعية.

وتكمن الأزمة الأكبر في أن عقود التأمين الصحي الحكومية والخاصة وكذلك المرتبطة بالأمراض النفسية لا تتم تغطيتها من جانب الحكومة المصرية، وبالتالي فإن الفئات الفقيرة ليس لديها رفاهية الذهاب إلى مستشفيات خاصة لاكتشاف تلك المرض منذ بدايته وكيفية التعامل معه، وبالتالي فإن معدلات الإصابة تتزايد بصورة كبيرة في غياب تام لأدوار الحكومة التي تغفل التعامل مع الإصابة بالداء النفسي كجزء لا يتجزأ من استقرار المجتمع.

 

نسبة الانتحار 

وفي حين أن أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء  تشير إلى أن أعداد المنتحرين خلال أعوام (2018 – 2019- 2020) تتراوح ما بين 66 حالة في العام الواحد إلى 101 حالة على أقصى تقدير، فإن أرقام النائب العام تبين أن العام الماضي شهد 2584 حالة انتحار، كما أن إحصاءات الأمم المتحدة، التي تضع مصر على رأس الدول العربية التي يُقدِم مواطنوها على الانتحار، تشير إلى انتحار 3799 حالة خلال العام 2016.

فيما تخشى حكومة  السيسي الاعتراف بأرقام الانتحار التي تعبر عن وضعية سياسية واقتصادية متردية.

ومؤخرا أفصح وزير الخارجية الأسبق، والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، عن أن هناك حالة  قلق عام وحالة تشاؤم في مصر، وأن حالة الاكتئاب السائدة في الجو، علينا أن نعالجها فورا.

ويمثل العامل الاقتصادي  العنصر الأبرز في الازمات النفسية والاكتئاب والانتحار، إذ أن تصاعد أسعار السلع والخدمات والمواصلات والغذاء  والسلع التموينية بصورة كبيرة في الفترة الأخيرة يسبب العديد من الأزمات للأسر، التي بات أكثر من 805 يعانون الفقر والجوع ومن ثم الاضطرابات النفسية والاندفاع نحو الانتحار.

ويبقى ثمن فشل السيسي الاقتصادي بحانب القهر السياسي والاجتماعي سيفا مسلطا على رقاب المصريين، الذين تتضاعف مشكلاتهم في الفترة الأخيرة مع انهيار قيمة العملة المحلية وغياب السلع والمواد الخام وندرة الأنتاج وتراجعه، ما يفاقم الأزمات المعيشية التي تنتهي بالانتحار أو المرض النفسي، في ظل غياب كبير لدور المؤسسات الدينية والاجتماعية بمصر السيسي.

Facebook Comments