الطريقة التي تمت الإعلان بها عن مقتل مساعد الملحق الإداري بالسفارة المصرية بالسودان مثلت فضيحة من العيار الثقيل لنظام الديكتاتور عبدالفتاح السيسي، وتصدر وسم "مساعد الملحق الإداري" قائمة الأكثر تداولاً على موقع تويتر في مصر، بعد ليلة من الجدل والأخبار المتضاربة حول مقتله في العاصمة السودانية الخرطوم. فيما لا يزال نحو 10 آلاف مصري عالقين في السودان في ظل عجز نظام الديكتاتور عبدالفتاح السيسي عن فعل أي شيء في ظل تآكل النفوذ المصري بالسودان.
وحسب مراقبين فإن المشكلة الحقيقية هي عدم احترام النظام العسكري في مصر للشعب المصرية وإصرار النظام من أعلاه إلى أدناه على التكتم وفرض سياج من الكتمان والسرية على جميع ما يحدث في مصر؛ وبدأ الجدل حين أعلن الجيش السوداني عن مقتل محمد الحسين محمد الراوي، واتهم فيه قوات الدعم السريع باستهدافه. لكن السفير المصري هاني صلاح ووزارة الخارجية المصرية سارعا لنفي الخبر، وأدلى بتصريحات عدة أكد فيها أن البعثة المصرية بكاملها بخير ولا صحة للخبر. لكن الوزارة عادت لاحقا لتعترف بمقتل الغراوي، وكذبت السفير المصري في الخرطوم، من خلال بيان رسمي لها، نقل المتحدث الرسمي لها أحمد أبو زيد جزءاً منه عبر حسابه على "تويتر". وقال أبو زيد: "تنعى وزارة الخارجية ببالغ الحزن والأسى فقيد الواجب، الأستاذ محمد الغراوي، مساعد الملحق الإداري بسفارة مصر في الخرطوم. استشهد الفقيد وهو في طريقه إلى مقر السفارة لمتابعة مهام إجلاء المواطنين المصريين. رحم الله فقيدنا الغالي وأسكنه فسيح جناته… وتحيا مصر دوماً بتضحيات أبنائها الأبرار"!
هذه الطريقة في الإعلان كشفت عن مدى ضحالة وانعدام كفاءة رموز الحكم ومؤسساته وهيئاته؛ وحتى آلته الإعلامية من صحف وفضائيات لم تجر أي محادثات هاتفية مع السفارة للتأكد من الخبر من عدمه، كان الجميع في حالة ارتباك وفوضى مع أن المسألة سهلة وبسيطة ومقتل أحد المصريين مهما علا منصبه في هذه الأجواء المشتعلة هو أمر متوقع لكنه يوجب على الحكومة سرعة إجلاء رعاياها حفظا لحياتهم. لكن يبقى السؤال الجوهري لماذا يلجا السفير والقائمين على السفارة إلى الكذب في مثل هذه المواقف؟ وهل يمكن أن يبقى مسئول وقد انكشف أنه كاذب؟ هناك بعض الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية تتهاون في سلوكيات مثل الزنا وشرب الخمر والعربدة وتعتبرها حياة شخصية لكنها لا تتهاون أبدا في القيم التي تتعلق بأداء المهنة والوظيفة الرسمية مثل الكذب والرشوة والسرقة وغير ذلك؛ فاتهام مسئول أمريكي بالكذب وثبوت ذلك عليه يعني تدمير حياته المهنية والسياسية. فلا يقبل مطلقا أن يكون هناك مسئول كذاب لأن ذلك من شأنه أن يدمر المجتمع والدولة على حد سواء. بعض الباحثين شبهوا الأمر بأجواء هزيمة 67 حين كان الجيش المصري يتعرض لأبشع هزيمة في تاريخه العسكري في الوقت الذي كان الإعلام يتحث عن انتصارات وهمية بأرقام مفبركة. وتساءل ضابط القوات الجوية المصرية السابق شريف عثمان: "مساعد الملحق الإداري اللي استشهد في الخرطوم كان مخابرات عامة ولا حربية؟ حد قال لكم إنه من الصقور وكده ولا لسه؟ مش قادرين يعترفوا؟"، وأجاب في تغريدة أخرى: "للمعلومية: الملحق الإداري ومساعد الملحق الإداري مخابرات".
وكتب أستاذ العلوم السياسية خليل العناني: "أسئلة كثيرة يطرحها خبر مقتل مساعد الملحق الإداري بالخرطوم (إذا سلمنا بصحة الخبر أنه ملحق إداري وليس عسكريا) أهمها: من الذي اغتاله؟ وما هي أهدافه؟ وهل هناك أطراف خارجية متورطة؟ والسؤال الأهم: لماذا لم يتم إجلاء طاقم السفارة المصرية وعائلاتهم على غرار ما فعلت معظم الدول؟". ولفت المغردون إلى خلو بيان الخارجية من أي تنديد بالحادث، وتعجبوا من لامبالاتها هي والجهات الرسمية لمجرد أن المستهدف موظف مدني في سفارتها بالخرطوم. وقال مصطفى جاويش: "غريبة جداً وأمر مؤسف أن يتم استهداف سيارة دبلوماسي مصر وقتله بالسودان، ويعقبه حالة من اللامبالاة الرسمية لمجرد أنه كان موظفاً مدنياً وليس عسكرياً، ويشهد على ذلك بيان الخارجية المصرية".
اللافت في بيان المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، أحمد أبو زيد، الأحد 23 إبريل، قوله إن حجم الجالية المصرية في السودان يتخطى عشرة آلاف مصري، ما يتطلب خطة آمنة لإجلائهم في ظل التصعيد الخطير. كما أعلنت الخارجية عن بدء إجلاء المصريين من من المناطق الآمنة بالسودان. وكانت قد دعت، صباح الأحد، المصريين خارج مدينة الخرطوم للتوجه إلى مقر القنصلية العامة المصرية ببورسودان ومكتب وادي حلفا القنصلي، تمهيدًا لإجلائهم. كما حثت المصريين المتواجدين داخل مدينة الخرطوم على البقاء في منازلهم لحين تحسن الأوضاع الأمنية بالمدينة، بما يسمح بالتنسيق مع السلطات السودانية لإجلائهم. وأعلنت وزارة الخارجية بحكومة الانقلاب، في وقت سابق، عن إجلاء 436 مواطناً من السودان عبر المنافذ البرية، بالتنسيق مع السلطات هناك، مشيرة إلى مواصلة السفارة والقنصليات في الخرطوم وبورتسودان، والمكتب القنصلي في وادي حلفا، التنسيق مع الرعايا المصريين لتأمين عملية إجلائهم تباعاً.
وبدأ عدد من الدول، في إجلاء رعاياها من السودان، حيث أغلقت الولايات المتحدة سفارتها في الخرطوم، ودشنت وزارة الدفاع الأمريكية عملية إجلاء عشرات الموظفين الحكوميين وعائلاتهم من العاصمة، على متن ست طائرات. كما أعلنت كلٌ من فرنسا وتركيا وإيطاليا بدء عمليات إجلاء موظفيها ورعاياها، فيما تسعى دول أخرى للإجلاء، في ظل تعرّض مطار الخرطوم لهجمات بالقصف وإطلاق النيران المُتكرر، ما يجعل عمليات الإجلاء بالطائرات منه غير ممكنة.
وتلعب الحكومة السعودية دوراً مهماً في تسهيل عملية عودة المصريين من السودان، إذ تقدم الدعم اللوجستي والمادي للعالقين هناك، وتساهم في توفير الرعاية الصحية والإمدادات الغذائية لهم، بالإضافة إلى تقديم دعم مادي للحكومة السودانية للمساعدة في تسهيل عمليات العودة، والتخفيف من المعاناة. والخميس الماضي (20 إبريل23م)، أعلنت سلطات الانقلاب نجاح الوساطة الإماراتية في تأمين سلامة الجنود المصريين الذين كانوا محتجزين لدى قوات الدعم السريع السودانية، والذين تم تسليمهم إلى السفارة المصرية في الخرطوم، معربة عن تقديرها لجهود الصليب الأحمر الدولي، لما بذله لدعم عملية تأمين سلامة الجنود المصريين. في اليوم ذاته، أكد الجيش المصري في بيان، أنه جرى تأمين وصول جميع الجنود إلى مقر سفارة مصر في الخرطوم، تمهيداً لإتمام إجراءات إجلائهم من الأراضي السودانية فور استقرار الأوضاع وتوافر الظروف الأمنية المناسبة لعودتهم، بالتنسيق مع الجهات السودانية واللجنة الدولية للصليب الأحمر.
مقتل طالب وإصابة آخر
في السياق لم تنجح مناشدات أهل أحد الطلاب المصريين، الذي توفي الاثنين 24 إبريل في السودان، من إجلاء جثمانه ودفنه في بلاده، فيما تتواصل مناشدات متكررة من أصدقاء طالب آخر مصاب بتدخل السفارة المصرية لمتابعة تطورات حالته الصحية، وسط صمت رسمي حتى الآن. وتوفي الطالب المصري صابر نصر الدين سيد، المسجل في كلية طب الأسنان بجامعة السودان العالمية الخاصة، إثر هبوط حاد في الدورة الدموية بمحل سكنه في العاصمة السودانية الخرطوم، وعدم إمكانية نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج. واضطر زملاء الطالب إلى دفن جثمانه في السودان، بعد تجاهل السلطات المصرية مناشدات أهله نقل الجثمان إلى مسقط رأسه في قرية ديروط الشريف التابعة لمركز ديروط في محافظة أسيوط (جنوب) لدفنه. وكان عدد من الطلاب المصريين العالقين في السودان قد نشروا تسجيلات مصورة على صفحاتهم الشخصية في "فيسبوك"، لفتوا فيها إلى تعرض حياتهم للخطر، ومعاناتهم من الهلع بسبب الاشتباكات المتبادلة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، المستمرة لليوم العاشر، وسط نفاد مخزون الطعام ومياه الشرب والأدوية. ووفق تصريحات وزيرة الهجرة المصرية سها جندي، فإن خمسة آلاف طالب مصري تقريباً يتابعون دراستهم في السودان، معظمهم في مرحلة التعليم الجامعي. وعزت جندي صعوبة إعادة مواطني بلادها العالقين إلى إغلاق مطار الخرطوم الدولي، وكذلك الحدود بين البلدين، بسبب العمليات العسكرية.
