في الوقت الذي تواجه مصر أزمات مالية تهدد بالإفلاس الذي بات مسألة وقت، طالب السيسي دوائره بعقد لجان تبحث عن وسائل تحصيل أموال وجباية من أي مصدر في مصر، دعما لميزانية مصر المنكوبة بفساد العسكر وانقلابهم، وتتالت الاقتراحات والجهود والمشاريع المتنوعة من قبل دوائر السيسي لفرض إتاوات على المصريين واستحداث نظم ولوائح وطرائق لجمع الأموال من المصريين، فجاءت مقترحات فرض التسجيل الإلكتروني في الفاتورة الإلكترونية على المهنيين والمحامين والأطباء والصيادلة وغيرهم، ثم جاء تفعيل قانون المحال التجارية التي تستهدف منها الحكومة الحصول على مليارات الجنيهات من نحو 4 مليون محل بفرض مصروفاتت سنوية عليهم تتراوح بين 10 إلى 1000 ألف جنيه بجانب موافقة الأمن التي لن تكون بالمجان هي الأخرى، وصولا إلى تغريم الفلاحين والمزارعين وفرض التوريد الإجباري بأسعار أقل من أسعار التكلفة، من أجل سد حاجة السوق المصري.
زيادة ضريبة الدخل
إلى أن وصل الأمر لاستحداث مشروع قانون برفع الضريبة الأشهر بمصر ، ضريبة الدخل على المصريين إلى أكثر من 27% ، لتتزداد معاناة الشعب المصري، بينما يجنب الجيش والمؤسسات الأمنية واقتصادهم من أية ضغوط أو رسوم، بل يجري التوسع في منحهم المناقصات تلو المشاريع وإقرار قوانين بإتاحة إسناد مشاريع حياة كريمة للجيش وشركاته بنسبة أرباح تصل إلى 40% ، فيما يتوارد الحديث عن فساد بنحو 15 مليار جنيه في مشاريع إنشائية بالعاصمة الإدارية فقط، لتتعاظم حسرات المصريين، الذين بات على فقرائهم تمويل جبايات السيسي من جيوبهم المثقلة بالرسوم والضرائب والغلاء، بينما السادة العسكر ينهبون في بطونهمم اقتصاد مصر بلا أي مسئولية اقتصادية أو اجتماعية ، وهو ما يعمق أزمات مصر ويضعها على حافة الإفلاس المالي.
وفي هذا السياق الكارثي، أرسلت حكومة الانقلاب إلى برلمان العسكر مشروع قانون بزيادة الحد الأقصى لنسبة الضرائب على الدخل إلى 27.5%، كنسبة غير مسبوقة منذ 17 عاما حين صدر قانون الضريبة على الدخل محددا الحد الأقصى بنسبة 20%، وهو ما يخالف وعد الحكومة خلال عرض البيان المالي لموازنة العام المالي الحالي على البرلمان، بعدم فرض ضرائب جديدة والاكتفاء بتوسيع القاعدة الضريبية.
وهو ما قامت به بالاستمرار في مراحل تطبيق الفاتورة الإلكترونية على الشركات التي بدأتها قبل عامين، والتي تتيح لها التعرف على كافة إيرادات ومصروفات تلك الشركات لحظيا، بما يسهل تحديد الضريبة المستحقة عليها، حتى وصلت إلى المرحلة الثامنة والأخيرة من تلك الفاتورة التي تنتهي مهلة التسجيل بها بنهاية الشهر الحالي.
يأتي مشروع الزيادة لضريبة الدخل في ظروف غير مواتية لرجال الأعمال، من حيث استمرار حالة الركود خلال السنوات الأخيرة، ونقص الدولار منذ مارس الماضي وحتى الآن، مما تسبب في صعوبة الإفراج عن البضائع المكدسة بالموانئ لعدم تدبير البنوك الدولار للإفراج عنها، الأمر الذي أدى لنقص المستلزمات والمواد الخام اللازمة للصناعة، مما قلل معدلات الإنتاج وكذلك التصدير خلال الأشهر الأخيرة.
مزيد من الأعباء
وأسهمت حكومة الانقلاب في إضافة المزيد من الأعباء من خلال إلغاء مبادرة تمويل الصناعة والزراعة والمقاولات بفائدة أقل جزيئا من سعر السوق، والعودة إلى التسعيرة الجبرية ببعض السلع ومنها الأرز، وكذلك التوريد الإجباري للمحاصيل كما حدث مع القمح والأرز.
وحتى عندما تقوم حكومة الانقلاب بتحفيز المصدرين بتقديم حافز تصديري، فقد اشترطت خصم نسبة 7% من قيمته البالغة 15% من قيمة الصفقات لسرعة السداد، رغم تأخر الحكومة في دفعه لأكثر من أربع سنوات، أي إن الأمر الطبيعي كان يتطلب؛ إما دفع كامل القيمة أو زيادتها بسبب التأخير، مثلما تفعل عند تأخر الممولين في سداد ما عليهم من ضرائب، بإضافة فائدة عليها تتحدد حسب سعر الفائدة السائد من قبل البنك المركزي.
كما تتأخر حكومة الانقلاب في سداد ما عليها من مستحقات للمقاولين والتجار، وحين تدفعها على أقساط لا تزيد من قيمتها، رغم تسبب هذا التأخر في السداد في اضطرار المقاولين للاقتراض من المصارف بفائدة، لسداد ما عليهم من التزامات تجاه موردي مواد البناء وأجور العمال وإيجار المعدات.
ومع ذلك فقد أرسلت حكومة الانقلاب إلى البرلمان بطلب إقرار تشريع بإضافة شريحة جديدة، إلى شرائح ضريبة الدخل بنسبة 27.5% على صافي الدخل السنوي لأكثر من 800 ألف جنيه، وذلك بعد نحو عامين ونصف من إضافة الحكومة شريحة جديدة لضريبة الدخل، في مايو 2020 بنسبة 25% على صافي الدخل السنوي البالغ أكثر من 400 ألف جنيه.
والغريب أن الشريحة الجديدة تأتي رغم إعلان وزارة المالية تحقيق إيرادات ضريبية بالعام المالي 2021/2022 بقيمة 991 مليار جنيه، مقابل 983 مليار جنيه لقيمة الضرائب المستهدفة عند إعداد موازنة ذلك العام، أي أنها تخطت الرقم المستهدف بنحو 8 مليارات جنيه.
وخلال العام المالي الحالي 2022/2023 والذي ينتهي بنهاية يونيو المقبل، تستهدف حكومة الانقلاب تحصيل ضرائب بنحو 1 تريليون و169 مليار جنيه، تمثل نسبة 77% من الإيرادات العامة المستهدفة البالغة 1 تريليون و518 مليار جنيه، بينما تم استهداف 348 مليار جنيه من الإيرادات غير الضريبية، التي تتعلق بفوائض الهيئات والبنوك المملوكة للدولة ورسوم الخدمات التي تقدمها الوزارات، ونحو 1 مليار جنيه من المنح، إلى جانب 25 مليار جنيه من الإقراض الحكومي وبيع الأصول الحكومية.
الانصراف عن الإنتاج والتصنيع
ويرى رجال الأعمال أن تلك النسبة الجديدة لضريبة الدخل ستدفع البعض منهم لتوجيه جانب من أموالهم إلى الإيداعات المصرفية التي تجلب حاليا 17.25% من خلال شهادات ادخار لمدة ثلاث سنوات وليس على عوائدها أية ضرائب، أو بإخراج الأموال للخارج خاصة إلى دبي كما يفعل الكثيرون، كما سيتجه البعض إلى سوق الذهب والعقار وإلى زيادة تعاملاته بالبورصة الأقل في نسبة الضريبة المفروضة على أرباحها.
مما يؤدي إلى نقص الأموال المتجهة إلى الإنتاج والتصنيع، مما يؤثر على حجم المعروض من السلع والخدمات الأمر الذي سينعكس سلبا على زيادة الأسعار، ويقلل تنافسية تلك السلع بالداخل والخارج، الأمر الذي يؤثر على حجم الصادرات ، وبالتالي على الموارد من النقد الأجنبي، في وقت تعاني فيه البلاد من نقص في تلك العملات، مما اضطرها لقبول مطالب صندوق النقد الدولي الخاصة بزيادة الضرائب وإيقاف مبادرة تمويل الصناعة، وغيرها من المطالب من أجل قرض يبلغ 3 مليارات دولار يتم تسلم أقساطه على مدى 46 شهرا.
والغريب أن هؤلاء لا يستطيعون التعبير عن رفضهم للشريحة الإضافية لضريبة الدخل بوسائل الإعلام أو حتى مواقع التواصل الاجتماعي، خشية التنكيل بهم كما حدث مع عدد من رجال الأعمال رغم الخدمات العديدة التي قدموها للحكومة، وتبرعاتهم لصندوق تحيا مصر مثل حسن راتب ومحمد الأمين ورجب السويركي وغيرهم.
صعوبة المنافسة
كذلك لا يستطيعون اللجوء للبرلمان لمعرفتهم بعدم فاعليته، وحتى اللجوء لمجلس الدولة كما كان يحدث من قبل أصبح غير مضمون النتائج، في ضوء الطابع المهيمن على قرارته بتأييد قرار الجهة الإدارية المطعون في قرارها خلال الفترة الأخيرة.
ويرون أن قرار زيادة الشريحة الضريبية على الدخل يزيد من صعوبة المنافسة مع المشروعات المماثلة لأنشطتهم والتي تقوم بها الجهات التابعة للجيش، والتي تتمتع بمزايا خاصة أبرزها الإعفاء من ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة والجمارك، علاوة على العمالة غير المكلفة والحصول على الأراضي من خلال التخصيص بدون دفع قيمتها مع كبر مساحتها.
بينما هم يتحملون قيمة الأراضي التي يعملون عليها وقيمة استخراج الرخص وتكاليف العمالة، علاوة على دفع العديد من أشكال الضرائب والرسوم، حيث تمثل ضريبة الدخل نوعا واحدا من عدة أنواع من الضرائب يلتزمون بها، أبرزها ضريبة القيمة المضافة والضريبة العقارية وضريبة الجمارك وضريبة الدمغة وضريبة رسم تنمية الموارد، علاوة على العديد من الرسوم التي تحصلها وزارة المالية والوزارات المختلفة والمحافظات، سواء من خلال مديريات الخدمات بالمحافظات أو من خلال الصناديق الخاصة المنتشرة بالمحافظات والوزارات والهيئات.