عدد الأقباط .. “تواضروس” يمارس التضليل ودراسة محكمة تفند مزاعمه

- ‎فيتقارير

 

قال مراقبون: إن "بطريرك المسيحيين الأرثوذكس يتعمد تضخيم عدد الأقباط، وفق تصريحات متتالية، تواضروس الثاني بابا الأسكندرية في حوار مع صحيفة ’المصري اليوم’ يردد ما يردده بعض أتباعه من أن سجلات للمواليد والوفيات داخل الكنيسة بخلاف المعروفة عند أجهزة ومؤسسات الدولة".

وأضافوا أنه يدعي أن معرفته بعدد الأقباط في مصر وخارجها كشف عن إدعائه خلال لقائه الصحفي مع مسؤولي الملف القبطي لوسائل الإعلام، الذي عقد بالمقر الإداري الجديد بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، مساء السبت 29 أبريل 2023 قائلا: "نحن في مصر حاليا 105 مليون مصري تقريبا منهم 15 مليون قبطي ونحو 2 مليون قبطي يعيشون بالخارج متواجدين في نحو 100 دولة" وهو الرقم ذاته الذي كرره في حوار صحفي له في عام ٢٠١٨م، وهو ما يعني بحسب أقباط أنه من سنة ٢٠١٨ إلى سنة ٢٠٢٣ لم يولد قبطي واحد في مصرنا المحروسة داخل مصر وفي المهجر".

 

وردا على سؤال «المصري اليوم»، أوضح البابا أن تلك الأعداد تشمل جميع الطوائف المسيحية في مصر وليس الكنيسة الأرثوذكسية فقط، وأن تلك البيانات يتم الوصول لها من خلال تسجيل حالات تعميد الأطفال في الكنائس والزواج والوفاة في الكنائس.

 

ولا تشير البيانات الإحصائية المصرية في السنوات الأخيرة إلى نسبة الأقباط في تعداد سكان مصر، ويبرر مؤيدوها ذلك بعدم رغبتها في إضفاء أي صبغة طائفية على التعداد السكاني.

 

وفي المقابل، يرى أقباط أن حجب هذه النسبة تقف خلفه أهداف سياسية ترمي إلى تهميشهم وتغييب ثقلهم السكاني في مصر، في حين يرى ناشطون أن الهدف من الحجب هو التغطية على أن النسبة الحقيقية للأقباط أقل بكثير مما تعلنه الكنيسة.

 

وأمام الصمت الرسمي، يدعي الأقباط أن تعدادهم يبلغ 17 مليونا داخل وخارج مصر، وذلك يعني أنهم يمثلون نحو 15% من تعداد سكان مصر.

 

وفي حوار أجراه في 2018 مع صحيفة سعودية، قال البابا تواضروس الثاني: إن "تعداد المسيحيين في مصر يبلغ نحو 15 مليونا، فضلا عن مليونين خارجها يقيمون في نحو 60 دولة في أنحاء العالم".

 

وأشار تواضروس إلى أن الكنيسة ليس لديها إحصاء، ولكن هناك ما تسمى “العضوية الكنسية” التي تسجل من ينتسب للكنيسة عبر “المعمودية”، كما تسجل الكنيسة حالات الوفاة.

 

وتبدو هذه النسبة بعيدة جدا من معلومات رسمية أفصح عنها الجهاز المركزي للإحصاء عام 2011 عقب الثورة الشعبية التي أسقطت نظام الرئيس الراحل حسني مبارك، بعد 30 عاما قضاها في السلطة.

 

وفي سبتمبر 2012 قال رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) اللواء أبو بكر الجندي: إن "عدد الأقباط المصريين يبلغ 5 ملايين و130 ألفا".

 

وجاء في تصريحات الجندي أن الأقباط أكثر هجرة وأقل في نسبة الإنجاب، مؤكدا أن هذه الأرقام موثقة ورسمية وليست محل شك.

 

وأثارت هذه التصريحات غضبا واستنكارا شديدين في الأوساط القبطية التي وصفتها بأنها تسريبات متعمدة لتحقيق أغراض سياسية والتأثير في حقوقهم.

مغالطات كنسية

وتحت عنوان "مغالطات الكنيسة المصرية في عدد الأقباط" استعرض الصحفي عامر عبد المنعم، في 23 ديسمبر 2018، ابتزاز تمارسه الكنيسة المصرية لا تتوقف عنه، مستغلة ضعف السلطة لتحقيق المزيد من المكاسب الطائفية دون أي مراعاة لصورة الأقلية كجزء من نسيج المجتمع المصري.

 

وهو الزعم الذي سبق وردده ليعني به ، 17% تقريبا من سكان مصر، بالمخالفة لكل التعدادات السكانية التي أجريت منذ أواخر القرن الثامن عشر وحتى الآن والتي تؤكد أن نسبة كل الطوائف المسيحية في حدود 6% أي لا تزيد عن 6 ملايين نسمة من مائة مليون مصري.

 

واعتبر"عبدالمنعم" أن "تكرار هذه الأرقام المضللة يفضح النوايا الطائفية في المطالبة بنظام المحاصصة على حساب المواطنة، ووضع بنية أساسية لتقسيم الدولة المصرية على أساس طائفي، وهو تخطيط خارجي يخالف ما هو مستقر في مصر، ويفتح الباب إلى التدخل الخارجي الذي يتحرك بتوجيه صهيوني".

 

واعتبر أن حملة موازية لتضخيم عدد الأقباط وتزييف الواقع بدأت منذ أيام البابا شنودة الذي زعم أن العدد يصل إلى 12 مليونا، وقد تجاوبت معها الموسوعات وبنوك المعلومات الغربية التي كانت تعتمد رقم الـ 6 %، حتى عام 2006 عندما نشر الكتاب السنوي الذي تصدره المخابرات المركزية الأمريكية “Fact Book” أن نسبة الأقلية المسيحية في مصر 10% دون أي إشارة إلى أسباب هذه القفزة غير المنطقية.

ولفت إلى أن كتاب المخابرات الأمريكية قامت الموسوعات الغربية الشهيرة مثل الموسوعة البريطانية، وموقع ويكيبيديا الشهير بتغيير النسبة لتثبيت الرقم الجديد 10% لتكبير حجم الأقلية والتهيئة بالمعلومات لفرض نظام المحاصصة الطائفية وجعل الموضوع مادة للتفاوض، وإخراجه من النطاق المحلي إلى موائد القوى الدولية الكاثوليكية والبروتستانتية، التي ثبت تاريخيا أنه لا يهمها مصلحة الأرثوذكس المصريين.

 

نسبة لا تتغير كثيرا

وعن نسبة الأقباط منذ القرن الـ 18، استعرض الصحفي السابق بصحيفة "الشعب" الناطقة بلسان حزب العمل المجمد من سلطات المخلوع مبارك، ما قاله المستشرقون الغربيون والمبعوثون الأجانب الذين جاءوا إلى مصر منذ الحملة الفرنسية عام 1798 وفي عهد محمد علي ثم في ظل الاحتلال الإنجليزي ودونوا في كتبهم وتقاريرهم أن الأقباط الأرثوذكس أقلية ضئيلة، وفي كل التعدادات التي أجريت تحت إشراف الإنجليز كانت نسبتهم تدور حول نسبة الـ 6%.

يقول جمال حمدان في كتابه “شخصية مصر” الذي تضمن إحصاءات وافية في الموضوع أن الأقلية القبطية في مصر ثابتة تقريبا كما كانت محدودة الحجم عموما، أقلية ضئيلة إن صح التعبير؛ ففي أيام الحملة الفرنسية أي في أواخر القرن الثامن عشر قدر عددها بنحو 150 ألفا من مجموع السكان البالغ حينئذ نحو  مليونين ونصف المليون، بما يعادل 6% بالتقريب.

 

جمال حمدان

 

ولفت عبدالمنعم إلى إلى ما اعتمده جمال حمدان في تقدير عددهم الحقيقي أثناء الحملة الفرنسية إلى كتاب شارل عيسوي وهو أرثوذكسي من أصل يوناني والذي أشار في كتابه Egypt: An economic and social analysis إلى التراجع المستمر في عدد الأقباط بسبب اعتناق الدين الإسلامي والانضمام إلى الكنائس الأخرى.

واستعرض كذلك ما كشفه المستشرق الإنجليزي إدوارد وليم لين الذي زار مصر في عام 1825 ومكث بها 3 سنوات ثم جاء مرة أخرى 1833 وعاش بها لمدة عامين ثم أصدر كتابه الذي اعتمد عليه الإنجليز في هذه الفترة لمعرفة كل شيء عن المجتمع المصري بعنوان: The manners & customs of the modern Egyptians والذي يتكون من 630 صفحة ويتناول كل شيء في مصر منها الإحصاء السكاني وعدد التابعين للطوائف المختلفة.

كتب إدوارد وليم لين أن عدد المسيحيين المصريين (الأقباط) في هذا الوقت يبلغ 150 ألف نسمة من عدد سكان مصر، وقال: إن  "عدد المسلمين المصريين من أهل الريف والمدن بلغ مليونا و750 ألفا، العثمانيون الأتراك 10 آلاف، السوريون والشوام 5 آلاف، اليهود 5 آلاف، الأرمن ألفان، والعرب البدو وأهل النوبة والعبيد الزنوج والعبيد البيض أو المماليك والجواري والفرنجة يبلغ عددهم 70 ألفا".

وقد أشار إدوارد لين إلى تناقص عدد الأقباط في الريف والصعيد بسبب اعتناق الإسلام وأرجع هذا إلى إهمال البطريركية وعدم الاهتمام برعاياها، وقد نشر أكمل الدين أوغلي في كتاب “الأتراك في مصر” ملخصا للأرقام التي نشرها أدوارد وليم، وإحصاءات أخرى نشرها الفرنسي ريميه أرميدي عن إحصاء تقريبي في السنوات الأولى لحكم محمد علي جاء فيه أن مجموع عدد السكان كان 2,893,500 نسمة، منهم 2,600,000 مصريون مسلمون، و150 ألفا مصريون من الأقباط و12 ألفا أتراكا عثمانيين، وخمسة آلاف مماليك ورقيق أبيض.

وأشار أيضا للمستشرق الفرنسي جورج دووين وألف كتبا اعتمدها الفرنسيون لمعرفة المجتمع المصري، حيث أصدر دراسة بعنوان: La Mission du baron de Boislecomte:l’Egypte et la Syrie en 1833  تضمنت إحصاءات تقديرية للسكان في عام 1833 قال فيها: إن "مجموع سكان مصر يصل إلى 3 ملايين نسمة، ويبلغ عدد المسيحيين الأقباط 160 ألف نسمة، بينما بلغ عدد المصريين المسلمين مليونين و500 ألف نسمة، ويتراوح عدد الأتراك بين 20 و30 ألف نسمة، والمماليك 4 و5 آلاف نسمة، قبائل بدوية 206 آلاف، نوبيون وبربر 30 ألفا، زنوج 20 ألفا، روم 10 آلاف، أرمن 20 ألفا، يهود 4 آلاف".

الاحتلال الإنجليزي

وبالعودة لتاريخ التعداد السكاني المصري في الفترة الممتدة من عام 1897 إلى 1986 توضح أن نسبة الأقباط ظلت تراوح بين 6% و8% بحسب قناة “الجزيرة”.

وفي كتابه “الدولة والكنيسة”، يوضح المؤرخ المستشار طارق البشري أن نسبة المسيحيين في مصر كانت 6.3% في عام 1897، و6.4% في عام 1907، و8.1% في عام 1917، و8.3% في عام 1927، و8.2% في عام 1937.

وبلغت هذه النسبة 7.9% في 1947، ثم أُدخلت أساليب علمية جديدة في طريقة الإحصاء، فأظهر إحصاء عام 1960 أن نسبة المسيحيين بلغت 7.3%، ثم صارت 6.7% عام 1966، و6.24% عام 1976، ثم أقل من 6% في تعداد عام 1986.

وعن الأرقام التي أوردها كتاب المستشار البشري فاعتمدت منذ عام 1897 على مصلحة المساحة التي يشرف عليها الإنجليز تقوم بالتعداد، وفسر بها "البشري" ارتفاع نسبة الطوائف المسيحية في التعدادين عامي 1917 و1927 بتدفق الطوائف الأوربية إلى مصر في ظل الاحتلال الإنجليزي، وقد انخفضت هذه النسبة بعد عام 1952 حيث خرجت الطوائف الأجنبية من البلاد بسبب تصاعد حالة العداء الشعبي، خاصة بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، بحسب ما نقل عامر عبدالمنعم.

 

ولفت إلى تعداد 1907 كنموذج موثق سنعرف الحقيقة بكل حياد وموضوعية، مما ورد في كتاب السوري المسيحي نعوم شقير في كتابه “تاريخ سيناء القديم والحديث”  نائب رئيس المخابرات المصرية التي يديرها الإنجليز، وضابطا في الجيش الإنجليزي.

 

وقال "شقير": إن "التعداد الرسمي الأخير سنة 1907 بلغ عدد سكان مصر 11,287,359 نفسا منهم 10,269,445 مسلمون ربما كان ثلثاهم من أصل قبطي والثلث الباقي من أصل عربي، بينهم 27,591 من أتراك عثمانيين وأعجام وغيرهم، ومن بين 706,322 أقباط نصارى يوجد منهم 14,576 كاثوليك و24,710 بروتستانت والباقون أرثوذكس، ويبلغ عدد النصارى السوريين والإفرنج من جميع الأجناس وأكثرهم يونانيون وطليان 175,370 نفسا، ويبلغ عدد اليهود 38,635 ، والديانات الأخرى 97,587 نفسا، ويبلغ عدد أفراد قبائل البدو 635 ألفا منهم 97,380 قدروا تقديرا وهم قبائل شتى، وكلهم مسلمون وينتسبون إلى عرب الحجاز”.

 

تقرير جورست

واعتبر "عبدالمنعم" في ذلك الصدد أن تقرير السير ألدون جورست الحاكم البريطاني لمصر بعد اللورد كرومر الذي كتبه في عام 1911 وكان منحازا للأقباط المصريين ومن المراجع المهمة حيث أنه "عين بطرس غالي رئيسا للوزارة وزاد من تعيين الأقلية في المناصب العليا للدولة".

 

وفي كتابه Power and Passion in Egypt : A Life of Sir Eldon Gorst  الذي يتناول سيرته ويتضمن التقارير والوثائق التي كتبها قال فيه: إن "عدد الأقباط يبلغ نحو 700 ألف نسمة فقط من مجموع السكان الذي يصل الى 11 مليون نسمة، ( أرقام أخرى ذكرها محمد مورو في كتاب يا أقباط مصر انتبهوا).

 

ما بعد 1952

وأشار في ذلك إلى أن أول إحصاء تجريبي في عام 1960 ظهر أن إجمالي الطوائف المسيحية كان 7,3%، وفي التعداد التالي الذي أجري عام 1966 كانت النسبة 6,7%، وبعد 10 سنوات بلغت النسبة في تعداد 1976 نحو 6,24%، ثم بنسبة 5,7% عام 1986، ثم امتنعت الحكومة عن اعلان النسبة في التعدادين التاليين لعامي 1996 و2006 بعد الحملة التي شنها أقباط المهجر على الرئيس الأسبق حسني مبارك.

عندما أعلن اللواء أبو بكر الجندي رئيس الجهاز المركزي للإحصاء السابق في عام 2012 أن عدد الأقباط المسيحيين 5 ملايين و130 ألف نسمة تعرض لانتقادات من قيادة الكنيسة، فاضطر تحت الضغط إلى الامتناع عن أعلان نتيجة التعداد في 2016 وبرر ذلك بالالتزام بتطبيق اتفاقية الأمم المتحدة بعدم التطرق إلى خانة الديانة في استمارات الإحصاء.

 

مزاعم كنسية

 

وخلص عامر عبدالمنعم إلى أن هذه التقارير تؤكد أن ماذ هب إليه رأس الكنيسة مزاعم تتطابق ومزاعم أقباط المهجر المتطرفين الذين يطالبون بالانفصال وإقامة دولة قبطية ليس لها أصل، وليست صحيحة، وبالتالي فإن واجب الدولة أن تظهر نتيجة التعداد حتى لا تفتح الباب للمتطرفين لإقناع الرأي العام المحلي والدولي بأرقام زائفة ومعلومات مغلوطة سيترتب عليها مطالب طائفية تثير الفتن وتعمق من انشقاق المجتمع.

 

وعن جانب الانقلاب المتواطئ مع الكنيسة اعتبر الصحفي والباحث أن "المصارحة مطلوبة لوأد الفتنة، والامتناع عن نشر الإحصاء الرسمي يجعل الأكاذيب حقيقة، ويفتح شهية النزعة الطائفية للمطالبة بالمزيد. وبالتأكيد لا أحد في مصر ضد هضم حقوق الأقلية لكن لا أحد يوافق على أن تتغول الأقلية وتتعملق على خلاف الحقيقة وضد الواقع على الأرض، وتريد أن تفرض نفسها على الأغلبية وتملي شروطها اللا معقولة".

 

وأوضح أنه وفقا التجربة المكررة "الأقليات تتمرد في أوقات ضعف الدول وعلو الهيمنة الخارجية، لكن دروس التاريخ تكشف أن هذه الأقليات هي أول من يعاني مع تغير الأوضاع، وتدفع ثمن أطماعها، والدرس الأقرب في الحالة المصرية هو ما حدث للمعلم يعقوب الخائن الذي تحالف مع الحملة الفرنسية ضد المصريين المسلمين ولكنه دفع هو ومن ساروا خلفه ثمن الخيانة، وهذا ما استفاد منه الأقباط بعد الاحتلال الإنجليزي حيث انحاز قطاع كبير منهم للحركة الوطنية وحافظوا على تماسك المجتمع المصري ضد المحتل الأجنبي، فاحتضنهم الشعب واحترم رموزهم الوطنية".