حاول رئيس جمهورية بيرو "بيدرو كاستيلو" التنازل عن قطعة من أراضي بلاده لحكومة دولة بوليفيا المجاورة بما يمنحها منفذا على البحر، وحل البرلمان حين تصدى لفساده، فعزله البرلمان واعتقلته الشرطة.
بجانب عزل برلمان بيرو المنتخب للرئيس بتهمة محاولة الانقلاب على الحكم والخيانة، تدخل رئيس المحكمة الدستورية ليحبط انقلاب الرئيس أيضا ، مؤكدا أنه لا أحد يدين بالطاعة لحكومة مغتصبة، واستقال مسئولو الحكومة بشكل جماعي.
انتهى الأمر باعتقال الشرطة للرئيس في 8 ديسمبر 2022 بتهمة الانقلاب بناء على طلب البرلمان (السلطة التشريعية) ورئيس المحكمة الدستورية (السلطة القضائية) وتعيين نائبته خلفا له.
ويسمح الدستور في بيرو بعزل الرئيس بناء على ارتكاب مخالفات سياسية وليس بالضرورة لخرقه القانون، ما جعل إجراءات العزل متكررة في البلاد.
تجربة اجهاض انقلاب الرئيس في بيرو، التي تقع في أمريكا الجنوبية، ومنع مؤسساتها التشريعية والقضائية والعسكرية التنازل عن جزء من أراضيها، دفع مراقبين للمقارنة بين الدولة اللاتينية وأنظمة عربية أجهضت الديمقراطية وتنازلت عن أجزاء من أراضيها بتواطؤ قضائي وأمني.
الجيش والشرطة والقضاة وقفوا ضده
في ديسمبر 2021 اتهمت المعارضة التي تسيطر على البرلمان الرئيس بالتدخل في قضية فساد متورط فيها مقربين من حزبه الحاكم، بحسب وكالة الأنباء الأمريكية (اسوشيتدبرس) 9 ديسمبر 2022.
واتهمته أيضا بـالخيانة بعدما أعلن استعداده للتنازل عن قطعة من أرض بلاده، ونيته إجراء استفتاء على منح منفذ من أرض بلاده على المحيط الهادئ لبوليفيا المجاورة التي لا تطل على البحر.
الرئيس كاستيلو تورط بتصريحات حول تسليم جزء من أراضي بلاده على البحر، وأكدها في حوار مع سي إن إن الأمريكية 25 يناير 2022 ما أثار البرلمان ضده.
اعترف كاستيلو خلال المقابلة أنه تحدث لصالح منح بوليفيا منفذا إلى البحر وقال إنه "يجب طرح الفكرة للتشاور من خلال استفتاء عام".
وقد قوبلت تصريحاته بعنف وهاجمته رئيسة البرلمان البيروفي ماريا ديل كارمن ألفا، مؤكده أن أراضي الدولة غير قابلة للتصرف ولا تمس، وفقا للمادة 54 من دستور بيرو، بحسب صحيفة "مركو برس" 27 يناير/كانون ثان 2022.
لاحقا، اجتمع النواب يوم 7 ديسمبر 2022 لمناقشة مذكرة العزل الثالثة، ووافقوا عليها بغالبية 101 صوت من أصل 130 وامتنع 10 عن التصويت، في جلسة بثها التلفزيون بشكل مباشر.
وكان البرلمان الذي تهيمن عليه المعارضة اليمينية التي تشغل 80 مقعدا، بحاجة إلى 87 صوتا فقط لتمرير مذكرة عزل الرئيس اليساري.
رد الرئيس بأنه حاول التخلص من البرلمان كله بإعلان حله، والحكم عبر مرسوم جمهوري، وتشكيل حكومة طوارئ استثنائية، والدعوة لتشكيل كونجرس جديد، في خطاب تلفزيوني، ما اعتبرته السلطة التشريعية والقضائية بمثابة انقلابا.
وصفت المحكمة الدستورية والبرلمان والشرطة ما جرى بأنه "انقلاب" ولم يعترف أحد بقرارات الرئيس الانقلابي، بما فيهم نائبته دينا بولوارتي وهي من حزب كاستيو نفسه (بيرو الحرة)، والتي اعتبرت ما فعله يشكل انقلابا فتم اعتقاله.
حذرت الشرطة والقوات المسلحة الرئيس من أن الطريق الذي سلكه لمحاولة حل الكونجرس غير دستوري ، وقالت الشرطة إنها تدخلت لأداء واجباتها، بحسب وكالة رويترز 8 ديسمبر 2022.
وأعلن جيش بيرو أن القوات المسلحة تحترم النظام الدستوري القائم، وأي عمل مخالف للنظام الدستوري القائم يشكل مخالفة للدستور، ويولد عدم امتثال من قبل القوات المسلحة والشرطة الوطنية في بيرو.
وقال رئيس المحكمة الدستورية فرانسيسكو موراليس "كان هناك انقلاب سياسي على طريقة انقلابات الأسلوب القرن العشرين، ولا أحد يدين بالطاعة لحكومة مغتصبة".
وجاء عزل كاستيلو بموجب نص دستوري يسمى العجز الأخلاقي الدائم وهو بند يقول خبراء إنه "غامض للغاية لدرجة أنه يسمح بإقالة الرئيس لأي سبب تقريبا".
وبعد التصويت لصالح عزله، غادر كاستيو القصر الرئاسي مع حارس شخصي متوجها إلى مقر الشرطة ، حيث ظهر في صور نشرها مكتب المدعي العام في بيرو في غرفة محاطا بمدعين عامين وعناصر شرطة.
وكان كاستيو موضع تحقيق من قبل المدعي العام في ست قضايا فساد تشمل اتهامات ضد عائلته وأوساطه السياسية وبينها شكوى يُتهم فيها كاستيو بترأس منظمة إجرامية تشمل عائلته وحلفاءه وتقوم بمنح عقود عامة مقابل المال، بحسب نيويورك تايمز 7 ديسمبر 2022.
دروس الانقلاب
يمكن رصد عدد من الدروس السياسية والاجتماعية الهامة لما جرى في بيرو مقارنة بما جرى في مصر على سبيل المثال:
فقد كان الدرس الأول الذي تعلمه العالم كله من درس بيرو هو أهمية وجود مؤسسات قضائية وتشريعية وأمنية مستقلة، لا تتبع أشخاصا، وإنما تدين بالولاء للدولة والشعب.
تلاه درس ديمقراطي ثان قدمته بيرو لكل دول العالم العربي والإفريقي والنامي التي تشهد انقلابات مستمرة على إرادة الشعب وانحياز أجهزة الدولة العميقة الفاسدة.
هذا الدرس هو وقوف كافة أجهزة البلاد التشريعية والقضائية والعسكرية ضد انقلاب الرئيس على المبادئ الدستورية والديمقراطية، بما فيهم نائبته من حزبه، ووزرائه كلهم، ما أجهض الانقلاب وأعطى درسا لمن بعده.
كما استقال وزير الدفاع وقائد الجيش، وكتب وزير خارجية بيرو "سيزار لاندا" على تويتر "أدين بشدة هذا الانقلاب وأدعو المجتمع الدولي إلى المساعدة في إعادة الديمقراطية الديمقراطية في بيرو ، اتخذ كاستيلو هذا القرار دون علمي أو دعمي".
الدرس الثالث أن محاولة أي حاكم التنازل عن جزء من أراضي بلاده بدعاوى وحجج مختلفة، يعتبر خيانة تستلزم عزل من يُقدم عليها ومحاكمته على ما فعل، لا تبرير أفعاله، كما جرى في قضية تيران وصنافير.
الرابع، أن دور النيابة العامة في البلاد هو حماية مقدرات الشعب لا فساد الرئيس وحاشيته.
حيث لم تتورع نيابة البيرو عن التحقيق مع الرئيس وتوجيه اتهام صارخ له بقيادة منظمة إجرامية مع مشرعين وأفراد من أسرته للاستفادة من العقود الحكومية وعرقلة العدالة مرارا وتكرارا، والأمر باعتقاله.
والخامس، إن الوعود التي يقدمها الحكام لشعوبهم ثم ينكصون علنها تدفع مؤيديهم قبل معارضيهم لإقصائهم.
وهو ما فعله رئيس بيرو اليساري الذي خاض حملته الانتخابية على وعد بمعالجة عدم المساواة المزمنة في البلاد، لكنه انخرط في الدفاع عن مصالح وفساد عائلته
