مرت قبل أيام ذكرى وفاة المرشد العام الخامس لجماعة الإخوان المسلمين، مصطفى مشهور، الذي رحل في 14 نوفمبر 2002، ويصف محبو ورفاق درب المرشد الخامس بأنه عملاق التربية فيعول عليها أيما تعويل، وإلى اليوم يستشهدون بكلماته المحفورة في كتبه وقلوبهم، فيقول “لقد أثبتت الأحداث والأيام أنه بقدر الاهتمام بالتربية تتحقق الأصالة للحركة ، واستمراريتها ونموها ، ويكون التلاحم بين الأفراد ووحدة الصف”.

وبايع الإخوان فضيلة الأستاذ مصطفى مشهور، في 1996، مرشدا عاما للجماعة علانية أثناء جنازة المرشد الرابع فضيلة الأستاذ محمد حامد أبو النصر، وتم التجديد لمشهور لمدة ولاية أخرى، طبقا لتعديل لائحي أقرته الجماعة يحدد مدة المرشد بست سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة فقط.

 

آخر عهده بالدنيا 

وعن آخر ساعاته في الدنيا وجنازته، كتبت ابنته “وفاء” “بعد إذن العائلة بدفن الوالد في مقابر المرشدين التي كان له الفضل بعد الله في بنائها وتم الاتفاق على من يشارك في الغسل ناهيك عن الاتفاق على خط سير الجنازة مع مسئولي الأمن وهناك الكثير من كتب عن الجنازة التي لم نشهد لها مثيلا سواء كثرة العدد أو النظام والدقة”.

سبحان الله لقد دخل أبي في غيبوبة ثمانية عشر يوما ليلة الجمعة في شعبان لتنتهي في رمضان وتمت صلاة الجنازة في يوم الجمعة مما سهل تيسير وترتيب الجنازة رغم التشديد الأمني وغلق مداخل القاهرة لتفويت فرصة حضور الناس من الأقاليم “.

وأضافت: ” الجميع في ذهول من كثرة تواجد الآلاف من الناس لحضور الجنازة وبسرعة رغم الحرص الشديد على غلق المداخل ذهب المشيعون رافعين المصاحف بنظام شديد  يدعو إلى الإعجاب وكان سؤال متكرر حينها من أين جاءت هذه الألوف المؤلفة من البشر وكيف تم إبلاغهم موعد الجنازة في مسجد رابعة وفي وقت وجيز جدا رغم  حرص النظام  على إخفاء هذا الخبر عن الرأي العام ومُنعت الصحف الرسمية ان تكتب عن وفاته”.

 

الحياة قصيرة
ومن كلمات المرشد الراحل  “إن الإسلام ليس تجارة قصيرة الأجل، أما أن تربح ، أو تتخلى عنها إلى تجارة أخرى، إن المؤمن وهو يحمل هذا الحق يجب عليه أن يوقن أنه يواجه العتــاة الذين يملكون القــوة والمال، ويملكون أن يسحروا أعين الناس، وأن يرهبـ ـوهم، كما يجب على المؤمنين أن يوقنوا بأن موقفهم كثير التكاليف، وأن من سبقنا في هذا الدرب كانوا بشرا مثلنا، لكنهم وثقوا في وعد الله وآمنوا بأن النصر آت لا ريب فيه، ولذلك كان أملهم في نصر الله، وتمكين أهل الحق عميقا متمكنا من أقطار نفوسهم “.

أما صفحة (مصطفي مشهور مشهور) التي أطلقها أبناؤه ، فأشارت إلى زهده الشديد وترتيب أولويات حياته، وقالت  “رغم انتماء الوالد لعائلة معروفة بالثراء إلا إنه كان يميل للتقشف و الزهد فقد كان يحرص على عدم التبذير و البساطة ولا مجال لطعام يزيد عن الحاجة ، فما زاد من الأكل يوزع في علب صغيرة محكمة ليستفاد به في المرة القادمة و لا يفوته الدعاء المشهور عنه ” حين يقدم له أحد أي شيء  , سلِمت يداك ,  و كان زهده في متاع الدنيا يوفر عليه الكثير مما يكون سببا في الاختلاف بين الناس بسبب ميراث أو بيع أو شراء”.

وأضاف “كان بصعوبة إقناعه بشراء ثوب جديد ، وما رفض طعاما قط ، عرف المنزل بالبساطة الشديدة , حين كنا نستقبل في منزل الوالد رحمه الله زائرا  من خارج مصر صحفي أو شخصية مشهورة كان يتعجب كل العجب من بساطة الأثاث إلا أن مهارات أمي رحمها الله الفنية جعلت من هذا الأثاث البسيط أناقة وذوقا راقيا في ترتيب وتنسيق المنزل ، صنعت جميع ستائر ومفارش المنزل بيديها وحرصت أن تعلمنا ذلك وقد كان والحمد لله”.

وأضاف الموقع “من السهل التعرف على الأولويات عند الوالد بمجرد ملازمته ليوم واحد فستجد مثالا للرجل القرآني المعلق قلبه بالمساجد و الذي لا يترك فرصة إلا و ينتهزها للدعوة حتى إنه كان يقول إذا كان للإنسان العادي خمس حواس فان للأخ المسلم حاسة سادسة و هي الدعوة”.

 

“مشهور” والقرآن 
وعن مصطفى مشهور والقرآن قالوا إن “ورده اليومي ثلاثة أجزاء و ينتقي أوقات الورد بعد صلاة الفجر و بعد صلاة العصر و قبل النوم مباشرة” .

ولد الأستاذ مصطفى مشهور في 15 سبتمبر 1921، في قرية السعديين التابعة لمحافظة الشرقية بمصر، من أسرة دينية كريمة، معروفة بتدينها، وفضلها، وكرمها، وانتمائها العربي الأصيل، واعتزازها بإسلامها.

ودخل الكتاب وهو صغير، ليحفظ ما يمكنه حفظه من القرآن الكريم ، كعادة أهل الريف في مصر ، وفي سائر البلاد العربية، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية في القرية، وأكمل دراسته الثانوية بالقاهرة ، ثم التحق بكلية العلوم التابعة لجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة الآن) وتخرج فيها عام 1942 حاملاً شهادة البكالوريوس في العلوم، وكان متفوقا في دراسته، وبسبب تفوقه هذا نال مكافأة من الجامعة.

وبعد تخرجه في كلية العلوم، عمل بوظيفة(متنبئ جوي) في مصلحة الأرصاد الجوية.

في قافلة الإخوان
وفيما كان يقرأ القرآن في مسجد الحي الذي يقيم فيه، تعرف إلى شاب متدين يكبره سنتين، وكان ذلك الشاب من الجماعة ، ولم يتعب الشاب في إقناع الفتى مصطفى ابن الخمسة عشر خريفا، بدعوة الإخوان ، فقد صحبه إلى شعبة الحي، ثم إلى المركز العام ليستمع إلى محاضرة لمرشد الإخوان الأستاذ حسن البنا.

وبدأ “مشهور” رحلته مع دعوة الإخوان وهو في شبابه، واعتقل في عهد عبد الناصر عدة مرات أخرها عام 1965، وبقى في السجن حتى 1971، عندما أصدر الرئيس السابق أنور السادات عفوا عن المعتقلين السياسيين.

يقول أحد مؤرخي الحركة “لا أكون مبالغا عندما أقول إن إعادة تأسيس كيان الإخوان على يد التلمساني ورفاقه كان القاعدة الصلبة له هو مصطفى مشهور تنظيميا وتربويا وتجديدا طيلة فترة السبعينات”.

وغادر مصر عام 1981 إلى الكويت ومنها إلى ألمانيا قبيل موجة الاعتقالات السياسية على يد السادات أيضا، ومكث بألمانيا فترة خمس سنوات ساهم خلالها في تنشيط التنظيم الدولي للإخوان ، ثم عاد إلى مصر قبل وفاة المرشد العام الأسبق عمر التلمساني، وقد تولى بعد ذلك منصب نائب المرشد السابق حامد أبو النصر.

Facebook Comments