من دون الإنتاج سيذهب قرض صندوق النقد الجديد لمصر هباء

- ‎فيمقالات

أصدر البنك المركزي المصري مؤخرا بيانات ميزان المدفوعات للعام المالي الأخير 2021-2022، لتظهر تحقيق عجز بلغ 10.5 مليارات دولار، رغم استخدام قروض وودائع خارجية بقيمة 36.8 مليار دولار، والسبب الرئيسي لذلك العجز هو الفارق بين الصادرات والواردات السلعية، وهو ما يطلق عليه الميزان التجاري الذي حقق عجزا بلغ 43.4 مليار دولار.

 

وفي ضوء تضمن ميزان المدفوعات 5 مكونات فرعية، فقد حققت 3 منها عجزا؛ تشمل الميزان التجاري، وميزان دخل الاستثمار المعني بفوائد الاستثمار بقيمة 15.8 مليار دولار، وحساب السهو والخطأ والمتضمن تسربات الأموال غير المشروعة للخارج بقيمة 5.8 مليارات دولار، وعلى الجانب الآخر حقق ميزان التجارة الخدمية فائضا بقيمة 11.2 مليار دولار، والحساب الرأسمالي والمالي حقق فائضا 11.8 مليار دولار بسبب القروض الخارجية الضخمة.

 

ليسفر الميزان الكلي للمدفوعات عن تحقيق عجز بلغ 10.5 مليارات دولار، كان السبب الرئيسي له العجز الضخم بالميزان التجاري، وهو عجز تجاري مزمن يعود تاريخيا إلى عام 1940، بعد أن كان يحقق فائضا غالبا قبل ذلك، وطوال 82 سنة الممتدة من 1940 وحتى الآن، لم يحقق الميزان التجاري فائضا سوى في عامي 1969 و1973، بسبب الصفقات المتكافئة مع دول شرق أوروبا والمعونات العربية لمصر حينذاك.

 

تجارب مؤلمة تاريخيا للإنتاج الخاص

أثبتت تجارب اتفاقات مصر الستة مع صندوق النقد الدولي الممتدة من عام 1962 وحتى 2016 أنها لم تفلح في وقف تزايد قيمة الواردات كما تعد مع كل اتفاق، لأن طبيعة تلك الواردات ذات أهمية للاستهلاك المحلي وللصناعة المحلية وللتصدير، حيث يشير التوزيع النسبي لنوعية تلك الواردات في النصف الأول من العام الحالي ببيانات جهاز الإحصاء لاستحواذ السلع الوسيطة -أي التي تدخل في صناعة منتجات أخرى- على نسبة 35% من الإجمالي، والسلع الاستثمارية الخاصة بالآلات والمعدات 13%، والنسبة نفسها للمواد الخام، ونسبة 12% للنفط والغاز والفحم.

 

وكان نصيب السلع الاستهلاكية أقل من 28%، منها 9% للسلع الاستهلاكية المعمرة، و18% للاستهلاكية غير المعمرة. وهكذا تعتمد الصناعة على نسبة 60% من مكوناتها من الاستيراد بخلاف الوقود، مما يعني أن أي زيادة مستهدفة بالصادرات تحتاج للمزيد من الواردات، وهو ما يتجاهله الصندوق والمسؤولون المحليون.

 

وهكذا يصبح الحل الجذري للعجز التجاري المزمن وما ينجم عنه من الحاجة للمزيد من الاقتراض الخارجي، واستمرار تدهور سعر صرف الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية؛ هو المزيد من الإنتاج الزراعي والصناعي لزيادة نسب الاكتفاء الذاتي وتحقيق فوائض للتصدير، بما يتضمنه ذلك من المزيد من التشغيل وامتصاص البطالة وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين.

 

إلا أن قضية الإنتاج واجهت مصاعب عديدة عبر العقود الماضية، بداية من تحديد حد أقصى لملكية الأراضي الزراعية في الخمسينيات من القرن الماضي، وتأميم المشروعات الصناعية في الستينيات، واستحواذ القطاع العام على النصيب الأكبر من النشاط الصناعي والخدمي.

 

وحتى بعد إعلان الانفتاح الاقتصادي عام 1974، تغلبت عوامل الاستهلاك على الإنتاج مع السماح باستيراد أية سلع لإشباع الظمأ للمنتجات المستوردة بعد طول حرمان، وأسهم التهريب عبر المنطقة الحرة ببورسعيد في سد جانب منها، إلى جانب اتخاذ البعض تهريب السلع من بورسعيد حرفة لهم.

 

وجاء إجهاض تجربة شركات توظيف الأموال في الثمانينيات بعد شكوى البنوك من عدم قدرتها على تمويل الواردات والتوريد لبعض المحاصيل محليا، رغم وجود تجارب صناعية بينها مثل شركة الشريف التي تركت بخلاف المصانع مركزا بحثيا لتطوير الصناعة اشترته وزارة البحث العلمي.

 

مع تدني أسعار الأثاث الجاهز المستورد، تحول الكثير من الصناع المهرة للعمل باعة للخضر والفاكهة وسائقي سيارات أجرة للإفلات من البطالة، كما حدث بمحافظة دمياط المشهورة تاريخيا بصناعة الأثاث، وواكب ذلك إلغاء جهاز الصناعات الحرفية الذي كان تابعا لوزارة التنمية المحلية

 

حوافز ضريبية للاستثمار المالي

وفي عام 1992 صدر قانون سوق رأس المال ليقرر إعفاء أرباح الأسهم المقيدة بالبورصة من الضريبة على الدخل، وهو ما لا يحدث مع الإنتاج، وجاء تنفيذ برنامج خصخصة بعض شركات قطاع الأعمال العام عبر البورصة، ليحقق مكاسب للمشترين للأسهم ببداية البرامج، مما جذب كثيرين من مجال الإنتاج لمجال التعامل بالبورصة، الذي يحقق مكاسب يومية بينما تحتاج زراعة أي محصول زراعي عدة شهور للحصول على عائد، كما يحتاج عمل مشروع تجاري أو صناعي مدة أطول، فسادت قيم الربح السريع وترك كثيرون أعمالهم من أطباء ومدرسين ومحامين وتجار وغيرهم وتفرغوا للتعامل في البورصة، فزادت قيمة تعاملات البورصة التي لا تضيف شيئا للناتج المحلي.

 

وأسهم الإعلام في إذكاء تلك القيم، فحين طرحت الحكومة نسبة 20% من أسهم الشركة المصرية للاتصالات للبيع للجمهور عام 2005، لعب المروجون إعلاميا على وتر الربح السريع، مما دفع بعض سائقي السيارات لبيع سياراتهم ومزارعين لبيع أبقارهم لشراء الأسهم.

 

ومع عدم تحقيق أسهم المصرية للاتصالات تلك الطفرة، ورافق ذلك تراجع أسعار أسهم شركات الخصخصة عن أسعار بيعها، اتجهت الشريحة التي تكونت للمضاربة بالبورصة للبحث عن أسواق أخرى للحصول على تلك الأرباح السريعة المرتفعة، ومنها أسواق العملات الأجنبية والسمسرة في الأراضي والعقارات، مما ألهب الأسعار في تلك الأسواق لوجود طلب مفتعل غير حقيقي.

 

وتسبب سيل الاستيراد من جنوب شرق آسيا والصين في تضرر أغلب الصناعات الحرفية، إذ إن أسعار منتجاتها النهائية أرخص من قيمة الخامات محليا قبل تصنيعها؛ فالحقيبة المدرسية المستوردة أرخص من قيمة الجلود اللازمة لتصنيعها، مما تسبب في إغلاق كثير من الورش الحرفية.

 

ومع تدني أسعار الأثاث الجاهز المستورد، تحول كثير من الصناع المهرة للعمل باعة للخضر والفاكهة وسائقي سيارات أجرة للإفلات من البطالة، كما حدث في محافظة دمياط المشهورة تاريخيا بصناعة الأثاث، وواكب ذلك إلغاء جهاز الصناعات الحرفية الذي كان تابعا لوزارة التنمية المحلية.

 

لجنة وزارية للإنتاج بلا فاعلية منذ 2015

ورغم صدور قانون لتنمية المنشآت الصغيرة عام 2004، فإن كثيرا من بنوده لم تنفذ، خاصة صناديق التمويل لتلك المشروعات بالمحافظات، وصدر قانون جديد لتنمية الصناعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر عام 2020، إلا أن أثره لم يتضح بعد، حيث ركز على دمج تلك المشروعات في الاقتصاد الرسمي من خلال دفع رسوم ضريبية مبسطة، ولهذا اعتبروا ذلك بمثابة شرك للوقوع تحت طائلة الرسوم الحكومية المتعددة، من رسوم محلية وأخرى تتعلق بالأمن الصناعي والحريق والصحة والتأمينات الاجتماعية والسجل الصناعي وغيرها.

 

ولم تجد بعض محاولات الإنتاج المحلية مساندة حكومية، فحين اتجه كثيرون لعمل مزارع سمكية بنهر النيل أسهم إنتاجها في استقرار أسعار الأسماك سنوات طويلة، وقللت وارداته؛ ادعى المتضررون من نشاطهم أن تلك المزارع تلوث النيل من خلال إطعام الأسماك مخلفات حيوانية، واستعان أصحاب المزارع بأستاذة بكليات العلوم لإثبات عدم صحة ذلك، لكن المسؤولين المحليين لم يستمعوا لهم.

 

وقام أحد أصحاب تلك المزارع بحيلة لكي يثبت عمليا عدم صحة الاتهام، حين اصطحب مسؤولين محليين بإحدى محافظات شمال الدلتا لنزهة نيلية، وقام بشراء كمية من الكباب والكفتة كي يتناولها الضيوف على أحد المراكب بالنيل، وعدما وصلوا بجوار إحدى المزارع السمكية قام بإلقاء قطع من الكباب في قفص لتربية الأسماك على سبيل السهو، فلم يقترب السمك منها ليثبت لهم عمليا أن السمك لا يأكل المخلفات الحيوانية، ولكنه يتغذى على الأعلاف من الذرة.

 

ورغم ذلك، فقد تغلب القرار بإزالة جميع المزارع في النيل ليخسروا نفقات استثماراتهم، ويخسر الإنتاج السمكي كميات كبيرة نجم عنها ارتفاع الأسعار وبلوغ قيمة واردات الأسماك العام الماضي 816 مليون دولار، ويرتبط بذلك اختيار القيادات المحلية من الضباط المحالين للمعاش من الجيش أو الشرطة؛ مما يجعلهم بعيدين عن قضية التنمية المحلية، وهو نفس مصدر اختيار وزير التنمية المحلية.

 

وعلى هذا المنوال كان مصير المصانع المتعثرة التي ظل المسؤولون عبر سنوات يعلنون تصديهم لها، بداية من وزير الصناعة منير فخري عبد النور عام 2013، الذي قرر تخصيص نصف مليار جنيه لحل تلك المشكلة، وكرر من جاؤوا بعده تلك الوعود، لكن لم يتم علاج التعثر أو يتم إنفاق شيء.

 

والأمر نفسه يحدث مع الطاقات العاطلة، سواء في مصانع القطاع العام أو القطاع الخاص التي يصدر جهاز الإحصاء الرسمي بيانا دوريا بها، إلى جانب عمليات المصادرة التي تمت لشركات عديدة منذ النصف الثاني من عام 2013 وحتى الآن، مع استمرار حبس أصحابها.

 

حتى اللجنة الوزارية للإنتاج التي شكلها رئيس الوزراء شريف إسماعيل برئاسته عام 2015، وأعاد تشكيلها في العام التالي من 7 وزراء لم نسمع شيئا عن نتائج أعمالها، رغم استمرار وجودها، حتى أعلن رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي الشهر الماضي إعادة تشكيلها برئاسته بشكل موسع لتضم 23 عضوا، منهم 15 وزيرا، ونأمل أن تدفع الاهتمام الحكومي نحو قضية الإنتاج

…………

نقلا عن "الجزيرة نت"