يعزو المفكر السوداني ورئيس مركز دراسات السلام في جامعة الخرطوم السابق الدكتور محمد محجوب هارون، الصراع المسلح الدائر حاليا بين الجيش بقيادة الفريق عبدالفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة الجنرال محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي إلى عدة أسباب وعوامل:
أولها هو
ضعف البناء القيادي للدولة السودانية، مؤكدا أن وجود جيش موازٍ في بلد واحد أو داخل السيادة الواحدة يوفر قابلية لوقوع صراعات مسلحة، مشددا على أنه لا يوجد حالة مشابهة للسودان تعيش التعدد في الجيوش الوطنية. ورغم حالة اليأس والإحباط والخوف الشديد على مستقبل البلاد، يعرب هارون عن اعتقاده بأن هناك حقبة جديدة من السياسة الوطنية ستتشكل في السودان، معبرا عن أمله في أن تكون في الاتجاه الصائب وتستند إلى توافق وطني عريض القاعدة. ويشرح رئيس مركز دراسات السلام في جامعة الخرطوم أن الضعف في البناء القيادي للدولة موجود منذ فترة طويلة مما قاد إلى إضعاف الدولة وهياكلها، وبالتالي نشأت حاجة في الدولة للاستعانة بوكلاء للقيام بوظائف أساسية مثل وظيفة حفظ الأمن، وهي في نظرية الدولة وظيفة محتكرة حصرياً للجيش الوطني والمنظومة الأمنية الأخرى. ولما ضعف أداء الدولة ووهنت قدرتها بدأت تنشأ الاحتياجات إلى جهات تساعد في حفظ الأمن، وظهر ذلك في جنوب السودان خلال مرحلة الحرب الأهلية، ثم في دارفور، ولما قدرت القيادة السياسية أنها لم تستطع مواجهة الحركات الاحتجاجية المسلحة بالجيش الوطني قبلت أن تعمل وفقا لنظرية الحرب بالوكالة مما قادها إلى البحث عمن يقومون بهذا الدور، وتبعاً لذلك نشأت قوات الدعم السريع التي استفادت من حالة وهن القيادة السياسية للدولة واستطاعت أن تبني قوتها كقوات موازية للجيش الوطني.
ثانيها أن هذا الوضع الذي تنفرد به السودان دون غيرها (وجود جيشين لدولة واحدة) أغرى أطراف خارجية من أجل استغلال هذا الوضع ورأت أن تستثمر في الجيش الموازي (الدعم السريع)، وتؤسس بناء على ذلك مشروعا للاستيلاء على الحكم بالقوة المسلحة، ونحن نعيش حاليا وقائع ذلك المشروع عبر المواجهات الجارية بين الجيش والدعم السريع.
وثالث الأسباب هو ضعف النخبة وبحثتها عن مصالحها الخاصة، ما ادى إلى اتساع رقعة الفراغ الناتج عن الانقسامات والصراعات الداخلية والذي شغلته قوى أجنبية صارت تتحكم بالمشهد السياسي وصناعة القرار الوطني، يقول هارون: «حينما تكون لديك دار وتحكم إغلاقها لا يستطيع أحد أن يقتحمها، إلا في حال قبولك بذلك وفتحها له بتفاهم بينكما، نحن بكل أسف دار السودانيين ليست مفتوحة الأبواب بل هي بلا أبواب، ومفتوحة النوافذ ومحطمة الأسوار كذلك، والسبب الرئيسي في ذلك ضعف النخب السياسية وتراجعها إلى مربع المصالح الذاتية والكيانية الضيقة والرخيصة وهي سبب الخيبات». ويضيف: «للأسف يتم شراء التدخل الخارجي بقيمة زهيدة عبر قيادات لا تستحق ثمن البيع الذي تبيعه لفتح المجال أمام التدخل الخارجي، بجانب ضعف القيادات التي تدير المشهد وغياب الاستقامة الأخلاقية، كل ذلك مع فجوات إدارة الشأن العام، مما فتح الباب أمام عمليات البيع والشراء وأتاح للقوى الأجنبية أن تفرض نفسها لتحقيق مصالحها وأجندتها على حساب القرار الوطني والمصلحة الوطنية».
سيناريوهات متوقعة
وحول المخاوف من اتساع دائرة القتال وتمدده من الخرطوم إلى بعض الولايات وتحوله إلى حرب أهلية، لا يستبعد المفكر السوداني في حواره مع ــ شبكة الجزيرة نت ـ حدوث ذلك ما دامت حالة الضعف مستمرة وعدم نشوء قيادة جديدة مقتدرة تستطيع قيادة البلاد، في ظل الظروف الحرجة التي تعيشها. مشيرة إلى أنه ليس من الحكمة أن نتعامل مع الوضع المعقد في البلاد بالأماني، والتقديرات الساذجة إلى حد ما، السودان في حاجة إلى قيادة مقتدرة لتجنب كثير من المخاطر وخاصة في مرحلة ما بعد الصراع.
وحول السيناريوهات المتوقعة في ظل المعطيات الراهنة للواقع الذي تعيشه البلاد، يرى هارون أن السودان مفتوح على كافة السيناريوهات، فالقتال الجاري حاليا بين جيشين، الأول الجيش الوطني والآخر جيش كانت له درجة من المشروعية القانونية، ومدى القتال وآثاره المادية والبشرية كبيرة، وسيكون لها آثار على المستقبل. ويرى أن السياسة التي كانت سائدة في السنوات الأربع الأخيرة أسهمت بدرجة كبيرة في الوصول إلى الوضع الحالي، وليس منظوراً أن تكون السياسة ذاتها التي ستشكل سودان ما بعد الاقتتال. مرجحا ولادة حقبة جديدة من السياسة الوطنية ستتشكل في أعقاب الحرب، راجيا أن تكون في الاتجاه الصائب تستند إلى توافق وطني عريض القاعدة. فالقتال الدائر حاليا يمكن أن ينتهي بتعلم النخبة الوطنية من دروسها، وسيكون ذلك مسوغا لبداية عملية شجاعة وكبيرة لمراجعة أخطاء الحقب الماضية في السياسة الوطنية، وبالتالي تحويل الأزمة إلى نعمة والمحنة إلى منحة. ورغم الدماء والأشلاء والدمار، يمكن أن نرى ضوءا في نهاية النفق، وأن نصنع من ذلك مستقبلا كما فعلت بعض البلدان حتى في المحيط الأفريقي كما حدث في جنوب أفريقيا بقيادة مانديلا، ورواندا تحت قيادة بول كاغامي، وفي ساحل العاج وغيرها، وفي حال لم نتعلم من الدرس فيجب أن نستعد لتلاشي الكيان الوطني الكبير (السودان) ونسأل الله ألا يحدث ذلك.
وينتهي إلى أن المعادلة المناسبة لتحقيق الاستقرار في البلاد في ظل التنوع والتعقيدات التي تعيشها، يجب أن تقوم على توافق عريض حول ماهية المصلحة الوطنية وتوفير قاعدة جيدة للأمن القومي، والقوة الذاتية الوطنية ونشوء هياكل دولة وظيفية مقتدرة لتحقيق حد أدنى من رضاء المواطن وبناء حالة القدرة والكرامة الوطنية وعلاقات اقتصادية منصفة، ولو توفرت هذه المقومات وتوفرت الإرادة الوطنية سيتحول التنوع في السودان إلى عنصر قوة وليس أداة تنازع وإضعاف للدولة.