الحملة على الإخوان بالتزامن مع مسرحية “الحوار الوطني”.. رسائل ودلالات

- ‎فيتقارير

تواجه جماعة الإخوان المسلمين تصعيدا جديدا للانتهاكات وحملة الدعاية السوداء ضد الجماعة وقادتها ورموزنها؛  فقد صدرت عدة أحكام قضائية بوضع الجماعة على قوائم الكيانات الإرهابية وأحكام أخرى بإعدام فضيلة المرشد وعدد من قيادات الجماعة والمؤبد لآخرين؛ بخلاف إدراج أكثر من ألفين من قادتها على قوائم الإرهاب. وهي الحملة التي تتزامن أيضا مع حملة مماثلة ضد روابط الألتراس الرياضي أهلاوي ووايت تايتس.

قبل الحديث عن رسائل ودلالات تصعيد الانتهاكات ضد قيادات وعناصر جماعة الإخوان المسلمين، يتعين أولا إدراك لغز التوقيت لأن هذه الحملة تأتي في أعقاب السجال الدائر  قبل سنة حول الحوار الوطني وما أثير بشأن إمكانية مشاركة ممثلين عن الإخوان فيه؛ وما أثير بشأن احتمال وجود تسوية للأزمة؛ ونستنتج من تصعيد الحملة في هذا التوقيت أن الوساطات التي جرت خلال الشهور الماضية قد فشلت في التوصل لحل، وأن قيادات الجماعة رفضوا شروط الإذعان والتسليم بالأمر الواقع؛ وبالتالي فإن النظام الذي يجد نفسه في موقف شديد الضعف لأسباب اقتصادية في معظمها مدفوعا بمخاوف من احتمال خروج الأمر عن السيطرة يواصل المزيد من الضغوط على قيادات الجماعة بالسجون من أجل إجبارهم على التسليم متجاهلا  أن الجماعة قد دفعت بالفعل أثمانا باهظة خلال السنوات الماضية؛ وبالتالي فإن إجبارهم على التسليم بالانقلاب اليوم بعد كل هذه التضحيات هو سلوك عبثي بامتياز ولن يأتي بأي نتائج على الإطلاق. يعزز موقف الرفض لدى قيادات الجماعة أن النظام نفسه ليس أهلا هلللثقة فقد  عاينه الجميع غدارا سفاكا للدماء، لا يتورع عن فعل أبشع الجرائم من اجل التشبث بالسلطة حتى النهاية.

من جانب آخر فإن النظام حريص كل الحرص على تمرير مسرحية الرئاسة على نحو يضمن به بقاء السيسي لولاية رئاسية ثالثة حتى منتصف 2030م؛ وبذلك يكون السيسي الذي لا يحق له وفقا لدستور الانقلاب نفسه سنة 2014م سوى حكم البلاد (8 سنوات فقط) لفترتين مدة كل فترة أربع سنوات، لكنه اليوم يحكم للسنة العاشرة حتى منتصف 2024، ومنح نفسه بالتعديلات اللا دستورية في إبريل 2019م، حق الترشح لمدتين إضافتين كل فترة 6 سنوات كاملة!

فما رسائل ودلالات الحملة على الإخوان في هذا التوقيت؟

الرسالة الأولى هي العمل على تركيع الجماعة، وإجبارها على التسليم بالوضع الراهن؛ وحين دعا السيسي إلى ما يسمى بالحوار الوطني في إبريل 2022، دعا إلى «حوار وطني شامل لا يستثني أحدا»، ما أثار التكهنات بشأن احتمال تسوية الأزمة مع الجماعة، لكن السيسي لا يبحث عن تسوية بل عن صك إذعان واستسلام. الدليل الأول على تصريحات السيسي في سبتمبر 2021م، خلال كلمته في حفل إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان،  قال فيها «إنه ليس مختلفا مع الفكر الذي يتم صبغ المجتمع به منذ 90 عاما، لكن بشرط أن يحترم مساري، ولا يتقاطع معي، ولا يستهدفني»، في إشارة إلى جماعة الإخوان التي لم يسمّها. وهي التصريحات التي تطرح صفقة (القبول بالجماعة مقابل الاعتراف بالنظام)، وطرح السيسي ثلاثة شروط لذلك، وهي التسليم بسلطته وشرعيته، وألا يقفوا في طريقه أو ينازعوه الحكم، ولا ينتقدوه".

الدليل الثاني، أن بعض الكتاب المعروفين بمعارضتهم للنظام بعدما كانوا في صفه وقت الانقلاب طالبوا الجماعة بالفعل بإعلان الهزيمة أمام النظام من أجل عشرات الآلاف من المعتقلين؛ ويرى هؤلاء أن على الجماعة التحرك من أجل إنقاذهم بأي ثمن، حتى لو كان هذا الثمن هو قيام جماعة الإخوان بتجميد نشاطها في مصر إلى أجل غير مسمى، أو لسنوات، إنقاذًا لهؤلاء وأُسرهم في آن واحد، وهو إجراء ليس في حاجة إلى مفاوضات مسبقة مع السلطة للوقوف على مدى قبوله من عدمه، ذلك أنه سيضع السلطة ــ حسب هؤلاء ـ في كل الأحوال في موقف لا تُحسَد عليه داخليًّا وخارجيًّا في آن واحد، وسيحقق الهدف ولو جزئيًّا. ويقر هؤلاء أن النظام في حاجة إلى مصالحة في الداخل وثقة في الخارج مدعين أنه لن يمانع من التفاعل مع أي أجراء حاسم في هذا الإطار، إلا أن الجماعة يجب أن تعترف بالهزيمة أمامه، وليس بالندية في هذه المرحلة تحديدًا، ذلك أن التاريخ في كل الأحوال يكتبه المنتصرون. حسب الكاتب عبدالناصر سلامة، رئيس تحرير الأهرام سابقا، في مقاله رسالة إلى جماعة الإخوان" المنشور بموقع الجزيرة مباشر.لكن الكاتب يتجاهل لا ندري عمدا أم سهوا أن الجماعة لو فعلت ذلك ابتداء فإن النظام  سيكون قد حصل على كل شيء والجماعة لن تحصل على شيء وساعتها لن يكون النظام في حاجة إلى إطلاق سراح المعتقلين.

الدليل الثالث، أن نفس الرسالة وصلت عن طريق محامي شهير آخر، كما كتب الأستاذ منتصر الزيات في عدة تغريدات (ديسمبر 2022) يطالب فيها الإخوان بإجراء مراجعات؛ يقول فيها عبر تويتر: «البقاء في السجون، وتلبس حالة المظلومية لن يكون الحل الأمثل لاحتواء أزمة طالت، أعتقد أنه على القيادات الموجودة داخل السجن أن يتخلوا عن صمتهم، وأن حديثهم الإيجابي عن الأخطاء التي وقعت خلال تجربة الحكم سوف يقضي على الفوضى الحاصلة بين فرقاء الفصيل الإسلامي ويوقف المزايدات». ولا أدري بالضبط فحوى المراجعات التي يطلبها من الإخوان؛ لأن الجماعة من الناحية الفكرية ليست محل اتهام فرغم كل هذا الظلم الذي تعرضت له إلا أنها لم تنزلق إلى مربع التكفير أو الحرب الأهلية. كل ما في الأمر أن الجماعة ترفض السطو على الحكم بانقلابات عسكرية وتطالب بنظام حكم رشيد يقوم على إرادة الشعب الحرة والتسليم بهذه الإرادة دون إقصاء أو تهميش؛ وإقامة العدل والمساواة في الأرض؛ فهل هذا فكر يحتاج إلى مراجعة أم الطرف الآخر الذي يمارس كل أشكال الظلم والطغيان؟!  والعجيب أن من يكتبون هذه الرسائل ويضغطون على الإخوان لا يمارسون أي ضغوط تذكر على الطرف الباغي المعتدي الذي يفرض نفسه على المجتمع بالحديد والنار! و«هل سجن الإخوان، وأعدموا، وقتلوا بالتصفية خارج القانون، أو بالموت بالإهمال الطبي في السجون، هم وغيرهم، هل قتلوا لأنهم فشلوا في الحكم؟ هذا كلام ينطوي على هروب من مواجهة النظام الفاشي القاتل في مصر، لمواجهة المقتول، لأنه شارك في التجربة الديمقراطية، سواء نجح المشارك أم فشل، إن الفشل السياسي معروف عقابه، هو أن تحرمه الجماهير من الحكم، ويأتي غيره، وهكذا، كل دورة انتخابية تكافئ الجماهير أو تعاقب من تصوت له أو عليه، وذلك يكون عبر صناديق الانتخابات، وليس صناديق الذخيرة.

وحتى إذا سايرنا من يدّعون فشل الإخوان سياسيا؛ فهل من يفشل سياسيا يلقى به في غياهب السجون حتى الموت؟ هذا معناه أننا نحكم بقتل السياسة والعمل السياسي، ولو طبقنا ذلك على كل نظام يحكم ويفشل فمعناها أننا حكمنا كذلك على نظام السيسي، وكل نظام سيأتي نطبق عليه نفس المبدأ، وهو ما لم يقل به سياسي على مدى اتاريخ السياسي والفكر السياسي، ذلك ضرب من الجنون والخبل الفكري والسياسي معا. 

 

الرسالة الثانية، أن النظام يستهدف بالممارسات الانتقامية من الإخوان أن يجعل منهم عبرة للمعارضة والمجتمع كل؛ فالنظام يمارس أبشع صور الظلم والإرهاب والطغيان من أجل أن يبعث رسالة تهديد وإرهاب للمجتمع؛ فهو لن يقبل سوى الخضوع والإذعان الكامل من المجتمع بكل أحزابه وأطيافه وتياراته. فالجنرالات يؤدون دورا وظيفيا بامتياز مرهون في معظمه بمعادلة الحكم التي وضعت أجندتها الولايات المتحدة الأمريكية لضمان مصالحها ومصالح الغرب بشكل عام. في مقابل عدم الضغط على المؤسسة العسكرية إلا فيما يهدد المصالح الأمريكية.

الخلاصة أن المؤسسة العسكرية تتبنى في حكمها لمصر «المعادلة الصفرية» في صراعها مع المجتمع، والتي تقوم على مبدأ "إما نحن وإما هم"، فذلك هو منطق الدولة المصرية "الحديثة" بالطريقة التي أنشأها بها محمد علي، وهي  منظومة في تضاد بنيوي مع المجتمع وقواه وممثليه، بحسب الكاتب والمحلل السياسي الدكتور خليل العناني،  وهو منطق يقوم على رفض أي شكل من أشكال التمثيل الشعبي، سواء أكان سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا انطلاقا من كونه يمثل خطرا على الدولة ذاتها، أو بالأحرى على مصالح من يحكمونها ويسيطرون عليها. معنى هذا وفقا لهذا التفسير، فإن إحدى المهام الأساسية لهذه الدولة "العسكرية" هي تفكيك أي تكوينات أو تنظيمات أو حركات قد تمثل قطاعات شعبية معينة، ويتحول الأمر إلى حرب شاملة أمنية واقتصادية واجتماعية إذا تجرأت أي من هذه القوى ودخلت المجال السياسي منافسا للجيش الذي تحول إلى حزب سياسي يحتكر كل شيء في البلاد. فالدولة المصرية على النحو الذي كرسه محمد علي في بدايات القرن التاسع عشر، تكره التمثيل الشعبي، وتعتبره خطرا وجوديا عليها وعلى مصالح حكامها ومن يدور في فلكهم من الحاشية وحواشيهم، وأنها إذا سمحت به يجب أن يكون ذلك ضمن شروط معينة وتحت سقف محدد بحيث يصبح تجاوزه ولو دون قصد، كأنه إعلان حرب على الدولة يحتم عليها خوضها وكسبها وكسر عظام من تجرأ على كسر هذه المعادلة، ليس انتقاما منه فحسب، وإنما ردع لكل من يفكر في تقليده.